جدول المحتويات
جملة من خمس كلمات علّق بها ابن عبيد المعارض السياسي على حقيقة "محاربة الفساد" في عهد ذلك السلطان الأموي الذي كان يقيم حداً هو أحقّ بأن يقام عليه.
يملك ابن عبيد ما يلزم من العقل والتجربة ليعتنق تلك القناعة ويحكم ذلك الحكم، فهو أحد المتكلمين المؤسسين، وقد عاش في بيت تصل إليه باستمرار أخبار الشطار والعيارين والمقامرين وأصحاب المخالفات؛ إذ كان أبوه عبيد بن باب مولى تميم نسّاجا مخالطا لأصحاب المهن في أول حياته، ثم صار شرطيا للحجاج بن يوسف الثقفي وواحدا من حراس السجن المليء بسُرّاق السرّ وصغار المخطئين. إن الرجل يعرف ما يقول.
وبعد ثلاثة عشر قرنا من محنة سارق السرّ ذلك ما زال السلطان يقول "إن الحرب على الفساد مستمرة ولن تتوقف"، وما زال قارع الطبل بين يدي السلطان يقول إن "الفساد موجود" وإن السلطان دام ظله "لا يحارب الأشباح"، وكأن ابن عبيد قال إن سارق السرّ شبح.. ! سارق السرّ يا قارع الطبل السلطاني حقيقة، لكن سارق العلن هو الحقيقة المهيمنة.. هذا معنى ما قاله ابن عبيد.
أما الحرب التي جاء قارع الطبل السلطاني يحيي الحديث عنها هي حرب بين أصحاب الغايات المتشابهة.. حرب للسيطرة على أدوات السيطرة ( البنوك ، الشركات ، العقارات، احتكار الاستيراد، رخص الصيد والتنقيب عن المعادن).. حرب يسعرها السلطان لثلاثة أهداف؛ لصناعة سُرّاقه، ولتصفية خصومه، ولمخادعة الناس.
إن حرب الفساد لا تكون مقدسة إذا كانت بين مفسدين، ولا تكون مقدسة إذا كان المصلح يردى فيها على يد المفسد، ولا تكون مقدسة إذا كانت حرباً بلا أخلاق وبلا قواعد اشتباك، وهي عديمة القداسة إذا كانت مجرد عملية إحلال واستيطان تُقتلع فيها عصبة فاسدة وتُستنبت مكانها أخرى أشد كلَبا وأجوع بطوناً . إنها ليست إلا حرب ذهل بن شيبان على ذهل بن شيبان.
ونحن نسأل قارع الطبل السلطاني عن نتائج حربهم التي لم يصمت صليل سيوفها منذ أكثر من خمس سنين؟ أين ما استردته خزائن الشعب من الأموال المنهوبة؟ وأين نصف مليار من الأوقية استرقت من أموال الجيش الوطني ودفعت إلى فتىً ذي قرابة من السلطان يبيع بها ويشتري؟، وأين عشرة ملايين أوقية اكتشف في العاشر من يناير اختفاؤها من أموال إدارة الصحة في قيادة الجيش؟ وأين التحقيقات في فساد إدارة الطيران العسكري الذي أودى بحياة نحو عشرة من خيرة الضباط الشباب في أربع سنين؟ وما تفسير نابتة التجّار الجدد المرتبط سوادهم الأعظم بالسلطان وحاشيته؟
ليس مقنعا أن يزيد الفساد وهو تحت الحرب الضروس كما تزعمون، وليس مقنعا أن تسفر حربكم الشعواء عن سجون مليئة بسارق البيضة والهاتف وحبل الغسيل وأضرابه من سُرّاق السرّ، وعن سُرّاق علانية في قصور ودثور ومناصب سياسية وإدراية عليا !
إن ما آمنّا به مما تأتون هو ما آمن ابن عبيد مما أتى ذلك السلطان؛ سارق العلانية يقطع سارق السرّ. أن حروبكم هذه ستطول، وستُبعث من مرقدها مرّة بعد مرّة؛ لأنها مصدر رزقكم الأول؛ فبحرب الفساد تجمعون أموال الداخل، وبحرب الإرهاب تجمعون أموال الخارج.. إنها الحروب من أجل الجيوب.