تخطى الى المحتوى

الشيخ التجاني ومنهجه بين الإنكار والإعذار

جدول المحتويات

*الوردُ التجاني وأصالته

 

ليتسنى الرد لا بد من معرفة ورد الشيخ الذي استوجب كل هذا النكير والتضليل والتكفير فالطريقة استغفار وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهيللة يلتزمُهَا العبد المقبل على الله صباحًا ومساءً على عدد معين بعد أخذه العهدَ على نفسه لله تبارك وتعالى بالتزامه ومداومته إلى الممات وقد قالَ صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين سألَهُ أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال "أن تموت ولسانُك رطبٌ من ذكر الله"(ابن حبان) والتزام العبد على نفسه، طواعية، بعمل بر هو باب من أبواب العقود والعهود التي أمر اللـه بالوفاء بها {يا أيها  الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، {وأوفوا بعهد اللـه إذا عاهدتم}.

 

-تحديدُ الأذكار كمَّا ووقتًا

 

 ورد الأمر صريحًا في الكتاب والسنة بالإكثار من الذكر عمُومًا ووردَ تحديدُه العددي والزمني كذلك، قال صلى الله عليه وسلم "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" (مسلم) "من صلى عليَّ حين يصبحُ عشرًا وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة"(الطبراني)  وفي حديث أم هانئ "وهلِّلي مائة تهيللة لا تذرُ ذنبًا ولا يسبُقُهَا عمل"(أحمد والنسائي) {واذكرْ ربَّكَ كثيرًا وسبِّحْ بالعشيِّ والابكار} {يا أيها الذين آمنوا اذكُروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوهُ بكرةً وأصيلا} ووَرَدَ "اكلَفُوا من العمل ما تطيقون"(البخاري)، "أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُهَا وإن قل"(البخاري) "كان عَمَلُه صلى الله عليه وسلم ديمة"(الشيخان) والمداومةُ لا تكون إلا بعدد معين، ومن ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يزيدُ على إحدى عشرة ركعة في قيام الليل (الشيخان عن عائشة) أو كانت صلاته من الليل ثلاث عشرة ركعة (الشيخان عن ابن عباس). أما أساسُ اتخاذ الوردِ فهو "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل"(مسلم والترمذي) وقد قرأ النبي صلى اللـه عليه وسلم مستشهدا لذلك قوله تعالى {وجعلنا الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}، فهي آية صريحة في قضاء الورد. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (والحديث [المذكور آنفا] يدل على مشروعية اتخاذ ورد في الليل وعلى مشروعية قضائه إذا فات لنوم أو لعذر من الأعذار) وقال صلى الله عليه لابن عمر "لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم تركَه"(متفق عليه) ولا فرق في ذلك كله بين الصلاة وغيرِهَا من الأذكار إذ لم يردْ ما يخصص ذلك بالصلاة ويمنعه في غيرِهَا وهي كسائر القُرَب.

 

-اتخاذ العهدِ والبيعة على ذكر الله

 

أمَّا اتخاذُ العهدِ على ذكر الله فقد قال الله في سياق مدح  خُلَّصِ عباده {يوفونُ بالنذر} {يا أيها الذين أوفوا بالعقود} وقال عن الموفين بعهدهم إذا عاهدُوا {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} وقال الله عن الجنة {أُعِدَّتْ للمتقين} وعن الصادقين {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدمَ صدقٍ عندَ ربِّهم} وقال {ومن أوفى بما عاهَدَ عليه الله فسيوتيه أجرًا عظيمًا} وكفى بهَا آية في الحث على معاهدَةِ الله على فعل الخير ففيها ترقٍّ عظيمٌ للمؤمن حيث جعلَ المندوبات والمستحبات في حيِّزِ الواجباتِ عنده، ومقدار هذه العظمة عند الله لا يكيفه عقل بشر، ثم إن الذكر مما بويعَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما يفيدُه سياقُ الآية {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} ففيها ما يشير إلى المبايعة على الذكر والمبايعة كذلك على تحديده بالإبكار والأصيل وقال سبحانه {إن الله اشترى من المومنين أنفُسَهمْ –إلى- الحامدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} فكان مما أخذ الله به البيعة على عباده واشترى به منهم أنفسهم حمدُه والحمدُ من الذكر وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلك هي وظيفة الإمام أو الشيخ المربي ووردَ في السنة مبايعة الأمير عند القتال على الجهاد وأفردَ مسلمٌ لذلك بابًا في الصحيح "بابُ استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال" فمن باب أحرى المبايعة على الجهاد الأكبر -"أفضلُ الجهادِ أن يجاهِدَ الرَجُلُ نفسَهُ وهواه"(أبو نعيم، صححه الألباني) "المجاهدُ من جاهدَ نفسه"(الترمذي، أحمد، الحاكم) وعلى الذكرِ إذْ هو أفضلُ "ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: " ذكر الله عز وجل "(مالك، الترمذي، أحمد) وقد تَعَاهَد التوابون وبايعوا سليمان بن صُرَد رضي الله عنه على قتل قتلة الحسين وتعاهد الثلاثة في الحديث إذْ قال أحدهم "أما أنا فأصوم فلا أفطر ..الخ الحديث"(البخاري) وإنما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم إفراطَهَمْ وفعلهم ما نُهِيَ عنه ولم ينكر أصل التعاهد فدلَّ على جوازِ ذلك كما في حديث عبد الله بن عمرو في ختم القرءان في الصحيح فصار يقول في آخر حياتِه ليتني قبلتُ رُخْصة النبي صلى الله عليه وسلم وحضرَ صلى الله عليه وسلم حلف الفضول في الجاهلية وأقرَّه وأمضاهُ في الإسلامِ حين قال "لو دعيتُ  به في الإسلام لأجبت"(البيهقي، البزار) ودعا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما لإحيائه فقام معه عبد الله بن الزبير(سيرة ابن هشام، الكامل لابن أثير) فكيف بتعظيم الله وذكره وتحبيبه إلى عباده وتزكية النفوس التي بعث النبي صلى الله بها ومحبته صلى الله وحسن الظن بالله وبعباده والطمع في فضله وحسن رجائه.

