تخطى الى المحتوى

رسالة من أم " مكلومة " إلى جنرال " متهاون"

جدول المحتويات

 

ولأنى عاهدت الله أن أظل وفية لذكرى الحبيب كان لزاما علي أن أكتب هذه الرسالة بعد أن سمعت أن مجموعة من إخوته ممن كانوا شهودا على قصة رحيله سيلتقون برئيس الجمهورية الذي سمعته أكثر من مرة يتعهد بحماية أمن البلاد والعباد وكلى ثقة أن رسالتي ستجد من يعيها ويفهمها ويوصلها "للجنرال" وفاء لذكرى أخ في الوطن والدين كل ذنبه أنه صدق خطب الجنرال وإعلامه فخرج مطالبا بحقه محتجا على تهميشه وربما كان إلى جانب بعضكم يبادله أطراف الحديث حين أدرته يد "الغدر" قتيلا.

 

ربما لا أكون بحاجة أن أعطيكم بطاقة تعريف عن الفقيد لأنى أثق في وطنيتكم ووفائكم واستحالة نسيانكم له لكنى أستسمحكم أن أعيد تذكيركم بها لأنها تشعرنى بالفخر والاعتزاز وتمنحنى مزيدا من جرعات الصبر والتجلد ، أجل فقد كان "ولدى" – واسمحولى هنا أن أستخدم هذه العبارة استجابة لرغبة القلب الملحة – كان ولدي بارا بأمه متفوقا في دراسته محبا لوطنه، عكس وبصدق تربيتى له فعاش محبا للخير للجميع رافضا للظلم والهوان وحالما بوطن يشعر فيه بآدميته ويجد فيه أبسط حقوقه، كنت أشاهده يكبر أمام عينى فأزداد طمأنينة،  تزيد  كلما تقدمت في السن وتقدم هو على أقرانه خلقا وحيوية ونشاطا.

 

كنت بلا شك أتخوف من تلك اللحظة التى يخطر ببالى فيها أننى سأفقده وكنت ادعوا الله أن يجعل يومي قبل يومه، لكنى لم أكن أتصور أن القدر يخبئ لى فاجعة يحتاج تحملها إيمانا قويا ويتطلب الصبر عليها قلبا بالتأكيد لم يجرب "شعور الأمومة" يوما، فقد شاء ت الأقدار أن أفقد "ولدي" أكثر من مرة، فقدته حين تظاهر في "مقامة" مطالبا بأبسط حقوقه فكانت يد البطش بانتظاره، وقبل أن أستوعب الصدمة أجبرت على أن أعيشها مجددا حين فاض كأس الصبر بابن الوطن وأثقلت كاهله الهموم وأظلمت الدنيا في عينيه فأضرم النار في قلبي قبل أن يضرمها في جسده فكانت يد المنون في انتظاره حين تقاعست سيارة الإطفاء التي كانت بالقرب منه، هي صدمات متتالية لم أستغرب من تزامن حدوثها بقدر استغرابي من بقائى بعدها على قيد الحياة حتى صور إلي أننى أعيش كابوسا مفزعا جاءت حلقته الثالثة على شكل نسخة مؤلمة من سابقتها حين التهمت النيران جسدا طريا أمام أنظار حرس القصر الرئاسي، وكأن المصائب لا تأتى فرادى فقد جاءت فاجعة "أكجوجت" لتزيد من وجع القلب وألمه وهو يشاهد قلوبا مكلومة تودع "شابا طريا" امتصت الشركات الأجنبية دمه وحين خرج مطالبا بإنصافه هو  وإخوته أراقوا ما بقي من تلك الدماء.

