جدول المحتويات
استغربت حينها من الأفكار المتناثرة التي يحملها هذا الشرطي المسكين و هو يكابد عناء زحمة السير ،و غلاء الأسعار بما فيها النقل ، في ظل نظام رئيس الفقراء الذي يبدو أنه كان ذكيا حين اختارها شعارا لحملته الانتخابية ، فهو بالفعل صار رئيسا للفقراء لأن البلد غلب عليه الفقر كما غلبت عليه أشياء أخرى من قبيل الفساد و المحسوبية و الزبونية و غير ذلك …
الآن و بعد مرور عامين على "رأي الشرطي" ها هو قائده و شيخ مدرسته "الفكرية" و "القمعية" الجنرال محمد ولد عبد العزيز يسير في نفس الاتجاه المعادي للتظاهرات السلمية و الاحتجاجات الشعبية ، المناوئ للتيار الإسلامي ، بجمعياته و مدارسه و معاهده و مستشفياته و هو ما يحيل المتتبع للأحداث الأخيرة إلى طرح عدة تساؤلات تصب –جميعها- في صميم هذا القرار "المرتجل" ارتجال صاحبه على الحكم ، مثل لماذا هذا القرار ؟ و ما عواقبه ؟
· لماذا هذا القرار ؟
لن تكون الإجابة على هذا السؤال و لا على غيره من الأسئلة إجابة خبرية بالمعنى "الإعلامي" لها ، و إنما ستكون إجابة تحليلية أو تفسيرية لمتطفل على هذا المجال ، يحاول أن يضع نفسه في الصورة قبل أن يضع القارئ الكريم فيها.
فلو عدنا إلى السيناريوهات المتلاحقة و الأحداث السيارة التي عقبها هذا القرار (قرار غلق جمعية المستقبل و مستشفى النور و معهد البنات .. إلخ ) سندرك بما لا يدع مجالا للشك أن الأمر قد دبر بليل و أن أحرفه الأولى صيغت قبل أن ترى الحادثة الأخيرة – التي مست من مشاعر مجتمعنا المسلم – النور.
فالكل يعلم أن التيار الإسلامي ممثلا في حزب التجمع الوطني للإصلاح و التنمية (تواصل) أرهق كاهل النظام -بعدته وعتاده- في الانتخابات التشريعية و البلدية الأخيرة ، و الكل يعرف انطلاقا من منطق الحسابات البسيطة أن من حصل على كل تلك الشعبية منفردا -في انتخابات لها ما لها و عليها ما عليها – سيكون بمقدوره أن يضاعف ذلك مرات عديدة إن نجح في التكاتف مع أقرانه من المعارضة الأخرى في منتدى المعارضة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة…
من هنا بدأت الصورة تتشكل لدى النظام ، و زادت المعطيات السياسية الجديدة إدراكه أن الكرسي الذي سهر الليالي حاملا بندقيته من أجل الحصول عليه صار في خطر ، فكان لزاما عليه أن يغير ساكنا حتى يعيد شيئا من توازنه و يحافظ على جبروته و قوته ، إما باللعب بورقة "الحوار" التي رفضتها المعارضة أو إزاحة طيف سياسي متين طالما أرقه بشكل تدريجي.
لم يجد قضاء النظام و أجهزته الأمنية –حتى الآن- من يلفقون عليه جريمة "تمزيق المصحف الشريف" فتارة يذيع بعض أبواقه أن مقربين من تواصل قاموا بتلك الفعلة الشنعاء بهدف خلق فرصة للتظاهر و إثارة الفتن ، و تارة يشيعون أن "معزاة" شوهدت ذات مرة أمام مقر حزبه هي من قامت بتلك الجريمة لزعزعة أمن و استقرار البلد … و الراجح حسب المعطيات -الآنية- أن النظام هو من افتعل كل ذلك لخلق جو يضرب فيه منابع هذا "التيار" و مؤسساته الخيرية ، كما كان يضرب أبناءه و منتسبيه في الأزقة و الشوارع و السجون.
و بما أن الشرطي المسكين يحمل أفكار شيخه المفدى فإنه هو الآخر أعني "ولد عبد العزيز" لا يستحيل عليه أن يكون قد استمد هذا التوجه الجديد القديم ممن يفوقه باعا في هذا المجال و سبقه في اتخاذ مثل هذه القرارات اللحظية السيئة .. سواء كان ذلك اقتداء بالقرار الذي اتخذه السيسي بحل جمعية الإخوان في مصر (و الذي رحب نظامنا بممثليه أيما ترحيب و سمح لهم بضرب و تنكيل أبناء البلد) ، أو اقتداء بالنظام السعودي الذي اعتبرهم جماعة إرهابية أو الاثنان معا ، خوفا من الأول و رغبة في الاقتراب منه و من على شاكـلته، و طمعا في ما تنتجه صادرات أنهار الذهب الأسود التي تتقلقل تحت الإمارات و السعودية ..
و لا غرابة في ذلك ما دام أحد رموز النظام في مثل هذه اللحظات قد سافر ليلة البارحة إلى الإمارات العربية المتحدة في رحلة تحفها الاستفسارات و الأسئلة الغامضة…
– ما عواقب هذا القرار ؟
أعتقد أن قرارا كهذا لن يمر بتلك السهولة التي يظنها المصفقون للنظام ، فمحاولة تغييب طيف كبير عن المشهد السياسي الوطني لن تمر مرور الكرام خصوصا إذا كان يحتل الجزء الأكبر من المقاعد البرلمانية و المجالس البلدية بعد الحزب الحاكم في عموم موريتانيا.
لكن الأنظمة البوليسية قد لا تراعي كل ذلك و هو ما يجعل الحل الأمني واردا في الأيام المقبلة ، خصوصا إذا ما خرجت مظاهرات تدعوا لإلغاء تلك القرارات ، كما هو الحال اليوم مع الوقفة التي نظمت في دار النعيم و الأخرى التي نظمها ذوو المرضى الذين لا حول لهم و لا قوة أمام المستشفى الذي كان يقدم لهم خدمات مجانية حرموا منها.
و هو ما يجعل سيناريوهات مشابهة لتلك التي جرت من أجل استرجاع المعهد العالي في الحسبان ، حيث أن الشباب الذين ضحوا بكل غال و نفيس من أجل استرجاع المعهد كقلعة علمية شامخة لن يدخروا جهدا في استرجاع جمعية دعوية كجمعية المستقبل و لا معهدا كان يكون بنات المجتمع على الطاعة و العبادة و مستشفى لاذ إليه الكثيرون فرارا من جحيم مآسي المستشفيات الحكومية…
و في الطرف الآخر قد يلجأ النظام إلى اعتقال رموز التيار و التحقيق معهم و تلفيق تهم عليهم تتعلق بالحصول على أموال خارجية و التواصل مع جهات إرهابية .. و تلك أمور خبرناها من أنظمة عسكرية سابقة رسخت أقدامها في أرضية الفشل السياسي و الأمني …
و من المؤكد أن مثل هذه الحلول لو كان يجدي نفعا لما سقط قناع ولد الطائع و لما وصلت الرئاسة إلى غيره لتختطفها أنتَ لاحقا يا سيادة الرئيس فهل يعني هذا أنه بدأ العد التنازلي لنهاية حكمكم "الرشيد"؟!!