 

-الصحبة في الله

 

الصحبة في الله والاقتداء بعباده الخُلَّص ومحبتهم هي مدار السلوك إلى الله تعالى ورحا الأمر كله حيث قال الله {واتبع سبيل من أناب إليَّ} {واصبر نفسكَ مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} {اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} {وكونوا مع الصادقين} وفي الحديث "أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ ؟ ، قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللهِ رُؤْيَتُهُ ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ ، وَذَكَّرَكُمْ بِالآخِرَةِ عَمَلُهُ" (البيهقي وأبو يعلى) ، "خياركم الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله"(ابن ماجة، الضياء، البيهقي، أحمد) "المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل "(أحمد والترمذي) "قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(الترمذي،أحمد) وفي إقران أهل البيت بالقرآن إشارة إلى ضرورة القدوة والتمسك به ، وفي الحديث أيضا "حُقَّتْ محبتي للمتحابِّينَ في"(الترمذي) وحسبك في فضل صحبة الصالحين قوله تعالى "يوم ندعو كل أناسٍ بإمامهم فمن أُوتِيَ كتابَهُ بيمينه.." قال صلى الله عليه وسلم في هذه الآية "يدعي أحدهم فيعطي كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثل هذا"(الترمذي، أبو يعلى، البزار)

 

-السنن الحسنة

 

تبيَّنَ مما تقَدَّمَ أصلُ اتخاذِ الأوراد وتحديدِ أعدادِهَا وأوقاتِها والبيعة والعهد والصحبة في الله فلا عبرة بعد هذا بقول من قال أن مثل هذه الأوراد محدثة والأكمل الاقتصار على الأذكار النبوية الواردة في السنة إذ هذه الأذكار نبوية سنية، فهي لا تحيد عن كتاب الله وسنة رسوله قيد أنملة. وقد حث النبي صلى اللـه علي وسلم على سنِّ السنن الحسنَة إذ قال "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا يُنْقَصُ من أجورهم شيء"(مسلم)، "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً"(مسلم)، وحث الله تعالى على التسابق في الخيرات {فاستبقوا الخيرات} والاستباق إلى سن السنن الحسنة من أعظم أنواع السباق إلى الخيرات لما في ذلك من عظيم الأجر، وقد قال صلى الله عليه وسلم "من أحدث في أمرنَا هذا ما ليس منه فهو رد"(البخاري، مسلم) فدل ذلك على أن ما أحدث من الدين ما هو منه فهو مقبول ومرغوب وإليه أشار الحديث

 

*الأمن من مكر الله

 

إن المحور الرئيس الذي دارتْ عليه رحا إنكار الكاتب دعواهُ أن الشيخ رضي الله عنه يدعو إلى الأمن من مكر الله وقوله أن اشتراط الشيخ رضي الله عنه في تحقق تلك المبشرات عدمَ الأمن ِ من مكر الله من باب ذر الرماد في العيون ومن الغرابة أن يتصدَّى طالبُ علم  -إن صح أنه كذلك- ليعلَّمَ الشيخ التجاني وهو من أذعن له علماء عصره في علمي المعقول والمنقول، قال عنه محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني في كتابه "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أٌقْبِرَ من العلماء والصُلَحَاء بفاس" (كان – رحمه الله – من العلماء العاملين، والأئمة المجتهدين، ممن جمع بين شرف الجرثومة والدين، وشرف العلم والعمل واليقين -إلى أن يقول- جليل القدر، شهير الذكر، ذا صيتٍ بعيد، وعلم وحال مفيد، وكلمة نافذة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عائدة) من العجب أن يتصدى ليعلَّمَه وجهابذة العلماء ممن اهتدوا بهداه معنى الأمن من مكر الله ولا غرابة أن ينكر الأعمى على البصير وأهل الغفلة على أرباب طبِّ القلوب

 

قد تنكرُ العين ضوءَ الشمسِ من رمَدٍ     وينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سَقَمِ

 

 وقد التبسَ الأمنُ من مكر الله بحسنِ الظن بالله والإيمان والتصديق بوعدِه المنجز على الكاتب فيما يبدو فتوَهَّمَ أن بشارات الشيخ لأصحابه دعوى لأمن المكر؛ فهل كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو أهل بدر إلى الأمن من مكر الله حين قال "لعلَّ أن يكون اطَّلَع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم"(الشيخان) ؟!

 

وهل كان يدعو إلى ذلك العشرة المبشرين بالجنة حينما بشرهم بها ؟! وهل كان يدعو لذلك عثمان حين قال "ما ضرَّ عُثمان ما فعل بعد اليوم"(الترمذي) ؟! وهل كان يدعو أهل بيعة الرضوان حين قال "لا يدخُل النارَ من شَهِدَ بدرًا والحدَيبية"(مسلم) ؟! "وهل كان الله يدعو لذلك عبادَه حين قال {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} ؟! وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لذلك حين قال "أنزل الله علي أمانين لأمتي : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون  فإذا مضيت ، تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة"(الترمذي) ؟!

 

وإذا ما أردنَا أن نعرف ماهيةَ الأمن من مكر الله التي خفيتْ على الكاتب علينَا أن نرجع إلى القرءان لنعرف تعريفَ الحق سبحانَهُ وتعالى له يقول، سبحانه {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقواْ لفتحنَا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمنَ أهلُ القرى أن يأتيَهْمْ بأسُنَا بيَاتًا وهمْ نائمونَ أو أمن أهلُ القرى أن يأتيهم بأسُنَا ضُحًى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القومُ الخاسرون} وإذا تأملْنَا الآية نجدُه سبحانه ضربَ مَثَلَ الأمن من مكره بأهل القُرَى الذين كذبوا النبيين وعصَوا الله ورُسُلُه ولم يخشوا عقبى ذلك فأمن المكر حسب ما تشير إليه الآية هو ارتكاب المعاصي وانتهاك الحرُمَاتِ مع عدَمِ الخوفِ من عقاب الله سبحانَهُ وتعالى وذلك ما قَصُرَ عنه فهمُ وعلمُ الكاتب أمَّا تعريفُ الشيخ التجاني لأمنِ مكر الله فهو نَفْسهُ تعريفُ الآية له قال رضيَ الله عنه في الرسالة الأولى من وصايَاه العامة لكافة مريديه في جواهر المعاني (وإياكم والعياذُ بالله من لبْسِ حُلَّةِ الأمانِ من مكر الله في مقارفةِ الذنوب باعتقادِ العبدِ أنه آمن من مؤاخَذَةِ الله له في ذلك فإن من وقف هذا الموقف بين يدي الله تعالى ودامَ عليه فهو دليلٌ على أنه يموتُ كافرًا وما سمعتِمْ من الخاصِّيَّةِ الواقعة في الورد فهي واقعة لا محالةَ وإياكم والتفريطُ في الورد ولوْ مرَّةً في الدهر وشروطُ الورْدِ المحافظةُ على الصلاة والأمور الشرعية وإياكم ولباس حلة الأمان من مكر الله في الذنوب فإنها عينُ الهلاك) فحثَّ في الوصيِّة على عَدَمِ ترك الوردِ وبين شرطَه وهو المحافظة على الصلوات الخمس وغيرِهَا من الأمور الشرعية مبيِّنًا أن خاصِّيَته منوطَةٌ بذلك مع عدمِ أمان المكر وقال خليفته شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم انياس الكولخي رضي الله عنه في الرسالة الثالثة من وصايَاه في جواهر الرسائل (أما من ينتسبُ إلينا ويرتكبُ شيئًا من مخالفةِ الشريعة المُطَهَّرَة باقتحام المحرَّمَات وترك المأمورات فأُشْهِدُ الله وأشهدكم إني بريء منه –إلى أن يقول- ويوشك أن أرفعَ الإذن عن كل مقدمٍ تُقتَحَمُ بحضرَتِه المُحَرَّمات ولم يقم بما وجبَ عليه) ولو أن الكاتب قرأ وصايَا الشيخَ التجاني وصَحْبه وعمِلَ بها قبل أن ينكرَ ما قصرَ عنه علمُه وفهمه لكان خيرًا له في دينه ودنياه وعاقبة أمره عاجِلِه وآجِلِه، ثم إن المنكر بالغ في المكابرة والمصادرة والتحكم حين زعم، ظن سوء منه، أن الشيخ التجاني ما حذر أتباعه من الأمن من مكر اللـه إلا ذرا للرماد في العيون؟ أهو مطلع على السرائر؟ هلا شققت عن قلبه؟ أتجعل هواك ومزاجك حكما في إثبات قول، إذا وجدت فيه ما يعينك على ظن السوء بعباد اللـه وفي نفي قول أو تأويله على وجه سوء إذا وجدت فيه ما ينفي تهمتك؟!

