تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

مع أنه أسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ومن بعد لكن لم نسمع إماما ولا عالما من علماء الفضائيات أفتى بإهدار دم الكافر المسيء إلي النبي صلى عليه وسلم، وقد أهدر النبي دمه  بصريح النص وصحيحه فقال: (( من لكعب بن الاشرف فإنه آذى الله ورسوله، فانتدب لذلك مفرزة من الأوس فقتلوه وأتوه برأسه، فخاطبهم قائلا: أفلحت الوجوه’ قالوا: ووجهك يا رسول الله.

 نعم الكافر إذا آذى رسول الله أهدر دمه ولا ينجيه من القتل سوى الدخول في الإسلام لأن لإسلام يجب ما قبله’ كما صح عنه صلى الله عليه وسلم. فهل رأينا حاكما خرج لينكر هذه الإساءة؛ وهل سمعنا إماما أو عالما أهدر دم هؤلاء المسيئين إليه صلي الله عليه وسلم؟ بل قرأنا لمن يشكك في هذه العقوبة ممن يزعم أنه مفكر إسلامي – وإنما هو مفكر شيطاني إجرامي- وهذا التشكيك هو أحد الأسباب الذي أسقط هيبة الشريعة وهيبة زواجرها’ بل وهيبة العلماء، وثاني الأسباب هو تعطيل تحكيم شرع الله’ وثالثها هو تعطيل الزواجر الشرعية واستبدالها بما لا يسمن ولا يغني من تغريم وحبس وضجة إعلامية..

فإذا ما أردنا أن تعود للشريعة هيبتها فعلينا أن نعمل بمقتضاها، وفي تقديري أن مجرد الإعلان عن تطبيق مضامينها كاف في زجر المعتدين، وإخافة المجرمين؛ وتقع مسئولية تطبيقها على الحاكم الأعلى، فبدل أن يخرج علي الناس ليؤكد إسلامية الدولة كان عليه أن يخرج إليهم ليعلن العمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ففي شريعته الخير كله، وتلك هي نصرته لمن أرادها صادقا.

إنا نريد شريعة الخالق التي هي عدل ومساواة وصلاح وإصلاح’ ونرفض شريعة المخلوق التي هي جور وظلم وفساد وإفساد’ تتحكم فيها أهواء الظالمين وقوة المتنفذين، تأخذ الضعيف بشدة، وتسيب القوي، فما أبعدها من المبدإ السامي الذي أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ))، لا تمييز في شريعة الله لا فرق  بين حاكم ومحكوم’ ولا بين شريف ووضيع،  ولا بين عالم وجاهل ، ولا بين قوي وضعيف’ ولا بين خامل ووجيه’ الكل ينحني لها أمرا ونهيا’ زجرا وجبرا طاعة لله ولرسوله.

إن ما نراه اليوم من الخرجات والمسيرات، وما نسمعه من الخطب والندوات إنما هو تغطية لما يريده الظالمون من تعطيل شرع الله، والإبقاء عليه في سلة المهملات.

ففي حادثة ولد امخيطير – مثلا- قامت الدنيا ولم تقعد وحدثت ضجة كبرى، كنا في غنى عنها، أما كانت إحالته إلى العدالة للحكم عليه بمقتضى الشرع كافية؟ فيحال كما يحال أي مجرم آخر – وما أكثرهم في زماننا هذا، إذ لا يخلو يوم أو ليلة من إزهاق نفس معصومة، أو حادثة اغتصاب، أو سرقة، أو زنى من محصن أو غير محصن، وربما سمعنا أقوالا تقتضي الردة أو أفعالا تتضمنها، ومع ذلك لم تحدث ضجة كتلك الضجة، ولم يتفوه إمام ولا قائد ببنت شفة.

إن الردة جريمة عظمى، والقتل العمد العدوان جريمة كبرى، وزنى المحصن كذلك، فهذه كلها من أمهات الكبائر التي تستوجب العقوبة الشرعية’ قال عليه الصلاة والسلام (( لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني’ والتارك لدينه المفارق للجماعة)) ، فكان من الواجب إحالة هؤلاء إلى القضاء في هدوء وصمت ليدينهم الشرع أو يبرئهم’ وليس ذلك إلى الأستاذ ولا الإمام الخطيب، ولا الداعية، فالقضاء وحده هو صاحب الاختصاص’ ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

إن المعطلين لشرع الله والمشككين في زواجره هم أول من يبدأ بهم، فهم أحق أن يحمل عليهم‘ فتعقد الندوات والخطب والاعتصامات حتى يعود هؤلاء إلى رشدهم، فيطبق الحاكم شرع الله، ويتوقف المشكك في زواجره عن تشكيكه، عندئذ تعود للشرع هيبته وللعلماء مكانتهم، ولن يجرأ أحد على المجاهرة بالمعاصي كبيرة كانت أو صغيرة،

إن الذي يقع في أيامنا هذه من فساد وظلم أول مسئول عنه الحاكم الأعلى والعالم الذي تابع ورضي، فالعالم ليس مظلة ولا وسيطا فحسب – كما زعم بعضهم – بل إن من واجبه الصدع بالحق، والدوران معه حيثما دار، فإن كان منحازا فليكن انحيازه للحق وولاؤه لله وحده، ورحم الله الشيخ بداه بن البوصيري؛ حين طلب منه أحد حكام موريتانيا أن يتولى إحدى الوزارات  قال الشيخ باللهجة الحسانية: (( إلا قلتلكم ش لاه اتعدلوه ))، فسكت الحاكم ولم يجبه، فأمن الشيخ بذلك من ولاية يكون فيها العالم تابعا لا متبوعا’ مطيعا لا مطاعا’ مأمورا لا آمرا، فطوبى للشيخ بداه وأمثاله من العلماء الذين آثروا الآخرة على الدنيا وصدعوا بالحق.

(( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء  فليكفر ))      

وكتبه القوي بالله: الطالب أخيار بن أعمر سيدي.

الأحدث