جدول المحتويات
وارتجَ عليه ولم يستطع أن يتم البيت فحاول أن يتفادى الإحراج أمام صحبه فقال بسرعة: وأم عمرو طالق ثلاثا، وأم عمرو هي زوجته فصار البيت:
ترعى العرار الغض والجثجاثا *** وأم عمرو طالق ثلاثا
ولما سئل ما ذنب أم عمرو؟ قال تعرضت للقافية .
يبدو أن الإسلاميين اليوم يتعرضون لقوافي أقوام متعددين، ارتجّ على بعضهم "الشعر"، وارتجت بأغلبهم السياسة، تجمعهم خصومة الإسلاميين وارتجاج الشعر، وتفرق بينهم مقاصد كثيرة تصب في نهايتها في مستنقع الحقد والإقصاء، ولئن سألتهم ما ذنب الإسلاميين قالوا تعرضوا للقافية.
لقد شكلت ظواهر الإلحاد المتتالية التي بدأت في الظهور، بدء من إحراق الكتب الفقهية، ومرورا بالإساءة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم الاعتداء على العلماء وتدنيس المصحف،ِ ضربة لنظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي وصفه مصفقته برجل القرآن وأمير المؤمنين.
شكلت تلك الأحداث ضربة في الصميم، ليس لكونها وقعت في ظل هذا النظام "الإسلامي" فحسب، بل لكون النظام وقف في أغلب هذه الأحداث مع مرتكبيها، عدا حرق الكتب فقد ركب موجتها لتنقذه من سهام المعارضة، حتى إذا أمن من سهامها، نسي النظام تطبيق الشريعة وأطلق سراح المتهمين، وطفق صاحبها يجول الأرض طولا وعرضا، ويحصد الجوائز.
ولئن كان مستغربا وقوف النظام الموريتاني متفرجا على موجة الإلحاد هذه، فإن وقوف بعض الفقهاء مع النظام وجلب المبررات له، بتجاهل هذه الأحداث أولا، ثم استسهال قتل المنتفضين ثانيا نصرة للمصحف الشريف أشد غرابة وأكثر وقعا على القلوب، ممن ينتظر منهم قيادة لمثل حراك كهذا، ينتصر للمقدسات الإسلامية.
تبدو تجربة الضرب بالمليان التي أسسها علي جمعة مفتي الديار المصرية سابقا، وأفتى فيها بقتل المعتصمين بميداني رابعة العدوية والنهضة في مصر قبل عدة أشهر، تبدو تلك التجربة مغرية جدا لبعض فقهائنا الأجلاء، مع اختلاف بسيط في الزمان والمكان والمناسبة، فقد نسب إلى أحد الفقهاء في الأسبوع الماضي قوله إن من يُسير المسيرات ليلا دون إذن من النظام فدمه هدر، وينسب إلى آخر أن القصر الرئاسي مكان حساس، لا يقصده إلا طالب للرئاسة أو للموت!.
كان على الفقهاء حفظهم الله ورعاهم أن ينتبهوا لما يريد النظام جرهم إليه، وهو قذفهم إلى الواجهة دون سند من الحقيقة أو غطاء من الصواب، وكان عليهم أن يصونوا العلم الذي في صدورهم من أن ينتصر لظالم أو فاسد.
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظما
إن ما أقدم عليه النظام من إغلاق لجمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم ومستشفى النور والمعهد الإسلامي لتعليم البنات هي محاولة بائسة لوأد الحق، وتجفيف منابع الدعوة الإسلامية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون استهدافا لتيار إسلامي موريتاني عريق عرف على مدى تاريخه بالوسطية والاعتدال.
يذكر تبرير وزارة الداخلية الذي نشرته بعد إغلاق جمعية المستقبل، بتبرير الذئب الفائت:
وكان كذئب السوء إذ قال مرة *** لعمروسة والذئب غرثان مرمل
أأنت التي من غير ذنب شتمتني *** فقالت: متى ذا؟ قال: ذا عام أول
فقالت: ولدت الآن بل رمت غدرة *** فدونك كلني لا هنا لك مأكل
إنه من المستغرب أن تغلق المؤسسات الإسلامية التي تنشر الإسلام الوسطي، وتدعو الناس إلى دين الله عز وجل، في الوقت الذي يترك فيه الحبل على الغارب للمنظمات التنصيرية تنشر فكر الإلحاد بكل حرية، دون أن يشكل ذلك "تأثيرا مفزعا" للدولة.
إن جمعية المستقبل هي جمعية موريتانية تنشط في المجال العلمي والدعوي والثقافي بموريتانيا، وتهدف لجملة من الأهداف من بينها، القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلوم الشرعية والنهوض بالتعليم المحظري، والإسهام في إصلاح التعليم النظامي وفق رؤية ملتزمة، بالإضافة إلى إحياء التراث الإسلامي لهذا البلد والتعريف به وبأعلامه.
وكذلك الإسهام في إصلاح المجتمع وتربية الشباب تربية إسلامية متوازنة، والمشاركة في تقديم البديل الإسلامي في مختلف المجالات الفكرية والثقافية، وتعزيز الوحدة الوطنية وإصلاح ذات البين.
إن الذين يحملون مشاعل الإيمان في قلوبهم هم صفوة الصفوة من المؤمنين، وهم أحق بأن تفتح لهم المنابر والقنوات لنشر العلوم الشرعية والفكر الإسلامي الوسطي الذي يؤمن بالله ولا يكفر بالإنسان.
كان على السلطات الموريتانية أن تكرم جمعية المستقبل على جهودها الدعوية الرائدة، وتكرم مستشفى النور على جهوده الصحية ذات التأثير الكبير، وتكرم المعهد الإسلامي للبنات على جهوده التربوية التي تخطؤها العين، بدل إغلاق كل هذه المؤسسات وحرمان الناس من خدماتهم.
إن الدخول في مواجهة مع الإسلاميين لا يخدم غير أعداء هذا الوطن، الذين يسعون إلى تدميره، وهو كذلك لا يخدم النظام القائم وله في سلفه السابق عبرة لمن أراد أن يعتبر، والعاقل من اتعظ بغيره.