 

*عمدةُ الشيخ التجاني في ما أُنْكِر عليه جهلاً من الكتاب والسنة

 

أما النقاط التي أثارَهَا الكاتب في مقاله حولَ الشيخ التجاني وورده الشريف المنيف السُّنِّي السَّنِي وردُودُهَا فهي التالية:

 

1.     أنكر على الشيخ التجاني قوله عن آخذ ورده (وهو آمنٌ من كل ضرر يلْحُقُه في الدنيا والآخرة): كان من الطبيعي أن يجهل الكاتب هذا الأمان ويستنكرَه إذْ جهل من قبلُ حقيقة الأمن من مكر الله وهذا الأمان الذي ساق أدلتَه الوهمية عليه من كلامِ الشيخ هو أمانُ اللهِ لعبادِه المؤمنين المحسنين من عقابه وعذابه في الدنيا والآخرة إذْ يقولُ {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ليعذِّبَهَمْ وهم يستغفرونَ} وهذان الأمانان همَا عمادُ هذا الوردِ المنيف إذْ المقصدُ الأسنى والأسمى منه محبة رسول الله صلى عليه وسلم و"المرء مع من أحب"(البخاري) فمن كانَ محبًا له (ص) فهو (ص) في قلبه وعقله وروحه وهو بذلك في معيَّتِه صلى الله عليه وسلم فهو آمن وذلك أمانٌ أول وركن الوردِ الأول هو الاستغفار وهو الأمان الثاني فحصل بذلك أمانٌ آخر وركنه الثالث الهيللة قال صلى الله عليه وسلم في حديث الكلمات الخمس التى أوحى الله بها إلى يحيى "وأمرَكم بذكر الله كثيرا ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره حتى أتى حصنا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله" )الترمذي النسائي( وهو مما يَشْهَدُ للحديث الذي ضعَّفَه البعض "لا إله إلاَّ الله حصني فمن قالَهَا فقد دخلَ حصني ومن دخل حصني أمن عذابي")أبونعيم( فذلك أمانٌ ثالثٌ فكيف لمن تدَرَّعَ من الله بثلاثة مآمِنٍ أن يلْحَقَهُ ضررٌ دنيًا أو أخرى.

 

2.     قول الشيخ "من ترك وردًا من أورادِ المشايخ …الخ قوله رضي الله عنه" وعقب عليه الكاتب بقولِه : "إذا كانت طرق المشايخ على هدًى من الله كيف تلزمه بتركها ومعاهَدة الله أن لا يعود إلى ذلك الهدى الذي في تلك الطرق" : يبدو أن الكتاب لم يتمعنْ ويتأملْ كلامَ شيخنا حيث ساقَهُ وفَهِمَ منهُ معنًى مغايرًا للمقصود فما قاله الشيخ هو أن وردَهُ لا يجمع مع غيره وأورادُ المشايخِ على هدىً فمن أرادَهَا فليلتزِمْ بها ولا يجْمَعْهَا مع ورده ولم يأمرْ بالإعراضِ عنها ولا تركِهَا أصلا أمَّا سرُّ المشايخ في ذلك وهم أطباءُ القلوب مجتهِدُون في مقام الإحسان وطُرُقُهم إنما هي مدارسُ في التزكية ثمرتُهَا العلمُ اللدُنِّي {وعلَّمناه من لدُنَّا علمًا} ومنطَلَقُ ذلك من الكتاب قصة موسى الخضرِ فقد حددت معالمَ السلوك والتربية ومنها أن للعالم اللدنِّي المربِّي أن يشترطَ ما شاء على تلميذه في سبيل التربية والدلالة على الله يقول شيخنا فضيلة الشيخ محمد الحافظ النحوي –حفظه الله- في كتابه "الحق اليقين في بساط العارفين" معلِّقًا على هذه القصة (ويعتبرُ العلماء بالله تعالى هذه النصوص القرآنية أصلاً شرعيًا ثابتًا غير متأولٍ {لا تبديل لكلمات الله} لتأكيد ضرورة الاهتمام بالعلم اللدني والتشمير عن ساق الجد لصحبة الأخيار أنبياءَ وأولياءَ وصُلَحاءَ وهذا الحوار بين كليم الله موسى عليه السلام وسيدنا الخضِر عليه السلام له دلالات عظيمة يعرفُها أهل العلم بالله ويستدلون بها على آداب الصُحبة ومنهج التربية الربانية ولا يمكن لأحد من المنتقدين المنكرين على مدارس تزكية النفوس الطعن على هذا المدرك الشرعي الواضح الجلي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما يتتبع هذا الحوار القرآني بين كليم الله وعبده يقول "يرحمُ الله موسى وددنا لو صبرَ حتى يُقَصَّ علينا من أمرهَما" كما في البخاري وفي رواية أبي داود "رحمةُ الله علينا وعلى موسى لو صبرَ لرأى من صاحبه العَجَب") اهـ كلام شيخنا حفظه الله، ثم إن السر في شرط الشيخ الانفرادَ بطريقته هو جمْعُ قلبِ المريدِ على منهجٍ مخصوص والتزامهُ بمرشدٍ معيِّنٍ يدُلُّه على الله فكلَّمَا كان كذلك كان ذلك أجدى وأنجع له في إفراد وجهته إلى الله سبحانَهُ وكلَّمَا كان الدليل واحِدًا كان ذلك أهدى للمريد ومن مداركِهم في ذلك من السنة قوله (ص) لعمر حين وجدَ عنده أوراقًا من التوراة أعجبته "أفي شكٍّ أنت يا ابن الخطَّاب؟ ألم آت بها بيضاء نقيَّة؟ لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلاَّ اتِّباعي") أحمد،الترمذي الحاكم) وعندَ الطبراني "لو كان موسى بين أظهركم ثمَّ اتَّبعتموه وتركتموني لضللتُم ضلالاً بعيدا، أنتم حظِّي مِنَ الأمم، وأنا حظُّكم مِنَ النَّبيِّين" وقوله للصحابة حين خرج عليهم يتذاكرون ويعجبون من خصائص الأنبياء "قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، وهو كذلك، وموسى نجي الله، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" (الترمذي والدارمي) وإنما قال ما قال حثًّا لهم على إخلاص المحبةِ له صلى الله عليه وسلم، وذلك ما أكَّدَ عليه في قوله "أنتم حظي من الأمم وأنا حظُّكم من النبيين" ولجعله المثلَ الأعلى والقدوة الأكبر أذْ هو المزَكِّي والمرشدُ فلا ينبغي مساواتُه بغيره صلى الله عليه وسلم. وإلى ذلك أشار الشيخ التجاني حين قال في الجواهر (من ساوى بين مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم ومراتب غيره من الأنبياء والمرسلين يُخشى عليه من الهلاك إن لم يتبْ من ذلك) -أوْ كما قال- وكما استنبط العلماء من السنة والقرءان أحكام العبادات استنبط أطباء القلوب منه كذلك ما استنبطَوا ومن مدارِكهم في ما ذكرنا من القرءان (ضربَ الله مثلاً رجُلاً فيه شركاءُ متشاكسون ورجلاً سلَمًا لرَجُلٍ هل يستويان مثلا الحمدِ لله رب العالمين) ومن ذلك في القياس عدمُ جوازِ مُبَايعةِ أميرين في آن واحد واقتداء المأمومِ بإمامين وحرمة خلطِ المُقَلِّدِ بين المذاهب وقد قالوا "كما لا يكون العالَمُ بين إلهيْن ولا تكون المرأة بين زوجين لا يكون المريد بين شيخين" فلمَّا كان الإمامُ واحِدًا والأميرُ واحِدًا والزوجُ واحدًا وقائدُ الكتيبة واحدًا وربان السفينة واحِدًا والرسولُ واحِدًا وفي إرسال هارون مع موسى كان هارون تحت إمرة موسى لذلك قال له هارون {إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقْتَ بين بني إسرائيل ولم ترْقُبْ قولي} ولمَّا كان طبيبُ الأشباحِ واحِدًا وانضافَ إلى ذلك أن القلبَ واحِد جعلوا طبيبَ الأرواحِ واحِدًا والشيخَ المُرْشِدَ في الطريق واحدًا وإلاَّ فقد يتشتتُ قلب المريدُ بين المناهج والمدارس، قال الشاعر

