جدول المحتويات
أجل! إنني أعي ما أقول: أهنئ الرابطة الموقرة والقائمين عليها على هذا الاعتداء الآثم، الذي بدا لنا معشر المتابعين – من خلال تجاهل الرابطة لحدث بحجمه – وكأنه أثلج صدورا وأقرّ "عيونا" في هذه الرابطة المعنية بالدفاع عن العلم والعلماء في موريتانيا، أو هكذا يفترض.
أدرك أن الأخلاق الرفيعة التي يتحلى بها العلامة الددو، والمكانة العلمية السامقة التي يحتلها، تجعل من شبه المستحيل أن يقابَل خبر مثل خبر الاعتداء عليه بغير الإدانة والشجب والاستنكار (وهو ما عبّر عنه الشارع الموريتاني بكل أطيافه وشرائحه) خاصة من جهة يفترض أنها القائم على رعاية العلم وأهله في البلاد، غير أنني أدرك – كذلك – أن رئيس الجمهورية المحترم وحكومته "الرشيدة" لم يكونوا على مستوى التحدي والإحساس بالمسؤولية تجاه حادث جرح مشاعر الشارع الموريتاني واستفزّه أيما استفزاز؛ وهو ما لا أحب أن يكون قد أثّر على موقف الرابطة المحترمة!
أدرك أن للشيخ الددو خصوما – حتى لا أقول أعداء – في حتىلاوقل حتى في الساحة العلمية في البلد يحسدون الرجل، وحُق لهم (واقعا، لا شرعا أو طبعا) أن يفعلوا! غزارةُ علم الشيخ ورسوخُ قدمه في المعارف التي يتحدث فيها، قبولٌ وضع للرجل في الأرض ووقار على جبينه الأغرّ، سخاء في كفه وتواضع من سجيته… أمور لم تجتمع لرجل إلا وجد من ينقم عليه. لكنها لم تكن الأخطر على الشيخ في رأيي؛
فأن يظلّ الرجل قامة علمية فارعة تعبّر عن شموخ العلماء وعزّة القادة، تجهر بالحق وتنصف المظلوم وتتحدى الظالم بالأَطْر على يديه؛ إحقاقا للحق ووقوفا معه، وإبطالا للباطل وسعيا في نقضه، في يوم "ذي مسغبة" تساقط فيه أنصاف الرجال وجثوا على ركبهم؛ خوفا من حاكم مطبِّع أو طمعا في عسكري منقلِب، أمور قد يجد فيها السذج من أمثالي تفسيرا لنكوص الحكّام عن نصرته، دون الحديث عن علاقة موقف رابطة علمائنا الموقرة بهذا الخصوص.
الاعتداء الآثم الذي تعرض له الشيخ الوقور، لن يغضّ منه أو ينتقص من مقامه كما يحلو للبعض أن يكون، فإنه "ما ازداد عبد بعفو إلا عزا" ولا أوذي رجل في سبيل الله إلا رفعه، غير أن الخطير في الأمر أن الحادث الآثم – فيما يبدو – كان حلقة من مسلسل الاعتداء على المقدسات الإسلامية، بدءا بمحاولات إشاعة الميوعة والانحلال في المجتمع الموريتاني المسلم، مرورا بالتنقيص من شأن الفقه الإسلامي وأمهاته المعتمدة، قبل الوصول إلى ذروة الخبال وقمة الطيش بمحاولة النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقال المشؤوم ومناصرة صاحبه، عودة إلى الاعتداء على حراس الدين وأمناء الرسل المبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم…
ذلك المسلسل المشؤوم الذي يتضح يوما بعد يوم، أن نظامنا القائم (لست ممن يتهمونه بالوقوف وراء هذه الأحداث رغم وجاهة الطرح الذي يقدمون) غيرُ معني إلا باستغلال تفاصيله في معاركه الصغيرة، معرضا عن النظر في عواقب التجاهل والتغاضي عن مثل هذه الحماقات الخطيرة.
قبل أقل من شهرين، قدّرتُ لرابطة علمائنا الموقرة هجومها "الشجاع" على أحد الساسة المعارضين حين صرح بما قد يفهم على أنه تعريض ببعض الفقهاء دون أن يذكر أسماء، واليوم أكتب مهنئا لها بمناسبة تجاهلها الاعتداء الجسدي الآثم على مفخرة البلاد العلمية وعنوانها الموسوعي في الداخل والخارج!
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو"