جدول المحتويات
خرج الجيش الفرنسي من هذه الحرب الطاحنة محطماً ومفلولا، فاستنجدت فرنسا الإمبريالية – الواقعة تحت الاحتلال – بمستعمراتها في إفريقيا واستطاعت بعمل دؤوب تجنيد نصف مليون مقاتل من موريتانيا ومالي والسنغال والجزائر والمغرب وتونس والنيجر وتشاد وساحل العاج وبينين وبوركينا فاسو والكاميرون والكونغو والغابون وتوغو.
في موريتانيا كان المسؤولون الفرنسيون يطوفون بين القبائل تتبعهم التراجمة (آمّاليز) يتلمسون المساعدة في تحرير عاصمة الأنوار من قبضة هتلر، ومما يحكى أن أحد العسكريين الفرنسيين زار شيخ قبيلة يعرف عنها اشتغالها بالعلم وأنها غير ذات شوكة وعرض عليه الأمر.
كان طلب الفرنسيين غريبا على الزعيم القبلي؛ فقد طلبوا منه أن يرسل شباب قبيلته للموت دفاعا عن "فرنسا العظيمة"، ضحك الزعيم وقال: "والله بعدْ يفرنسا أللّ اندَعْكتْ للّي ادّور النجدة فينَ احْنَ"، فطلب الفرنسي من ترجمانه ترجمة مقال الشيخ، فترجمه، فأظلمت الدنيا في عين المستعمر الذي خشي أن تهتزّ صورة بلاده المدحورة في حربها أكثر مما هو واقع، فقال للترجمان: أخبره أن فرنسا العظيمة لا تحتاج إلى مساعدة منه ولا من أحد، ثم انصرف المهزوم المكابر غاضباً لا يعقلُ ما يطأ.
لقد كان ذاك الزعيم القبَلي ذكيا في تهكمه وصادقا في الوقت نفسه؛ فلو لم تكن فرنسا "مدعوكة" لما لجأت إلى قبائل بدوية لا تجيد الحروب العصرية ولا يحسن أكثرها حربيّة من استخدام السلاح إلا أبسطه وأضعفه تأثيرا.
سردت القصة لأخلص إلى أن حال فرنسا في ذلك الموقف يشبه في جوهره المأزقيّ حال رجال الانقلاب في مصر اليوم وحلفهم العربي، فلو لم يكن هؤلاء ضعفاء أشد الضعف لما لجؤوا إلى النظام الموريتاني لمساعدتهم في التصدي للحصار السياسي الإفريقي الذي يخنق السلطات المنقلبة.
الفرق بين الرئيس وشيخ القبيلة الذي تهكم على فرنسا "المدعوكة" أن رئيسنا يعرض كل شيء في هذا البلد للتأجير والبيع، والدبلوماسية الوطنية هي آخر المنافع المؤجرة بعد أن بعثتها رئاسة بلادنا للاتحاد الإفريقي من غبار الكساد في مخازن وزارة الخارجية مقابل تمويلات من دول خليجية لمشاريع يخضع تنفيذها لمراقبة مرنة لا تكتشف سرقة ما يقل عن ثلثي التمويل!
على الفور بدأت دبلوماسيتنا المؤجرة تنشط في مهمتها؛ فطار وزير الخارجية – الذي بات ملحقا بالخارجية المصرية – إلى الانقلابيين في القاهرة لـ"يبشرهم" بأن رئيس الاتحاد الإفريقي يعدهم بعودة سريعة إلى الأسرة الإفريقية، لكن هذا الوزير لم يأمر نفسه ولم يأمره أحد بالتعريج مرة واحدة في إحدى سفراته التي تمولها دول خارجية على إفريقيا الوسطى حيث تقطعت السبل بالمئات من أفراد جاليتنا الذين خسروا أموالهم وكادوا يخسرون أرواحهم لولا عناية الله ولطفه وجهود بعض المواطنين الموريتانيين في دول مجاورة.
وكما تجاهلت سلطاتنا أولئك فإنها حتى اليوم ما زالت تتجاهل المواطنة الموريتانية أسماء بنت عبد السلام التي عذبتها ميليشيات المسيحيين في العاصمة بانغي وما زالت تحاصرها في فندق صغير لرجل أعمال مسلم..
إن مشكلة أسماء أنها لا تملك من المال ما يكفي لتأجير أحد!