تخطى الى المحتوى

داء السياسة القبلية ينخر جسم الدولة

جدول المحتويات

و لقد أثبتت كل المراحل السياسية التي مرت بالبلد الموريتاني أن السياسة القبلية أكبر داء شل البلد منذ عهد السيبة التي ساد فيها القتل و النهب و الفوضى بدوافع قبلية بحتة و تحت يافطة الدفاع عن الحمى و الشرف القبلي ضد الطامعين من القبائل الأخرى الشيء الذي أدركه المكتشفون الأوروبيون مبكرا و مهد فيما بعد للاحتلال الفرنسي المباشر.

بحيث قرأ المستعمر أن مفهوم الوطن فكرة غائبة عن أذهان الموريتانيين و لا شيء يحركهم سوى العصبية القبلية فكل شيء في سبيل تعزيزها يهون على زعمائها و مشايخها لذا تم التعاقد بين المستعمر و تلك المشايخ على ما يرضي الطرفين إبقاء السيادة الرمزية بيدهم وترك الحبل على القارب للمستعمر يفعل ما شاء ضمانا لمبدإ فرق تسد و الحول دون تلك الزعامات – المجزأة أصلا – و التوحد ضده حتى يسد كل نوافذ الاحتمالات في وجه مقاومته  .

 

حيث ورثت كل الأنظمة المتعاقبة على البلاد منذ الاستقلال إلى حد الآن تلك السياسة الاستعمارية اتجاه وجهاء القبيلة و العزف دائما على أوتار العصبية القبلية الحساسة لضمان الانفراد بالسلطة و إبعاد المنافسين الطامعين فيها معتمدين على الخلفيات و تاريخ الصراع الطويل داخل المجتمع و التنافس القبلي المتأصل في النفوس و المتجذر بين الأجيال فلا ثقافة تعلو أو تربية تنجح على ثقافة الانتماء للقبيلة أولا فالوطن و حتى الدين يهونان حينما يكون الأمر يتعلق بالقبيلة و مكانتها ووجودها و امتدادها و نفوذها فأي مساس بتلك الثوابت و الحدوديعتبر إذانا بالحرب و سببا لجمع كافة القوى المشروعة و غير المشروعة داخل القبيلة  دفعا للمخاطر المحتملة و إظهارا للمكانة التي تليق بها بين القبائل المتربصة و الطامحة إلى الانقلاب عليها .

 

هذا ما كان سائدا باختصار شديد قبل الاستعمار و أثناء وجوده الفعلي و حتى ما بعده إلى أيامنا هذه و هو ما يعني بكل مرارة و أسف غياب الدولة كفكرة و كممارسة فلم تستطع الدولة أن تخلق ثقافة المواطنة أو أن تتحول كبديل عن الانتماء القبلي بل تحولت أحيانا مؤسساتها إلى حاضنات قبلية لا يستفيد من خدماتها أو وظائفها سوى المنتمين إلى قبيلة من يرأسها و عجزت الدولة في أحايين أخرى عن توفير الحماية أو تحقيق الإنصاف لمواطنيها .

 

حيث يتم اللجوء في هذه الحالة  إلى القبيلة و تحريك عاطفتها الجياشة و عصبيتها الهائجة لتحقيق الحماية  و المواساة لمن ينتمي إليها لأن الدولة بكل بساطة تقاصرت عن دورها وواجبها في تحقيق الحماية وأنصاف المظلومين كما أخفقت في و توزيع الثروة و الوظائف بعدالة و شفافية و ظلت أسيرة بل و مختطفة من طرف أنظمة متعاقبة مستنسخ بعضها من بعض لا تؤمن بوطن  يتسع للجميع بل عملت تلك الأنظمة على جعله رهينا بيدها و هبة تسخره لمن تشاء و تحرم منه من تشاء في صراع وجودي مع من يقول لا في وجهها .

 

و تبنت الانتخاب الديمقراطي كوسيلة للوصول إلى السلطة التي لم تخرج منها أصلا لأن الطريق إلى تأمين بقاءها وحفاظها بالسلطة يتم حتما بالخضوع لإرادة القبيلة و جعل معيار قبول هذه الأخيرة كشريك سياسي بمدى ولاءها و انتظامها في صف السلطة الحاكمة لأن الدولة لا تعارض أعني الدولة المجسدة في ذات الحاكم .