 

تكاثرتِ الظباءُ على خراشٍ   فما يدري خراشٌ ما يصيدُ

 

 ومن هذا القبيل كانت مؤَاخاتُه صلى الله عليه وسلم لكلِّ واحِدٍ من الصحابة مع غيره رغمَ الأُخُوَّة العامَّةِ في الدين والإيمان {إنما المؤمنون إخوة} وهي أُخُوَّةُ إرشادٍ ونُصْحٍ وتزكية وتربية فكان سلمَانُ يرشدُ أخاهُ أبا الدرداءِ في قصتهما المعروفة وكان أبو الدرداء يمتثِلُ أمرَ سلمان لسرِّ تلكَ الأخوة والصُحبة وهكذا كان لكل أحدٍ من الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابُه من التابعين فكان لابن مسعودٍ أصحابه ولابن عمر ولأبي هريرة ولابن عباس أصحابُهم وكذلك كان من بعدهم وكان ابن وهب يقولُ "ما تعلمتُ من أدبِ مالك أفضلُ من علمِه"(ابن عبد البر في جامع العلم) ، "كنا نأتي مسروقًا فنتعلَّمَ من هديِه ودَلِّه" (ابن عبد البر أيضًا) ومع ذلك يجب تعظيم سائر الأولياء ومحبتهم ومولاتهم كما قال الشيخ، فالسر في هذه المناهج والطرق والالتزام بها عن طريق شيخ معين هي أن هذه الأذكار التي يأخذُ المشايخُ بها العهدَ على السالك إلى الله إنما تثمرُ حقيقةً ويسري سرُّهَا بالإذنِ الخاص وذلك مدركُه من القرآن "وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا" فوراثةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالة تعليمه {ويعلمهم} قام بهَا العلماء من بعدِه وأما رسالة تزكيته {ويزكيهم} فقد قام بها عبادُ الله الصالحون والكمَّلُ العارفون وتلك قائمة على الإذن الخاص المسلسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد سياق الآية بتقديم {داعيا إلى الله بإذنه} ثم بعد ذلك تلاه قوله وسراجًا منيرًا وفي ذلك نكتة وإشارة إلى أن المرشدَ المُزَكِّي لا يكون سراجًا منيرًا إلا بعدَ أن يؤذن في الدعوة الخاصة وهي الجانب الآخر من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالتِه ومن خصائص السراج أنه يستضاء به ويقتبس منه فكان الشيخ العالم الرباني الدال على الله بحاله قبل مقاله كما وردَ في الحديث "خياركم الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله" كالسراجِ مجرَّدُ رؤيَتِهِ تذكِّرُ بالله نافعة للقلوب ولذلك قال أنس "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا"(الترمذي) وكانت مخالطته ومصاحبته بمثابة اقتباس النور منه  ومن أصول ذلك التلقين والأخذ الخاص في السنة حديث أبي يعلى شدَّادِ ابن أَوْس رضي الله عنه "كنَّا عندَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل فيكم غريب ؟ يعني من أهل الكتاب قلنا لا يا رسول الله فقال فأمَر بغلقِ الباب وقال "ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيديَنَا ساعة ثم قال الحمدُ لله اللهم إنك قد بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وأنت لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم (أحمد، الطبراني قال المنذري: بإسناد حسن) ومن ذلك القبيل أحاديث كثيرة يضيق المقام عن بسطها.

 

3.     قول الشيخ رضي الله عنه : ليس لأحدٍ من الرجال أن يُدْخِلَ كافّةَ أصحابِهِ الجنَّة ولو عملوا …الخ" ومثل ذلك قولُه "أعطيتُ الشفاعة في أهل عصري" وقولُه أنه قيل له "أنت باب لنجاة كل عاص مسرف على نفسِه تعلق بك" مستندهُ من السنة "إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر"(أحمد الطبراني) وأصحابُه رضي الله عنه هم من التزموا وردَه وانتهجوا منهاجه واهتدوا بهداه وأحبوه في الله ولم يأمنوا مكر اللـه، إذ ذلك هو الشرط في كل تلك الخصائص والمزايَا وقد قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله عن الساعة "ما ذا أعددت لها ؟" فقال : ما أعددت لهَا كبير صيام ولا صلاة ولكني أحب الله ورسوله فقال "أنت مع من أحببت"(البخاري) وعدَّ بعض العُلَماء هذا الحديث أرجى ما وردَ في فضل الله

 

