تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

قال هذا الديبلوماسي كلاما واضحا أورده هنا بمضمونه الحرفي تقريبا:

 

"لدي أصدقاء من رجال الأعمال كان يفكرون في الاسثمار في موريتانيا، ومنهم من سافر إلى هناك لاستكشاف السوق، وطبعا بلدكم واعد، وبه كل الفرص سواء في قطاعات الصناعات الحفيفة أو الاسثمارات الزاعية والحيوانية، وحتى النفطية، فضلا عن البحرية، ولكن هناك ثلاثة عوامل تمنع أي مستثمر من المجازفة بأمواله في بلدكم، فرأس المال كما يقولون جبان، وهذه العوامل هي بإيجاز:

 

الاضطراب السياسي: فبلدكم على الرغم من ديمقراطيته الناشئة، ما زال مضطربا، والتدخل العسكري في الشأن السياسي، يحول دون ترسيخ الطمأنينة الاقتصادية، خاصة أن العسكريين عندكم لا يتمتعون ببعد نظر سياسي، ولا يبنون على ما سبقهم، ولا أدل ذلك من فشل مشروع الاستثمار القطري في الحديد بعد الانقلاب الأخير، وهو واحد من أضخم المشاريع العربية بل والعالمية.

النقطة الثانية، هي انعدام البنية التحية، فبلدكم ما زال يعاني من انعدام فظيع في أهم البنى التحية (الطرق والمواصلات، والكهرباء والماء) فلو أن مستثمرا افتتح شركة لتصدير اللحوم أو الألبان من الشرق، كم يلزمه من المعدات والوقت ليوصل منتوجه إلى السوق العالمية بسعر منافس؟

النقطة الثالثة وهي الأهم؛ عدم نزاهة القضاء، فالمستثمر لا يمكن أن يجازف بأمواله في بلد لا يضمن فيه نزاهة القضاء، ويمكن أن يخسر كل أمواله بسبب ضعف ضمير قاض أمام تجاذبات سياسية أو اجتماعية محلية.

 

تذكرت تلك المحادثة وأنا أتابع عن بعد منتدى الاستثمار الخليجي المنعقد في نواكشوط، والذي يحاول من خلاله النظام الموريتاني تسويق فكرتين:

 

الأولى أنه استطاع أن يعقد المؤتمر بهذا الحضور الرسمي والمالي المعتبر، وهذا يضفي مصداقية على ديبلوماسية النظام التي طالما وصفت بالفشل، خاصة في التعامل مع الدول الخليجية، بعد ارتكاب خطئية العلاقات الديبلوماسية والسياسية مع إيران.

 

والثانية: أنه استطاع جلب تمويلات معتبرة لمشاريع تخدم حياة الناس وواقعهم، وتمويلها بشروط أقل إجحافا من القروض الصادرة عن مؤسسات غربية، وليست ذات تبعات ثقافية أو ثمن سياسي.

 

ولكن الحقيقة أن هاتين النقطتين تحتاجان لقليل من التأمل، فتوقيت اعلان انعقاد المؤتمر بعد تأجيله، لا يمكن أخذه ببراءة، فهو يأتي قبيل أشهر قليلة من انتخابات رئاسية يخوضها النظام وهو محمل بفشل حقبة لم يستطع فيها تجاوز عقلية العسكري الباحث عن الثراء على حساب المواطن، والبرنامج الذي تعهد به رئيسه قبل انتخابه به الكثير من النواقص، ولم ينفذ على أرض الواقع.

 

وثانيا انها ليست المرة الأولى التي يجمع في النظام أرقاما فلكية عن استثمارات لا يصل إلى المواطن منها إلا ما يشاهده في التلفزيون أو يسمعه من أنباء المصادقة على الاتفاقيات.

 

وفي هذا العالم المفتوح، لم يعد ستر العيوب ممكنا، فأي مستثمر قبل أن يلج سوقا جديدة سيستطلع أخبارها، ويبحث عن من سبق له أن خاض التجربة، والبحث عن تلك الأخبار لا يبشر بخير، فنظام لا يضع اعتبارا للدستور الذي هو أبو القوانين، وأهمها لن يأمنه مستثمر على أمواله.

 

وبلد ما زال القضاء فيه يأتمر بأوامر السلطة التنفيذية لن يضحي مستثمر برمي مشاريعه في قاعه.

 

صحيح أن الدول الخليجية تبحث عن فرص استثمار أقل تكلفة وأكثر جدوائية، ولن  تشكل المبالغ التي يحلم بها نظام عسكري افريقي مصدر قلق لها حتى ولو خسرتها، لكنها لم تعد جاهلة بما يدور في أروقة الحكم الموريتاني من فساد، ولا يتخفي عليها احتكار رأس النظام لكل السوق في كل مجالاته، وتعلم أن نجاح مشاريعها مرتبط بمزاج عسكري لا يفهم إلا لغة المكافات الشخصية، وأن أي مشروع كي يكتب له النجاح سيرصد جزء من مزانيته لرئيس النظام، حتى يحظى بالقبول والاستمرارية.

 

ولا يكون شفافا من يسوق تلك المشاريع الموقعة أوراقها بين المستثمرين الأجانب والنظام على أنها مشاريع يمكن أن تخرج المواطن من أزمته الاقتصادية والاجتماعية.. فلن تكون أكثر مما سبق أن حصل عليه النظام من اجتماع باريس.

 

وأهل السوق مثل أهل التامورت… وليس فيهم "حراق أقوم".


 

الأحدث