تخطى الى المحتوى

هل يقف فقهاؤنا مع "المستقبل" تداركا للماضي؟

جدول المحتويات

 

وقد أجمع العقلاء والمنصفون أن فوائد تلك الأهداف المتحققة عظيمة؛ إذ وفرت جمعية "المستقبل" وأخواتها لأبنائهم وبناتهم وهم وهن في جميع مقاطعات نواكشوط ومدن أخرى كثيرة مراكز تعلم فرض العين، وتدرس كتاب الله حفظا وأداء، وتقوِّم السلوك المعوج، وتنمي المهارات المضاعة، وتداوي المريض المعوز، وأنه لولا تلك المراكز والجمعيات الطيب أهلها لتوجه الفتيات والشباب إلى مراكز التنصير المنتشرة في كل مكان من أرجاء البلد المسلم أهله كلهم. وقد وجد الناس في هذا الخير العميم واتفقوا على فائدته وأهميته، وكيف لا والشعب مسلم مائة في المائة؟.

 

ثم ما نلبث أن نفاجأ بتغير مزاج الحاكم المتغلب أصلا؛ فإذا بالخيِّرين أشرارا، وإذا بمراكزهم أوكارا للشر وزعزعة الأمن الذي لولاهم لما كان، فتشرئب أعناقنا من جديد إلى السادة الفقهاء نريد منهم تبيانا لحكم الله الذي علمونا من قبل؛ أنه الوقوف في وجه الظالم والأخذ على يده خوفا على السفينة التي تجمعنا، وتبليغا لحكم الله الذي أوجب عليهم بيانه وعلينا اتباعه، وقد مرت بنا أحوال مشابهة من قبل لأن سنة الله تقتضي صراعا بين الحق والباطل ما لم يوفق الله الجميع للوقوف عند حدوده، وقد كان موقف بعض فقهائنا غريبا يعبر عن حالة ازدواجية غامضة يستعصي فهمها  على من لم يجالس باحث الاجتماع العراقي علي الوردي؛ تلك الحالة الازدواجية تتمثل في مناصرة الظالم وتأييده وتسويغ نزواته، والهجوم على المظلوم المستضعف المشرد، حينها سكت كثير منا بدعوى أن الحاكم مهمى كانت بلادته يدرك ما لا يدركه النحارير اللوذعيون، لكن سنة مداولة الأيام بين الناس دارت هذه المرة على الحاكم لترميه غريبا بعيدا شريدا بعد أن استغفله أقرب مقربيه ونحَّاه وطرده ولعن عهده، وخرج العلماء والدعاة من مدرسة يوسف معززين مكرمين تحتفي بهم المنابر والمراكز والجمعيات، وأدرك جميع الناس بداهة أن الحق في تلك لم يكن مع الحاكم المتسلط، وأن الأمر على فداحته لا يعدو كونه استرضاء لجهات خارجية معادية لم تغن فتيلا حين آذن الله بنزع الملك من أبي شامة ليؤتى من مأمنه.

 

في المشكلة "الماضية" 2003 – 2005 كانت ثمت مسوغات  عدة تخيَّل الفقهاء أو خيِّل إليهم أنها كافية للتباري والسباق للدفاع عن النظام الذي كان حينها حاميا لمذهب الإمام مالك بن أنس الذي خلعت كتفه دفاعا عن الحق وإنكارا لمنكر الإكراه الذي جعلته بعض أنظمة القمع منهجا للوصول إلى أمر لا ينبغي أن يوصل إليه إلا عبر شورى وخيار وتراض باتفاق المذاهب الفقهية، تلك الأيام كانت المعلومات شحيحة ووسائل الإعلام محدودة، بل لا يوجد منها إلا نزر يسير تسمح به السلطة المتغولة المسخوط عليها فيما بعد، أو مبادرات فردية أهلها مطاردون، فكان ذلك سببا لأن نبالغ ونتهم أنفسنا لنجد للفقهاء المبجلين مخرجا تأويليا مهما كان بُعده وغرابته، الآن صارت الأمور أوضح من ذي قبل؛ فكل الأخبار تتطاير بها الصحف وتتسابق بها الرسائل السريعة إلى الهواتف، كما أصبحت الشعوب بعد الربيع العربي الذي فجَّره "رئيس العمل الإسلامي" أكثر وعيا وحضورا من ذي قبل؛ فليس خافيا على أحد الآن أن الأمر الذي يسعى إليه النظام غير الموفق في أهم الملفات – وقد مهد له بعض الفقهاء في كلام عن الطاعة خارج الموضوع – لا علاقة له بأمر داخلي حقيقي بل هو تصرف أهوج مقابل مبالغ مالية معلومة المصدر و"المدخل" والتوجه والغاية؛ ولذلك لم نسمع كلاما عن المذهب المالكي وأهميته لأن الرئيس الآن موزع الهوى بين باطنية الإمارات وتحنبل السعودية ورفض إيران، وهي متناقضات لا تجد مشكلة مع الانسجام في جيوب السماسرة وباعة الأوطان والمقدسات. كل هذه دواعي لأن يراجع الفقهاء مواقفهم وهم أدرى بعقبى أحاديث الغد، وأهمية دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} الشعراء: 84. فما فائدة خطإ الماضي ما لم يكن عبرة للعقلاء للاستغفار بالوقوف مع "المستقبل"؟