4.     قول الشيخ رضي الله عنه: كل من عمِلَ عملاً متقبلا ..الخ " وسئِلَ رضي الله عنه بعد قولته هذه "لأي سبب نالوا ذلك قال لأجلنا ولله الحمدُ" يُسْتَشْهَدُ له من السنة بقولُه صلى الله عليه وسلم "إِنَمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الأمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَوْرَاةِ التَوْرَاةَ فَعَمِلُوا، حَتَى إِذَا انْتَصَفَ النَهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، ثُمَ أُوتِيَ أَهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، ثُمَ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْن، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْن، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، وَنَحْنُ كُنَا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ: قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء"(البخاري) وبحُجَّةِ الله نحتج "فهو فضلي أوتيه من أشاء" ومنه فضلُ الصحابةُ على سائر الأمة بسبب صحبتهم له صلى الله عليه وسلم فقال "لو أن أحدكم أنفق مثل أحُدٍ ذهبًا ما بلَغَ مدَّ أحدِهم ولا نصيفَه"(الشيخان) وقال معاذ "إني لأحتسبُ نومتي كما أحتسبُ قومتي"(البخاري) وأصحابُه رضي الله عنه يتقلبون مع الله في سائر حركاتِهم وسكناتهم {قل إن صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين} ومن كان محياهُ لله تعالى فجميع أنفاسِه ولحظات عُمْرِه حسنات وهذه الخاصية والكرامة لا تستكثر على اللـه سبحانه، فهو ذو الفضل العظيم، وعلى قدر التابع يكون المتبوع ومع ذلك فقد كان الشيخ التجاني رضي الله عنه يحضُّ أصحابَه على قيامِ الليل فطلب منه أحدهم أن يرَخص لهُ في عدم قيام الليل لعذرٍ قامَ به فلم يقبل منه ذلك وخيَّرَه بين أن يقوم الليل أو يترك ورده وكان يقولُ أقلُّ ما يجزئ قارئ القرءان في اليوم حزبان، وبالجملة فأصحابه حقيقة من أكثر الناسِ سعيًا وسبقًا في نوافلِ الخيرات. يقول خليفته شيخ الاسلام الشيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه في الرسالة الخامسة عشرة من الوصايَا (وعليكم بالإكثار من صلاة الفاتح أقلُّ ما على الواحِدِ منكم معشَرَ الأكابِرِ ستة آلافٍ صباحًا ومثل ذلك مساءً وأقلُّ نوافلكم خمسونَ ركعةً في اليوم والليلة –إلى أن يقول- وعليكم بالصدقَة ولو خبزة كل يومٍ أو أقلَّ أو أكثر وعليكم بتعظيم الشرفاء وأهل الله والأولياء المشايخ والعلماء وطلبة العلم) وكان يختمُ القرءان في الأسبوعِ مرتين ختمة في المصحف نهارا وختمة عن ظهر غيب في قيام الليل. وكان يوصي أحبابَه بختم القرءان أسبوعًيًا وهذا بحمدِ الله ما عليه جلُّهم حتى الصغار منهم والولدان

 

5.     قول الشيخ رضي الله عنه: أخبرني سيد الوجودُ يقظَةً لا منامًا أنت من الآمنين وكل من رآك من الآمنين ..الخ" فذلك فضلُ الله العظيم الذي لا رادَّ له ولا حد وهذه الكرامة التي أكرمَ بها الشيخ التجاني حصل عليهَا كل فردٍ من القرون الثلاثة المزكَّاة قال صلى الله عليه "‏‏لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني قال ‏ ‏طلحة ‏ ‏فقد رأيت ‏ ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏و قال ‏ ‏موسى وقد رأيت ‏ ‏طلحة ‏ ‏قال ‏ ‏يحيى ‏ ‏وقال ‏ ‏لي ‏ ‏موسى ‏ ‏وقد رأيتني ونحن نرجو الله"(الترمذي) قال المباركفوري في تحفة الأحوذي عندَ قوله ونحن نرجو الله (وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُوسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُخَصِّصُ هَذِهِ الْبِشَارَةَ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) " لا يَدْخُلُ النَّارَ مُسْلِمٌ رَآنِي ، وَلا رَأَى مَنْ رَآنِي ، وَلا رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي "(الطبراني وابن أبي عاصم) فلم تختصَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بالصحابة فقط، بل تعدت إلى التابعين وتابعيهم ولئلا يعترضَ معترضٌ فيقول إن كفار قريش رأوه صلى الله عليه وسلم فأولئك إنما رأوا "ابن أبي كبشة" – كما كانوا يقولون – لا محمَّدًا بن عبد اللـه الصادق الأمين، ورأوا يتيم أبي طالب لا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  والحديث قيَّدَ بالإسلام كما أن الشيخ قيد ذلك بالموت على الإيمان

 

6.     قول الشيخ رضي الله عنه: "وسألتُه صلى الله عليه وسلم لكلِّ من أخذَ عني ذكرًا أن تغفر لهم ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر …الخ" فمدْرَكُه أن الله غفر لأهل بدرٍ ما تقدم وما تأخر وألَّفَ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني جزءًا في الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة فلْيُرَاجِعْه من شاء وجلُّ ما فيه من الخصال تحصلُ للمهتدين بهدي الشيخ التجاني رضي الله عنه يوميًا بحمد الله وهي جزءٌ من أوراده ولولا خوف الإطالة لأوردنا منها ما يشفي الغليل وقال  ابن حجر في مقدمة هذا الجزء (وقبل الشروع في إيراد الأحاديث فقد أردتُ أن أَذكرَ شيئا من كلام العلماء هنالك في جواز وقوع ذلك -إلى أن يقول- ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ادْعُ لي فقال "اللهم اغفر لعائشة ما تقدمَ من ذنبهَا وما تأخرَ وما أسرَّتْ وما أعلنتْ" وقال "لعمر غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة" فدعاء المعصوم بذلك لبعض أمته دلَّ على جواز وقوع ذلك وإذا عُلِمَ أنه تعالى مالك كل شيء له ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى لم يمتنع أن يعطيَ من شاء ما شاء) اهـ كلا م ابن حجر الرسائل المنيرية. ولئلا يعترضَ معترضٌ فيقول عن قول الشيخ رضي الله عنه "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنه صلى الله عليه وسلم لا يُسْأَلُ ذلك ولا يملِكُه يجاب أنه صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشفاعة العظمى لا يدخُلُ أحدٌ الجنة إلا بسببه وهو رحمته سبحانه للعالمين وهو رحمته المهداة وهو خازنُ خزائن فضله قال صلى الله عليه وسلم "والله المعطي وأنا القاسم"(البخاري) "إنما أنا خازن وإنما يعطي الله"(الحاكم) "أعطيت مفاتيح خزائن الأرض"(الشيخان) "أوتيتُ مفاتيحَ كلِّ شيء إلاَّ الخمس "(أحمد، الطبراني) وإذا كان في الحديث أن الجنة تحت أقدام الأمهات فمن باب أحرى هي تحت أمره صلى الله عليه وسلم وقدَمِه وقدْ قال صلى الله في حديث البيعة عن ابن مسعود "فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعليَّ"(الطبراني) وقال لأبي هريرة "اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة" (الطبراني، البيهقي في البعث قال المنذري ليس في رواته متروك) وقال أبو هريرة "اشترى عثمانُ الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين بيعَ الحق حيث حفر بئر معونة وحيث جهَّزَ جيش العسرة"(الحاكم) وقد قال شيخ الإسلام الشيخ انياس رضي الله عنه عند قولِه تعالى {ليس لك من الأمر شيء} في تفسيره في رياض التفسير (وأمَّا الرسول صلى الله عليه وسلم فليس له من الأمر شيء وهذا غاية في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمرُه كلاًّ أمرُ الله تبارك وتعالى حتى أنه ليس له من أمره شيء)

