تخطى الى المحتوى

لقاء الشباب : (مساهمة في نقاش عقلاني وهادف)

جدول المحتويات

 ليس فقط فرصة وسانحة نادرة أمام الشباب الذين تتكالب عليهم صنوف من الأوضاع والتحديات الخاصة، والنابعة من الثقافة التقليدية للمجتمع والتى وجدت استمراريتها في النظام السياسي الموريتاني(الرسمي والموازي) منذ عقود ،بل الأغرب أن هذه الدعوة كانت أشبه برمي حجر ثقيل في مياه نهر حياتنا السياسية الآسن منذ الثمانينيات، فقد تعرض الشباب والرئيس على حد سواء لسيل من الانتقاد والتشكيك في دلالات ومغزى هذه الخطوة، بصورة تفتقد ليس للكياسة الواجب اتباعها في النقد العمومي، بل تفتقر احيانا للمنطق والعقل ،غير أن عددا غير قليل من الشباب الموريتاني استجاب استجابة مهيبة لهذه الدعوة ، ذات الطبيعة الخاصة جدا! كما ان قسما كبيرا من الرأي العام الوطنى  ثمن هذه الفكرة، التى رأى فيها عقلانية غير معهودة في الذين تولوا سدة الحكم في هذه البلاد عادة، باستثناء مثال واحد يؤكد القاعدة ، مثله انفتاح الرئيس الأول للجمهورية السيد المختار ولد دداه على الشباب الموريتاني في ظروف واوضاع خاصة جدا في سبعينيات القرن الماضي،إن أبرز الأسئلة التى طرحتها الأطراف المناوئة لهذه الخطوة، هي لماذا الشباب في هذا الحين  من الدهر؟ وهو سؤال رغم بساطته ومشروعيته إلا انه يستبطن  حمولة كيدية تتعلق بان الزمن الانتخابي قد أظلنا! ، غيرأن السؤال سيفتقد للبراءة حين يجيب متسائلوه بأن هذا اللقاء  ليس سوى ولن يكون إلا دعاية سياسية أطلق عقالها الرئيس في ماكينته الدعائية للرئاسيات ،ورغم الجهل الفاضح هنا أو التجاهل الواضح للحقائق السياسية والموضوعية، على الأرض التى تقر بان الرئيس يعيش وضعا سياسيا مثاليا بالنسبة لخصومه الفعليين والافتراضيين،إلا اننا سنخوض ونلعب –على غيرعادتنا- معهم في هذه الأشكلة المفتعلة، لعلنا نساهم في اطفاء النار في وجه هذه الفرصة التى إذا ما استغلت احسن استغلال وبشكل واع ومدروس، قد تمثل بادرة لانعطاف الدولة نحو شباب يمثل سواعد فتية وقوية ويمثل مكمن عبقريتها الذهنية ، ولكن قبل ذلك أقر أن تكوينى المعرفي وخبرتى المتواضعة لا تصنف أفعال السلطة في خانة التبرع والاحسان ،لذا سيكون من المنطقي البحث عن مجموعة اسباب داخلية وخارجية، مثلت بيئة موضوعية للدفع بالرئيس  الموريتاني لاتخاذ القرار الصحيح بالتعاون والشراكة مع الشباب، على عكس فاعلين سياسيين آخرين (احزاب ومنظمات) رغم كل التحول في الواقع وفي المدرك الذهنى العام، لا تزال تتجاهل حضور وتمثيل الشباب ، وفي أحسن الأحوال لا تزال تتلاعب وتتلهى به لخدمة أهداف مفارقة لمصلحة الشباب ودوره الحقيقي في البناء الوطنى، على كل حال لا يمكن لأي مراقب موضوعي إلا أن يلاحظ :

 

–         مدى فتوة المجتمع الموريتاني على غرار المجتمعات العربية الأخرى حيث تؤكد الاحصائيات أن نسبة الشباب تلامس 70 في المائة.

–         ارتفاع نسبة الشباب الموريتاني الذي أكمل تعليمه الجامعي ،وغالبا في جامعات خارجية وهو ما اتاح له فرصة الاطلاع على حجم الحداثة والتقدم الذي يشهده العالم ،وهو الامر الذ ي سيمثل مبعث الغيرة والغضب  الدائمين من استقرار موريتانيا في مربع التخلف .

–         إلمام هذا الشباب بالتقنيات الحديثة وانفتاحه على وسائل التواصل الاجتماعي التى اتاحت لديه فرصة نادرة على التعارف وتبادل وجهات النظر.

–         انسداد أفق المشاركة في الشأن العام لسبب مباشر هو رفض النخب التقليدية،وجماعات المصالح الخاصة والمفسدة، والفئات العمرية المتقدمة فتح المجال أمام تجديد الطبقة السياسية والاقتصادية …إلخ

–         فضلا عن التحولات و التغير الدراماتيكي الذي يشهده الجوار الموريتانى منذ سنوات ولا تزال تفاعلته سائلة؛

غربيا وأوربيا،حيث تتعقد مفاعيل الأزمة المالية والاقتصادية،فتنكمش المساعدة ،وتستيقظ الأفكار الحمائية،والفوبيا من الهجرة، وهو ماله الأثر والتداعيات المباشرة على شأننا الوطنى؛

وإفريقيا :حيث الاضطراب المجتمعى وعدم الاستقرار السياسي،وتراجع معدلات النمو وعدم انعكاسها على الوضع التنموى،وانتشار الفساد والجريمة العابرة للحدود من ارهاب وتهريب وقرصنة، وهو ما من شأنه زيادة الضغوط والأعباء على امننا القومى والوطنى في مختلف جوانبه؛

وعربيا: حيث يمور المشهد السياسي الرسمىي والشعبي ، بمعدلات مرتفعة من العنف الثوري واللاعقلانى الذي يستهدف تغييرا غير متفق على عناوينه او شكله بله أهدافه؛إنه الانفتاح على المجهول ،وهو ما ستكون له حتما تداعياته المنظورة ليس على نمط أنظمة الحكم ،بل على شكل وبنية الدولة والنظام العربي ككل.

