جدول المحتويات
ما أصعب أن ترغمك دولتك على ممارسة مهنة الطب في تجاهل مطبق ودون أي إطار قانوني، وهي التي تريد أن تكون دولة للعدالة والقانون.
ما أمر ظلم ذوي القربى وما أشد مضاضته، عندما يتجاهلك الأقربون ويثني عليك الغرباء المستعمرون.
أيعقل أن يكون الفرنسيون في خمسينيات القرن الماضي: "1956" أكثر رقيا في التعامل، وأشد فهما للواقع المعيش، وأكثر تفهما وعلما ــ بما للطب التقليدي الموريتاني من أهمية في حياة المواطنين ــ من أبناء موريتانيا ما بعد الاستقلال عن فرنسا سنة 1960 م، حتى لا أقول من أبناء موريتانيا في العشرينية الأولى من القرن الواحد والعشرين.
وكيف يمكن لعاقل أن يتصور أن غزاة محتلين جاءوا لنهب خيرات هذا البلد ــ وهي إذ ذاك قبائل شتى وبدو رحل ــ قد فهموا أهمية هذا الطب ومكانته، فأعطوا رخصا لبعض الممارسين للطب التقليدي، وإن كان بشكل محدود، عرفانا منهم بالجميل وثناء منهم على الدور الذي يلعبه أولئك في حفظ الصحة وعلاج الأمراض، الشيء الذي عجز عنه مؤسسو هذه الدولة، حيث لم يهتموا بالطب التقليدي الموريتاني، لا دعما له ولا اعترافا له بالجميل، ولا حتى إقصاءه من المنظومة الصحية الوطنية، شيء عجيب، وأمر يدعو للاستغراب.
هذه وثائق تنشر لأول مرة عن رخص واعترافات بالجميل لأحد أبناء أسرة أهل أوفى ألا وهو محمد شيخنا ولد محمذن فال ولد أوفي رحمه الله ــ وهو جدي لأم ــ تفيد هذه الوثائق أن الفرنسيين أعطوا رخصة للوالد محمد شيخنا بمزاولة مهنة الطب التقليدي وزكوا العمل الذي يقوم به من إنقاذ للأرواح البشرية ودعما للصحة العمومية في هذه الربوع مع التوصية لكل العاملين في قطاع الصحة العمومية التابع لهم في كل من المستعمرتين موريتانيا والسنغال بتذليل الصعاب والدعم والمساعدة: "انظر الوثيقة 1، 2، 3".



وبعد حصول موريتانيا على استقلالها ظل التهميش والإقصاء هما السمة الغالبة على تعامل الدولة الموريتانية مع الطب التقليدي، حتى تلقت الحكومة الموريتانية طلبا من إحدى دول الخليج، تود من خلاله المعونة بابتعاث الوالد عبد الله ولد أوفى ــ رحمه الله ــ والاستعانة بخدماته في إطار مهمة استشفائية رسمية لعلاج شخصية أميرية هناك، وهو ما تم بالفعل حيث أعطيت له رخصة مرور دبلوماسية تحمل رقم: 102 لسنة 1979 م "انظر الوثيقة 4".
إلا أنه وبعد عودة المرحوم عبد الله من المهمة الناجحة التي تلقى خلالها عروضا بالبقاء هنالك مع عروض مغرية ينهار أمامها أعتى المتصوفة الزهاد، لم يحصل المرحوم من الدولة الموريتانية على أي مقابل حتى ولو كان الاعتراف بالجميل وإصدار مرسوم ينظم الطب التقليدي ويعترف به كركن مهم من أركان الطب في موريتانيا، وإنشاء إدارة خاصة به في وزارة الصحة الوطنية.
وظلت سياسة التهميش والإقصاء، بل وحتى المضايقة هي السمة الغالبة على العلاقة بين ممارسي الطب التقليدي والحكومة الموريتانية ممثلة في وزارة الصحة، حتى جاء مقرر وزارة الصحة رقم: 1427 الصادر بتاريخ: 1 يوليو 2012 والذي قرر دمج الطب التقليدي الموريتاني في المنظومة الصحية للبلد، حيث تنص المادة الأولى من المقرر الوزاري على ما يلي: "ينشأ بمديرية مكافحة الأمراض بوزارة الصحة برنامج يدعى البرنامج الوطني للطب التقليدي، يتمثل هدف هذا البرنامج في تحسين الحالة الصحية للمواطنين بواسطة الولوج إلى التكفل الإجمالي عبر التعاون الوثيق بين الطب العصري والطب التقليدي".
ويأتي هذا المقرر حسب ما قال وزير الصحة آنذاك "با حسينو حمادي" بناء على توجيهات سامية وخاصة من رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز، إلا أن ذلك المقرر ما يزال حبرا على ورق ولم يتم تفعيله حتى الآن، فمتى يعي رئيس الجمهورية وحكومة الوزير الأول ووزير الصحة أن هذا التجاهل لم يعد يحتمل، وأن تفعيل هذا المقرر أصبح أمرا ملحا وضرورة لا غنى عنها لإعادة الاعتبار للطب التقليدي والاستفادة منه في إيجاد الحلول الشافية للكم الكبير من المشاكل الصحية التي أصبحت تطرح نفسها اليوم بإلحاح على القائمين على الصحة العمومية والوطنية والدولية.