7.     نقلُه عن الشيخ التجاني في جواهرِ المعاني قصةَ أبي يزيد البسطامي  رضي الله عنه : "أن الحق كلمه فقال لو أخبرتُ بمساويك لرجموك بالحجارة فقال لو أخبرتُ الناس بما كشفت لي من سعة رحمتك لما عبدك أحد فقال لا تفعل" إن كان الإنكار إنكار المكالمة فلا مسوغَ لنكيرهَا إذ لم يرِدْ نفْيُهَا بل الذي وردَ نفيهَا بدون حجاب {وما كان لبشر أن يكلِّمَهُ الله إلا وحيا أو من وراء حجاب الخ ..الآية} والوحي المقصودُ في الآية بغير معناه الاصطلاحي لا يختص بالأنبياء {وأوحى ربك إلى النحل} {وأوحيْنَا إلى أمِّ موسى} وأمَّا فحوى القصة والمحادثة فيشهدُ له الحديث "إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلِّهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكلِّ الَّذي عند الله من الرَّحمة، لم ييأس من الجنَّة، ولو يعلم المسلم بكلِّ الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النَّار"(البخاري)

 

8.     نقلُه عن الشيخ التجاني بعض الآثار الواردة في سعة مغفرة الله وحسن الظن به ومن ذلك قصة أبي نواس واستغرابه من ذلك وجعلُه إيَّاه في سياق الإنكار ولا أظنُ من له مثقال ذرة من علمٍ ينكِرُ ذلك فأحاديث الرجاء والمغفرة وحسن الظن بالله أكثر من أن تحصر ألَّفَ فيهَا ابن أبي الدنيا رسالتَه حسنُ الظن بالله وقد ذمَّ الله سوء الظن به {الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء} ويكفي منهَا قوله في الحديث القدسي "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني"(الشيخان) فما بالك باليقين بحسن صنيع الله الذي هو مقام أتباع هذا الإمام وقد كان جدِّي الشيخ محمدُّ النحوي رضي الله عنه يقول تواضعًا "لا أستطيع أن أدعي من خصال الخير سوى خصلتين فيذكر منهما حسنَ الظنِّ بالله وبعباد الله ويقول أنا بحمد الله تجاوزت مقام الظن إلى مقام اليقين" ويكفي في سعة مغفرة الله وحسن الظن به حديث الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا عند مسلم وكذلك حديث البطاقة ويبدو أنهما مما عزب عن علم الكاتب والحمدُ لله أن عمدتنَا في طريقنَا على تلك البطاقة وهو أنَّ التجاني يهلِّلُ الله يوميًا على الأقل 300 مرة فالحمد لله على رحمته وعظيم فضله.

 

9.     قول الشيخ التجاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "فقراؤك فقرائي وتلاميذُكَ تلاميذي وأصحابك أصحابي" قال الإمام المجاهد الشيخ عُمَر الفوتي رضي الله عنه معقبًا "ولهذا صار أهلُ طريقته صحابيين بهذا المعنى" : الجوابُ أن القصدَ بذلك الصحبةُ المعنويةُ لا الحسية فتلك انقطعت بصعوده صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ولذلك قال الشيخ عمَر "صحابيين بهذا المعنى" وذلك مَدْرَكُه جليٌّ من الكتاب إذ قال تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهمُ آياتِه ويزكيهم ويعلمُهمُ الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين وآخرين لما يلحقوا بهم وهو العزيزُ الحكيم ذلك فضلُ يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} فالشاهد في الآية "وآخرين منهم" حيث جعل الله آخرين من المتأخرين من الذين بُعِث النبي صلى الله عليه وسلمَ فيهم لتزكيتهم كتزكيته للأولين وقال تعالى {والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الاولين وقليل من الآخرين} {ثلة من الاولين وثلة من الآخرين} فأصحابُ الشيخ التجاني إنما يتولَّى تزكيتهم حقيقة رسول الله عليه وسلم ونقولُ للكاتب وغيرِه ما قاله الله معقبًا به على الآية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم …

 

10.                       قوله أن الشيخ التجاني قال في فضل صلاة الفاتِح أن من جملتِهَا أن يعطيَهُ الله ثواب سبعين نبيًا بلغوا الرسالة : فنقلُ هذا الكلام بصفته هذه يدلُّ على عدم تحرِّي الكاتب الصدق وعدم أمانته العلمية فإنمَا ذكر الشيخ التجاني رضي الله عنه هذا الفضل في دعاء "يا من أظهر الجميل وستر القبيح" وهو من أوراده وأدعيته الواردة في السنة أخرجه الحاكم في مستدركه أما الحصول على ثواب الأنبياء فذلك لا يعني الحصول على فضلهم ولا مُداناتُه بحال من الأحوال بل أقوال الشيخ التجاني في فضائل الأنبياء وعلو مراتبهم ثابتة مرسومة في محلِّها من الجواهر وهو أعرف الناس بفضلهم وإنما هنالك فرق بين الثواب وهو الأجر وبين الفضل فقد قال صلى الله عليه وسلم عن أقوامٍ يأتون من بعده -نطمع في فضل الله ونرجو أن يجعلنَا وسائر المسلمين منهم- "إن من ورائكم أياما تدعى أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم" (أبو داود، الترمذي) يقصدُ بذلك الصحابة وقال "أتدرون أي أهل الإيمان أفضل إيمانا؟". قالوا: يا رسول الله الملائكة قال: "هم كذلك، ويحق ذلك لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها بل غيرهم" قالوا: يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله تعالى بالنبوة والرسالة. قال:" هم كذلك، ويحق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها بل غيرهم" قال: قلنا فمن هم يا رسول الله؟ قال: "أقوام يأتون من بعدي في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يروني، ويجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا" (أحمد، الطبراني، الحاكم) وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الأبدال "لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم يسقون وبهم ينصرون ، ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر" (الطبراني وحسنَه الهيثمي) "الأبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن ، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا"(أحمد وقال السيوطي رجالُه رجالُ الصحيح) وقد ردَّ السيوطي في رسالته "الخبر الدال على جود القطب والأبدال" على المشككين في الأبدال وصحة أحاديثهم، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة "فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرًّا محجلين من أثر الطهور، وتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها "(أحمد) وقال عن المتحابين في الله "إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء يغبطُهُم الأنبياء والشهداء قيل من هم لعلَّنَا نُحِبُّهم؟ قال هم قومٌ تحابُّوا بنور الله من غير أرحامٍ ولا نسب وجوهُهُمْ نورٌ على منابرٍ من نور لا يخافونَ إذا خافَ الناس ولا يحزنون إذ حزنَ الناس"(النسائي، ابن حبان) وعندَ أحمد والطبراني والحاكم "يغبطُهُم النبيون والشهداءُ على منازِلهم وقُربِهم من الله -وفيه- يفزعُ الناس يومَ القيامة ولا يفزَعُون وهم أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون" فذلك كلُّه من فضل رسول الله وبفضل تبعيَّتِه حصلَ لأمتِه ذلك الثواب العظيم ..