 

مفهوم طالما اشتغلت كل الأنظمة بلا استثناء على جعله شعارها في كل مرحلة من مراحل حكمها لإبعاد الخصوم و إفراغ الساحة السياسية منهم فمبدآ الترغيب والترهيب استخدمتهما تلك الأنظمة استخداما في بعض الأحيان بشعا و انتقاميا و رهيبا و ظل وجهاء (سماسرة )كل قبيلة يدفعون بها في هذا الاتجاه لأنهم هم المستفيدون أولا و أخيرا من العقد المبرم بين القبيلة المتمثلة في سماسرتها و الدولة المتمثلة أيضا  في الحاكم حيث يضيع حق القبيلة و تصبح مبتاعة بمنصب  و يضيع حق الوطن

 

حيث يصبح مختزلا في سلطة الحاكم و التي تكون في  الغالب سلطة فاسدة ، شرعيتها مبنية على الإقصاء و سحق الآخر بدل التعايش الايجابي معه و إعطائه فرصة التناوب على السلطة . قي ظل هذا الواقع المتأزم ذو المطامع القبلية نشأت أحزاب ما يسمى بأحزاب الدولة بحيث كلما حدث انقلاب على السلطة كان أيضا انقلابا على الحزب الداعم والظهير و النصير للحاكم ووقعت الهجرة المعاكسة تجاه حزب الرئيس الجديد فتتغير المسميات ( الجمهوري ـ عادل ـ الاتحاد …. ) لكن الوجوه هي نفسها الوجوه و المؤسسون هم نفس الشخصيات التي أسست الأول و الثاني و القادم وتحت نفس الذرائع و المبررات لا فرق اللهم إلا في الزمان ومزاج من يسيطر على الحكم ’ فطريق كسب الناس و جعلها تنتسب للحزب الحاكم أو على الأصح المحكوم واحدة ،  تجنيد القبيلة وجعلها في استنفار دائم خوفا مما قد تتعرض له من تهديد و تهميش و تقزيم (فالدرجة لا تهان) فترفع درجة الاستنفار إلى أقصى حد في القبيلة و كأنها المستهدفة الوحيدة في ذلك الحيز الترابي و ينصب ميزان الأكثرية و الأقلية و تصبح ساحة الحزب الحاكم هي الأرضية المناسبة للتنافس و الصراع القبلي المستعر و يبقى معيار الانتماء للحزب القبيلة و تغيب المبادئ الحزبية النظرية.

 

و تصبح مجرد حبر على ورق لأن الطريق لاكتساح الساحة و الحصول على لقب الحزب الكبير ليست بالمبادئ و لا بالشعارات الحزبية و إنما باستخدام القبيلة كمحرك للعواطف و المشاعر و كأكبر محقق للنجاح السريع وكأفضل وسيلة  لدحر المعارضين الراغبين في السلطة . غير أن إعصــار السياسة القبلية هذا قد جرف إلى تياره أحزابــا تعتبــر مبدئيـــة ( تواصل – التحالف  – قوى التقدم …. )  فقد ركبت تلك الأحزاب موجة القبيلة و دخلت بين أطراف قبلية متنازعة و متصارعة لضمان الكسب الحزبي حتى ولو كان ذلك الكسب على حساب السلم الأهلي ووحدة المجموعات القبلية المتعايشة وعلى حساب المبادئ التي تشدقت بها كثيرا و تبجحت فمهما كانت المبررات و الحجج  فإن تلك الأحزاب قد استخدمت نفس ورقة التوت و ركبت نفس الموجة التي ركبتها أحزاب الأنظمة المتتالية على الحكم و بنفس الطريقة تقريبا حتى أصبح السؤال المطروح ما الفرق بين هذه و تلك ؟ الكل قد انحنى للقبيلة و قبل بشروطها و إملاءاتها وعن طريق هذه الأحزاب قامت القبيلة بدورها بتصفية الحسابات مع الخصوم و تحقيق مصالحها الضيقة وقامت أيضا بالتمدد والطغيان على من يعارضها في الاتجاه المقابل و لم يحدث التغيير المنشود و بقيت القبيلة هي الثابت في السياسة في حين ظلت الأحزاب هي المتغيرة و المتحولة باستمرار .

صراع مؤلم في السياسة القبلية لا ينجو منه صالح و لا طالح كما يقال و من يدفع الثمن في الأخير هو الوطن و القبيلة معا الكل يخدع الكل و المتضرر بلا شك هو الشعب و مكوناته القبلية و العرقية لان السياسة القائمة الآن كيفت مع الصراع فهو سر ديمومتها و سر النجاحات فيها و هو الواقع المر الذي نعيش فيه و نعيش اكراهاته و لا نجد في الأفق القريب ما  يهدأ  من روعنا حتى نأمل في قادم  يلخصنا من نفقه المظلم و مع ذلك مازالت الدولة قائمة شكلا أما مضمونها فقد دخلت عليه الزحافات والعلل منذ فترات طويلة من التسيير الأعرج .  

 

الخليفه محمد الجلاد

الأحد 02 /02 /2014

الأحدث