–         هذه التطورات جيوبولتيكية كان لها انعكاسها الواضح على الساحة الموريتانية ذات الحساسية والقابلية الكبيرة للتأثر بروافدها المحيطة في تلك العوالم المجاورة، وهو ما جعل عددا قليلا من الشباب الموريتاني يحاول عمليا أو نظريا –على الأقل- استلهام تجربة التدمير العربي (الربيع العربي)، وهي عينها –تلك التطورات- التى أغرت القوة السياسية المعارضة للنظام تغيير خطابها ووسائلها للاستفادة والانتفاع كذلك ،يحدوها الأمل في التأثير أو الانتقاص من شرعية النظام سواء الانتخابية أو بالانجاز،غير أن تماسك النظام وقراءته الصحيحة لجوهر التغير الذي يعصف بالمشهد الاقليمي والعالمي ،واستدامة مصادر قوته الداخلية والخارجية ،جعلته يكسب الرهان السياسي ضد القوة المتربصة به، غير أننا نقر أن ذلك المجهود من كلا الأطراف أضاع وقتا ثمينا بالنسبة للفعل التنموى للدولة الموريتانية.

–         فضلا عن كل تلك التحديات البارزة والواضحة فإن أحداث التحول (داخليا وخارجيا) أيقظت عدوا عتيدا لكيان الدولة والمجتمع مثله بروز أواعادة الحياة للانتماءات الفرعية (مادون الوطنية)المتعلقة بالشرائح والعرقيات والاثنيات.

لكن كل هذه تبقى مجرد مظاهر أو لنقل أعراض لحجم التغير الذي لحق بالخريطة النفسية والادراكية والسلوكية للمواطن العربي عموما والموريتاني خصوصا.

ولعمرى إن هذا المشروع "اللقاء" لهو شعور نبيه باهمية تحصين وضعنا العام الداخلي والخارجي،وإن على أسس جديدة تضرب حسابا خاصا للآمال والمخاوف التى تحدوا الناس ، خصوصا الشباب وهو ما جعلنا نضع هذا المشروع في سياقه الكبير والرمزي والعميق ،والذي يؤمل منه نتائج نوعية وحقيقية تعود بمزيد من الخيرية على مسيرة التطوير والتحديث الوطنى ،وعلى شرعية نظامنا السياسي الجمهوري؛ بعيدا عن الاستسلام لاغراءات اللحظية والاستعراض كما يقدر ويتمنى البعض .

لعل هذه العوامل متضامنة تفسر لنا خلفية الدفع بالشباب وتطلعاته في التنمية والحرية إلى صلب الأجندة الرسمية للرئيس الموريتاني ،الذي غالبا ما دعى الشباب الموريتاني لانتزاع دوره في الحياة العامة ،مطلقا شعار "تجديد الطبقة السياسية " الذي يمكن النظر إلى هذا اللقاء كأحد التدابير لتجسيده على أرض الواقع، كما انه لن يكون من المبالغة تأطير هذه الدعوة في مجال قراءة الرئيس الموريتاني الشخصية، لأهمية اعطاء الدور للشباب للمشاركة في ابداء وجهات النظر، وانتهاج قيم وسلوك المشاركة الفعلية البناءة في النهوض الوطنى،  لمحاصرة فجاج الضياع التى تتلقف الشباب بدعوى الجهادية والثورة ،وهو ما عبر عنه الرجل مباشرة في أحاديث سابقة ، وكذلك في خطابه في أديس بابا حاثا نظراءه الأفارقة على الاهتمام في سياسياتهم العمومية بالشباب ،وهو ماقد يولد طموحا مشروعا لتقدم موريتانيا "أنموذجا" حضاريا وفريدا خاصا، في الاستماع للشباب وتبنى أطروحاته المدروسة للخروج من وهدة التخلف إلى فسحة التنمية والأمل.

وعلى فرض أن هذه الدعوة "للقاء" لا تزال عصية على افهام البعض ،فإننى أهيب بالشباب الموريتاني خاصة الذين يعتقدون باهمية استحداث مسعى تشاركي، يؤمن بمسؤولية الجميع في احداث وتجسيد أشواق التغيير، أن يتفاعلوا ايجابيا مع هذه الدعوة ليس من خلال المشاركة المباشرة –المحدودة- فحسب، بل بتقديم مقترحاتهم البناءة وتشكيلهم حاضنة ورافعة لهذه الفرصة التنموية،  التى ستتيح لهم مجالا لتجديد القيم والمسلكيات الناظمة للحياة العامة في وطننا الحبيب وفي كل المجالات ،وان يستيقنوا أن المناسبة لو لم تكن شيئا غير السياسية  لتفضل الرئيس بتكليف بعض أحزاب الشباب الذين يمثلون جزءا هاما وناجحا من اغلبيته الرئاسية،واعلم يقينا بان هناك من استهوته الايديولوجيا وتخطفه الياس للأسف فرأى كل نداء هو دعاية وسياسة وصراع على العاجل ، لكننى  على يقين أن للشباب فرصة في أن يثبتوا قدرتهم على ابتداع منهجية تمزج بين المبدئية والبرغماتية الايجابية ،من خلال نصب "الفخ" للاوضاع المتهالكة ،عل التاريخ يفشل ،ونجد فرصة مستانفة من جديد للحلم والتغيير.

الأحدث