 

11.                       رميه للشيخ وأصحابه بوحدة الوجود : فبعدَ كل ما تقدَّمَ رمى الكاتب بوحدة الوجود والكفر والضلال المبين –والله حسيبه- سليلَ بيت النبوة الشريف الحسني الشيخ وأتباعه الذي يمثلون اليوم ما يزيد على رُبُعِ المسلمين اليوم بما فيهم أجلَّةٌ من أكابر عُلماء المسلمين ومن أجَلِّهم في بلادِنَا اليوم الإمام العلاَّمة الشيخ اباه بن عبد الله والإمام العلاَّمة الشيخ محمد الحسن بن محمد الخديم وبما أنه لا حكم إلاَّ لله {إن الحكم إلاَّ لله} فنلحتكم إلى الله ورسوله {يا أهلَ الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننَا وبينكم} وما منَّا إلا رادٌّ ومردُودُ عليه إلا كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم فالطريقة مبنية على ثلاثة أعمدة وأركان هي الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله والله يقول في كتابه في مطلق ذكره {الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبِهم -إلى قوله- فاستجابَ لهم ربُّهُمْ أني لا أضيعُ عمَل عامل منكم … الآية} ويقول {والذاكرين الله كثيــرًا والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجْرًا عظيمًا} ففي الآيات أن الذاكرين أعدَّتْ لهم الجنة وأُعِدَّتْ لهم مغفرَةٌ وأجرٌ عظيمٌ وذلك ما لا يجتمع مع القولِ بوحدةِ الوجود ولا يجتمع بالكفرِ ولا يدْخُل الجنة كافر وقال تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} فإذا كان الذكر أكبر وأعظم في النهي عن الفحشاء والمنكر كان من باب أولى أعظمَ في النهي عن الكفر والشركِ وقال {واذكرُوا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} فالذكر موجِبٌ للفلاحِ ولا يأتي إلا بالفلاح والفلاح لا يجتمعُ مع الكفر {وقال ألا بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسنُ مئاب} والقلوب لا تطمئنُّ مع الكفر {ومن يرِدْ أن يُضِلَّهُ يجعلْ صدْرَه ضيقًا حَرِجًا كأنما يصَّعَّدُ في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يومنون} {إلا من اُكْرِهَ وقَلْبُهُ مطمئنٌّ بالإيمان} أمَّا إذا رجعنَا إلى خصوصِ الأذكار نجدهُ سبحانَهُ يقولُ في سياق تعريف المحسنين من عباده {كانوا قليلاً من الليلِ ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} والإحسان والكفران لا يجتمعَان فالكفرُ والاستغفار نقيضان ويقول {وما كان الله معذِبَهم وهم يستغفرون} وإنمَا يعذِبُ الله الكافرين ويقول {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عندَ ربِّهِمْ جنَّات تجري من تحتها الأنهار إلى قوله ..والمستغفرين بالأسحار} فعدَّ المستغفرين من المتقين الخالدين في الجنة وذلك ما لا يجتمع مع الكفر وقال صلى الله عليه وسلم "طوبى لمن وجدَ في صحيفتِه استغفارًا كثيرًا"(النسائي، الطبراني، ابن ماجة) وطوبى منه صلى الله عليه وسلم لا تجتمعُ مع الكفر (يا ابن آدمَ لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرْتَنِي غفرْتُ لك ولا أبالي"(الترمذي)، "قال إبليس وعزَّتِكَ لا أبرَحُ أغْوِي عبادك ما دامت أرْواحُهم في أجسادهم فقال وعزَّتِي وجلالي لا أزَالُ أغْفِرُ لهم ما استغفرُوني"(أحمد والحاكم) فلا يصلُحُ عملُ الشيطان مع الاستغفار إذ هو مُحبِطٌ له ومرة أخرى لا يجتمع الاستغفار مع الكفر "ألا أدُلُّكم على دائكم ودوائكم ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار" (لبيهقي في الشعب) فلا يجتمعان إلاَّ  في ذهن أعداء أولياء الله، والركن الثاني الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى "إن الله وملائكتُه يصَلُّونَ على النبي يا أيها الذين آمنوا صلًّوا عليه وسلموا تسليمًا" ويكفي في عظمتها أن الله أخبرنَا بصلاتِه على نبيه قبل أمرِنَا بالصلاة عليه لنتشبه بهِ وبملائكته فمن صلَّى عليه وسلم فهو مؤمن، فالحق إنما خاطب بها المؤمنين، بل هي الوسيلة لأرفع المقامات وأعلاهَا قاطبة، حيث قرنَ الله المصلي على نبيِّه به وبملائكتِه، وتلك أعظم رتبة وأسمَاهَا وذلك ممَّا اختصَّتْ به الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم دون سائر العبادات، فتلك مزِيَّتُهَا وفضيلَتُهَا وقال صلَّى الله عليه وسلم "من صلَّى علي صلاةً واحِدَةً صلَّى الله عليه بها عشرًا" (مسلم) وقال عبد الله ابن عمرو "من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدةً صلَّى الله عليه وملائكته سبعين صلاة"(أحمد) وصلاة واحِدَةٌ من الله على عبدِه لايكَيِّفُ ما فيهَا من الفضلِ عقل، قال الشوكاني في رسالته "طيب الكلام في لفظ الصلاة على خير من حملتْهُ الأقدام" (قد عُلِمَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لمَّا نزَلَ الأمر القرآني بالصلاة عليه قالوا كيف نصلي عليك ؟ قال : "قولو اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ" إلى آخره وبُيِّنَتْ في ذلك تعليماتٌ منه صلى الله عليه لأمته وسلم وليس في واحد منهَا أنه قال قولوا صلَّيْنَا عليك بل كلهَا واردة بإرجاعِ الأمر إلى الله سبحانه وكذلك لم يَقُلْ رسول الله صلى الله عليه لأحد صلَّيْتُ عليك بل كان يحيلُ ذلك إلى الله عزَّ وجل كما في قولِه "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" والنكتة في ذلك الاعترافُ بعظمِ أمر هذا وتقاصرُ القوى البشرية عن القيامِ به …الخ" اهـ كلام الشوكاني ولا يصلِّي الله على كافر وقال صلى الله عليه وسلم "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"(الترمذي، ابن حبان) وأولَى الناسِ به صلى الله عليهم وسلم لا شكَّ هو أفضلُهم إذ هو صلى الله عليه وسلم أولى بكل مؤمن من نفسه فمن كان منهم أولى به صلى الله عليه وسلم كان خيرَهمْ وهيهات ما بين أولى الناس به صلى الله عليه وسلم وبين الكفر

 

لشتانَ ما بين اليزيدين في الندى    يزيدِ سُليْمٍ والأغرِّ ابن حاتم

 