 

العلماء والسلطان

 

تاريخ الأمة الممتد عبر هذه القرون الطويلة يؤكد حقيقة حتمية  مفادها أن العلاقة بين السلطان والعالم علاقة نجاة أو هلاك؛ بمعنى أن العالم والسلطان إما أن يتعاونا على البر والتقوى فيقول العالم الحق، ويفعل السلطان مقتضاه فيكونا من أهل النجاة، أو أن يزين له السوء فيفعله فيهلكان معا ويُهلكان غيرهما، وللقارئ الطيب أن يسأل: هل يعقل أن يقوم عالم بالأمر بالسوء؟؛ أقول اسمع قول ابن السبكي في طبقاته: "فَإِنَّمَا يتْلف السلاطين فسقة الْفُقَهَاء فَإِن الْفُقَهَاء مَا بَين صَالح وطالح فالصالح غَالِبا لَا يتَرَدَّد إِلَى أَبْوَاب الْمُلُوك والطالح غَالِبا يترامى عَلَيْهِم ثمَّ لَا يَسعهُ إِلَّا أَن يجْرِي مَعَهم عَلَى أهوائهم ويهون عَلَيْهِم العظائم وَلَهو عَلَى النَّاس شَرّ من ألف شَيْطَان كَمَا أَن صَالح الْفُقَهَاء خير من ألف عَابِد وَلَوْلَا اجْتِمَاع فُقَهَاء السوء عَلَى المعتصم لنجاه اللَّه مِمَّا فرط مِنْهُ وَلَو أَن الَّذين عِنْده من الْفُقَهَاء عَلَى حق لأروه الْحق أَبْلَج وَاضحا ولأبعدوه عَن ضرب مثل الإِمَام أَحْمَد وَلَكِن مَا الْحِيلَة وَالزَّمَان بني عَلَى هَذَا وَبِهَذَا تظهر حِكْمَة اللَّه فِي خلقه" 2/59. واقرأ قول الغزالي مقارنا بين الفريقين في التبر المسبوك في نصيحة الملوك "الأصل الثاني: أن يشتاق أبداً إلى رؤية العلماء،ويحرص على استماع نصحهم، وأن يحذر من علماء السوء الذين يحرصون على الدنيا فإنهم يثنون عليك، ويغرونك ويطلبون رضاك طمعاً فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام" التبر المسبوك 1/18. وليس من الشوق للعلماء أن يلهوَ الحاكم في مغامراته ورصاصاته وضيعاته فإذا حزبه أمر نادى عليهم أن هدؤوا العامة عني حتى لا يزعجوني، ولا يليق بالعالم أن يسكت حتى يشير إليه السلطان، فما بين جنبيه أشرف مما بين يدي السلطان،  ولا تنس أن تمر على ما سطَّر الذهبي في ترجمة الأوزاعي "قلت: قد كان عبد الله بن علي ملكا جبارا، سفاكا للدماء، صعب المراس، ومع هذا فالإمام الأزواعي يصدعه بمر الحق كما ترى لا كخلق من علماء السوء الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعسف، ويقلبون لهم الباطل حقا قاتلهم الله أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق". سير أعلام النبلاء 2/552.

 

فعلى السلاطين وقد عرف عنهم حرصهم على إطالة سلطتنهم ورئاستهم أن يحذروا علماء السوء فقد حاولوا أن يهلكوا علي بن يوسف بن تاشفين لولا أن الرجل الصالح ابن الفراء الأندلسي قاضي مرية تدارك الموقف، واعترف علي ابن تاشفين أنهم كادوا يهلكوه في قضية "جباية المعونة"، وقد ختم الذهبي القصة بقول يدل على أهمية الوقوف مع الحق والصدق: "وقد أراد ابن تاشفين مرّة مصادرته، وأن يقيّده، فدفع الله عنه بصِدْقه ودِينه" تاريخ الإسلام للذهبي  35/ 376.  أما في كتب التزكية فإنك واجد فصولا في الفرق بين الفريقين؛ كما في قوت القلوب وغيره،  والأمر معروف معلوم لمن لم تطمس بصيرته ولم يعمه الطمع والخوف، بل اعتبر المحقق الطِّيبي أن تسويغ العلماء لزلات الحكام هي الفتن التي شبهت بقطع الليل المظلم التي يبيع فيها المرء دينه بعرض من الدنيا "وثانيها: أن يكون ولاة المسلمين ظلمة فيريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق ويزنون ويشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات من إراقة الدماء وأخذ الأموال ونحوها" مرقاة المفاتيح 8/ 424.

 

هامش:

إن فرص المجد تمر مر السحاب فإن لم تكن أيها الفقيه المبجل كالشيخ بداه ولد البوصيري في الصدع بالحق فكن متزنا على الأقل كابن امباله. اللهم وفق فقهاءنا للخير والحق والصدع به. 

 

نقلا عن أسبوعية "الأخبار إنفو"

الأحدث