 

سأتوقف قليلا فلم أعد قادرة على حبس الدموع خصوصا حين وصلت إلى الحديث عن صدمة استغرق استيعابها فترة طويلة وطويلة جدا فلم يكن من المعقول وأنا من فقدت ابنها أكثر من مرة في كل محطة من المحطات السابقة أن أتصور ذلك المشهد الذي تلتهم فيه النيران "شبابا" باعوا أنفسهم ليحموا الوطن فعجز حكامه عن إنقاذ حياتهم بعد أن سقطت طائرتهم في المطار وغير بعديد من محطات الإطفاء، آه كم كان المنظر مؤلما وقاسيا وكم كان مشهد استهتار الدولة المتكرر بحياة "شبابها" أكثر ألما وقسوة، آه كم سأكون مضطرة أن أواصل الضغط على الجراح المتعددة في قلبى لأتحدث عن مشهد آخر سقط فيه "شهيد المصحف"  المتظاهر على تدنيسه على يد نفس آلة البطش والتنكيل.

 

ليس من طبع "الأم" أن تكون قاسية، لذلك أستسمحكم أبنائي يا من اختاروكم لتلتقوا بالجنرال الرئيس إذا كنت قد عكرت صفوكم، لكن الوفاء بالعهد حتم علي أن أعيد وصف المشاهد المؤلمة لكم، ولأن مشاعر الأمومة لا تتجزأ حرصت على أن أذكر كل محطة من تلك المحطات المؤلمة التى كان من الضروري أن يتكرر معها شعور الفقد و الحرمان، وسأكون حريصة أكثر أن احملكم هذه الأسئلة القصيرة لكي تبلغوها "للجنرال" إذا ما كتب لكم لقاءه.

 

من يخبر "الجنرال" أن هناك من فقد "فلذة كبده" نتيجة القمع و التنكيل ويريد أن يعرف من قتله وكيف ولماذا؟ من يخبر "الجنرال" أن هناك عائلات من حقها أن تعرف أين وصل التحقيق في ظروف قتل أبنائها ومحاكمة الجناة؟ من يخبر "الجنرال" أن الواجب الديني والأخلاقي يحتم عليه أن يضرب على يد من سولت له نفسه العبث بحياة شباب من خيرة أبناء هذا الوطن لا أن يمنحهم الضوء الأخضر لحصد المزيد؟ من يخبر الجنرال أن من تهاون في معرفة حقيقة الجناة سيكون شريكا في الجريمة؟ من يخبر الجنرال أن للمظلوم دعوة لا ترد وأن دعاء الأم على من حرمها من فلذة الكبد قادر على التسبب – إذا أراد الله – في  زلزلة عرش وإزالة حكم؟ من يخبر "الجنرال" أنه من السهل أن تربى وتعلم وتزرع الخير في جسد صالح وحين يأتى وقت الحصاد تبادر يد شقية إلى حرمانك وإلى الأبد من "زرعك" وتمنعك حصاده ؟

 

أحبتى الشباب لم أكن لأكون بحاجة لأحملكم هذه الرسالة لو كان "ولدى" على قيد الحياة لأنه ببساطة ربما سيكون جالسا بينكم وبالتأكيد حينها سيعكس صوت الضعفاء والمهمشين في هذا الوطن لأنه طالما عكس تربيتى له ولأنى على تلك الأخلاق ربيته، لكن القدر اختار أن يلحق بربه واختاركم أنتم لتكونوا وجها لوجه أمام من تعهد بحماية حياة ولدى وإخوته ففرط وتهاون.

 

أحبتى الشباب أكتب لكم هذه الرسالة لأن من فتح لكم بابا إلى "القصر" سبق وفتح "لولدي" بابا إلى "القبر" فرضيت بقضاء الله وقدره وشكوت بثى وحزني إلى الله، لكني أتمنى أن أجد من بينكم من هو قادر على إيصال صوتي لأني حينها سأتأكد أن من بينكم من لا زال صوت ضميره "حيا" ولأني حينها سأرتاح ويرتاح "ولدى" في قبره.

فهل من مجيب؟

 

نقلا عن أسبوعية "الأخبار إنفو"

الأحدث