 ثم الركن الثالث الأكبر الهيللة "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يسبقهَا عمَلٌ ولم يبقَ معَها سيئة" (الطبراني) "خير ما قلتُه أنا والنبيون من قبلي لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير" (الترمذي) "من قال لا إلَه إلاَّ الله دخَل الجنة أو وجبت له الجنة"(الحاكم) "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه"(البخاري) "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"(البخاري) "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضلُ الدعاء الحمد لله"(ابن حبان، الترمذي، ابن ماجه، الحاكم) "جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله" (أحمد، الطبراني) فمن المحالِ أن ينتجَ عن هذه الكلمة المشرفة كفرٌ إذْ بها يتجدَّدُ الإيمانُ وأنكارُ ضعيفِ الإيمان على قَوِيِّهِ أعظم دليل لقويِّه كما أنه من الطبيعي أن ينكر العالم على الجاهل فمن الطبيعي جدًّا أن ينكر الجاهل على العالم أحرى العالم اللدني ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالكلمة الفصل لما سألَه رجل وهو قائم يخطب فقال "يا رسول الله أيأتي الخير بالشر ؟" قال "إن الخير لا يأتي إلا بالخير"(متفق عليه) بعد كل هذه الأقوال والأنقال من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إمَّا أن نتمادى في المكابرة والمعاداة لأولياء الله وسوء الظن بعباد الله أو أن نُصِدَّقَ ونعلَمَ علمَ يقينٍ وحق يقين أن من كان هذا حاله لا تتطرَّقُ إليه الريبة والشك ونصدِّقَ اللهَ ورسولَه ونكذِّبَ أفهامَنَا ونتهمهَا فيما قصرتْ عنه مما يصدرُ عن الكمِّلِ من أوليائه مما لا تبلغُه العقول إذْ منبعُه من الكتاب وذلك {منه آياتٌ محكمَاتٌ هنَّ أمُّ الكتاب وأُخَرُ متشابِهَات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلمُ تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنَا} والأحوطُ للمؤمن أن يحتاطَ لدينهِ ويتبعَ هداهم ويقتدي بهم في أفعالهم وأحوالهم الصالحَة ويؤمِنَ أن ما صدرَ عنهم قمّة ولبّ ولبّ لُبِّ الإيمان ومن العلم اللدني الذي لا يقرأ في الأوراق ولا ينظر بالأحداق -كما قالوا- بل هو هبة من الله تعالى بلا واسطة، وإن قصرتِ الأفهامُ عنه، وقد قال السيوطي في هذا الصدد في رسالته "تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي" : (والقول الفصل عندي في ابن عربي اعتقادُ وِلايَته، وتحريم النظر في كُتُبِه  فقد نُقِلَ عنه أنه قال: "نحن قوم يحرم النظر في كتبنا وذلك أن الصوفية تواطئوا على ألفاظ اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها فمن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفَر وكفَّرهم" نص على ذلك الغزالي في بعض كتبه وقال : إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسنة و من حمله على ظاهره كَفَرَ، وله معنى سوى المتعارَف عليه فمن حمل آيات الوجه، واليدين، والعين، والاستواء، على معانيها المتعارفة كفر قطعاً -إلى أن يقول-: و المتصدي للنظر في كتب ابن عربي، أو إَقْرَائهَا غيره لم ينصح نفسه، ولا غيره؛ بل ضرَّ نفسه، وضرَّ المسلمين كل الضرر، لا سيما إن كان من القاصرين في علوم الشرع، والعلوم الظاهرة؛ فإنه يَضِل، ويُضِل.. وما أحسن قول بعض الأولياء لرجل –وقد سأله أن يقرأ عليه " تائية ابن الفارض " – فقال له: دع عنك هذا.. مَن جاع جُوعَ القوم، وسهر سهرَهم، رأى ما رأَوْا
والواجب على الشاب المستَفْتي عنه : التوبة، والاستغفار..والخضوع لله تعالى، والإنابة إليه؛ حذراً من أن يكون آذى وليًّا لله، فيؤذِن اللهُ بحربه فإن امتنع من ذلك، وصمَّمَ ، فكفاه عقوبة الله تعالى عن عقوبة المخلوقين) اهـ كلامُ السيوطي من رسالته
*ما سمعتم عنِّي فزنوه بميزان الشرعِ

 

في الختامِ أقولُ أن الشيخ التجاني لم يكن هازِلاً ولا واهمًا حينما قال "ما سمعتم عني فزنوه بميزان الشرع فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه" فكل أقواله وأفعاله من صميم كتاب الله وسنة رسوله ولكن ليس لكلِّ من هبَّ ودبَّ أن يزنَ بميزان الشرع، فميزانُهُ عندَ العُلَماء العاملين الربانيين الهادين المهديين فقط، وقد تبيَّنَ مما تقدَمَ مستندُ بشارات الشيخ وضماناته للمتمسكين بعهده من الكتاب والسنة المطهَّرَة مما ضاقت به حوصلة جهَلَة المنكرين، فركنُهَا الركين هو فضلُ الله العظيم الذي يؤتيه ويختص به من يشاء من عباده وقد قال رضي الله "طريقتنا طريقة حمدٍ وشكر ومحض الفضل" وهو أنه لن يُدْخِلَ أحدٌ الجنَّةَ عَمَلُه ولسان حالِ أهلِهَا "بفضلِكَ اللهم لا بعمَلِي" وهي قائمة على حسنِ الظنِّ بالله مع عدم الأمن من مكره ومستندُ هذه البشاراتِ من الكتاب قولُه تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة وفي الآخرة" فهذه البشارات وعدٌ صادقٌ منجزٌ من الله في كتابه لأوليائه وقوله أيضًا "إن الذين قالوا ربُّنَا الله ثم استقاموا تتنزلُ عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيهَا ما تدَّعُونَ" فماذا نملكُ للغافلين إن لم يجدوهَا ؟! وقال صلى الله عليه وسلم "ذهبتْ النبوة وبقيتْ المبشرات" (ابن حبان) "رؤيا المؤمن جزءً من ستة وأربعين جزءً من النبوة"(البخاري) "الرؤيَا الصالِحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءً من النبوة"(البخاري) والشيخ التجاني مما تبيَّن من تأصيل منهجه من السنة والكتاب من أئمة المسلمين والعلماء العالمين ولا غروَ إن بشَّرَه الله وبشَّرَ به عبادَه المومنين ولا غرْوَ إن ضاق ذرع الغافلين بذلك وساءهم أن تَعمَّ البشرى المحسنين قال تعالى "إن تمسسكم حسنة تسؤْهمْ" وقال صلَّى الله عليه وسلم لوفد بني تميم " يا بَنِي تَمِيمٍ أًبْشِرُواْ اقْبَلُوْا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيْمٍ‏‏.‏ قَالُوْا : قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ، فتَغَيَّرَ وجهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ فَرُئِيَ ذلك فِي وَجْهِهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوْا الْبُشْرَى ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُوْ تَمِيْمٍ‏‏.‏ قَالُوْا : قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ"(البخاري) فإن لم يقبل أولئك البشرى من الله ورسوله التي جاءتْ عن طريق ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسميِّه الشيخ أحمد التجاني الشريف ويؤمنوا بالغيب ويقدِّموا قول الله ورسولِه على أقوال أنفِسِهم وأفهامهم فإنَّا قد رضينا بالله ربًّا وبالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولاً ومبشِّرًا وآمنَّا بما أنزلَ عليه من ربِّه وصدَّقْنَاه وأسلَمَنَا وسلَّمْنَا له وأحسنَّا الظن بالله وبعباده ووالينَا فيه وأحببْنَا فيه وآمنَّا بالغيب وقَبِلْنَا البشرى واستبشرْنَا بِبَيْعِنَا الذي بايعْنَا به {ومن أوفى بعهده من الله} {فإن يكفرْ بها هؤلاء فقد وكَّلْنَا بها قومًا ليسوا بها بكافرين} ..

 

الأحدث