جدول المحتويات
الإتحاد الإفريقي هو منظمة دولية تتألف من 52 دولة إفريقية , وتأسس هذا الإتحاد في 9 يوليو 2002 على أنقاض "منظمة الوحدة الإفريقية" وأشياء أخرى, ويقع مقره في أديس أبابا عاصمة أثيوبيا , ويملك رصيد لا بأس به من "المفارقات" وعمر من "التناقضات" تعجز عنه الأسطورة.
فمن الغريب أن فكرة إنشاء "الإتحاد الإفريقي" ولدت في منتصف التسعينات , تحت قيادة زعيم ليبيا السابق "معمر القذافي" الذي قام بدعوة رؤساء الدول "الإفريقية" لينتج عن تلك الدعوة "إعلان سرت" وهو البداية الفعليه للإتحاد , ليقتل هو بعد ذلك في ذات المدينة – "سرت"- معلناً بذلك عن "إعلان" آخر ترزح تحته "ليبيا" بين مشروع أن تبقى "موحده" أم تتحول ربما إلى "إتحاد" فدراليات , يتصادف ذلك كله مع مقارنة موجعه تدعى "إعلان ماسترخت" في التسعينات الذي نتج عنه "الإتحاد الأوروبي" , تلك التي يحدث أنها مدينة "هولندية" .. "هولندا" تلك التي تجيء وحدها في المركز "السادس عشر" عالمياً من حيث حجم الإقتصاد , بينما يجيء "الإتحاد الإفريقي" مجتمعاً في المركز "السابع عشر" .. ذلك "الإتحاد الإفريقي" الذي تغيب عنه "جمهورية مصر العربية" لأول مرة في تاريخها بعد الإنقلاب الأخير بداعي "تعليق العضوية", وترأسه "موريتانيا" التي علقت عضويتها "مرتين" قبل أن يجب "إعلان دكار" – إتفاقية دكار- كل ما قبله , دكار ذات المدينة التي تستضيف تمثال "النهضة الأفريقية" , لأن الأمم ربما تبني التماثيل العظيمة للأمور التي تفتقدها أكثر.
وحتى لا يتحول الزهو عاراً , و"الإعتزاز" خجلاً ,صار واجباً أن يدرك صانع "القرار السياسي" الموريتاني حقيقة أن ما حققه من رمزية سياسية موفقه , لابد أن يترافق مستقبلاً مع إعلان واضح عن موقف موريتانيا إتجاه مجمل القضايا الأفريقية الملحه , فتقاليد "النأي بالنفس" لم تعد وارده في هذه الفترة , ودفن الرأس في التراب كما جرت العاده لن يكون بعد اليوم مقبولاً , فما الذي قد يعلنه صراحة السيد "وزير الخارجية" إذا ما طرح عليه مستقبلاً في مؤتمر صاحفي ما , سؤالاً حول ماهية الموقف الموريتاني من الوضع السياسي القائم في "مصر" , هل الموقف الموريتاني متوافق مع موقف "الإتحاد الإفريقي" في هذا الشأن مثلاً , أم أن "موريتانيا" في موقفها الشخصي براغماتيه في هذا الخصوص وتضغط في الإتجاه المعاكس من أجل تمهيد عودة "مصر", وكيف يمكن لهذه الحكومة تحديداً أن تنتهج غير هذا المنحى , من باب أن من كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة , فكيف قد تجرم "انقلاباً" -الموقف الأفريقي- أنت تدرك أنك تملك معه تاريخ طويل من الإحراج , وكيف يمكن "لموريتانيا" أن تتعامل مع ضغوطات حلفاء النظام المصري الجديد وخاصة دول مثل السعودية تضغط من أجل الدفع بموريتانيا لتسلك طابعاً دبلوماسياً يصب في مصلحة عودة "مصر" سياسياً إلى الإتحاد الأفريقي وترتيب الأجواء الملائمة لذلك , الأمر سيكون بالغ الإحراج للسياسة الخارجية لو أننا حولنا الموضوع إلى مكاسب سياسية داخلية واستقبالات كرنفاليه بدون أن تكون الحكومة مستعدة لتحمل أعباء مواقفها الخارجية مستقبلاً بما ينم عن حنكه سياسية متلازمه مع مواقف أخلاقية مشرفة , أنا لا أقول بأن التماهي مع النظام المصري الجديد بالغ الصعوبة , أو أن إتخاذ السعودية كحليف في هذا الشأن لن يأتي بمردود مقبول خصوصاً أن السعودية ترد الجميل السياسي على شكل جميل إقتصادي , موريتانيا في أمس الحاجة له دائماً , إلا أن ذلك الموقف يجب أن ندرك أنه عابر للقارات وله إرتداداته السياسية , خاصة أنه بالغ الإزعاج على سبيل المثال لدولة مثل "قطر" ليست على وافق مع النظام المصري الحالي وتملك ذراعاً إعلامية طويله تدعى "الجزيرة" تدرك أن إنتخابات موريتانيا الرئاسية القادمة والتي تخاطب مجتمع يبدو السلم الأهلي فيه هشاً شئنا أم أبينا , قابلة تلك الإنتخابات لتتحول من مسارها الديموقراطي إلى مئالات من الفوضى لا يعلم بها إلا الله إذا ما خلقت لها أجواء مناسبه.
هذا السياناريو ليس وهمياً , فلطالما كانت قرارات وتوجهات الإرادة السياسية لبلد ما مترجمة إلى واقع معين يتجسد على أرض الواقع , ومع هكذا رمزية لنتأكد بأننا سوف نحصل على أصدقاء جدد و أعداء جدد أبعد هذه المرة من موقعنا الإقليمي الذي تعودناه , والمواتي فقط هو ما تملكه سياستنا الخارجية من حذر وجرأة وميزان حساس لما سوف نربحه مع ما سوف نخسره.
الأمر هنا لم يتعدى تفصيلاً واحداً على الرغم من أنه الأكثر تعقيداً حسب وجهة نظري , فهناك كذلك متفرقات عديده تعاني منها القارة الأفريقية منها ملفات سياسية ملحه من مثل قضية " أفريقيا الوسطى" و أزمة "جنوب السودان" والواقعي أنها تصلح جميعاً لممارسة "الميكافيلية" السياسية , من أجل تحقيق رصيد دبلوماسي مميز يبقي موريتانيا في الذاكرة , ويؤهلها مستقبلاً للعب أدوار أكثر قوة في القارة الأفريقية.
ناهيك عن ملفات إقتصادية ملحة هي الأخرى , ولكن من المقبول عرفاً أن تنتقل من قمة إلى بأخرى بالتالي لا أعتقد بأن صانع القرار الموريتاني مهتم بهذا الشأن , كما أن القارة لا تعول بالتأكيد علينا في هذا الخصوص.
أعتقد كذلك بأننا في حال كانت الذائقة السياسية داخلياً سليمة سنكون في انتظار "حوار" جديد بين مجمل الفرقاء السياسيين تدفع باتجاهه الحكومة لسببين , أحدهم وجوب ترتيب البيت الداخلي قبل الإنتخابات الرئاسية من أجل رفع العتب الدولي على الأقل , أما السبب الآخر فيدخل في خانة ما يترتب على رئاسة الإتحاد الإفريقي وتفادي حرج أن تحتاج موريتانيا مستقبلاً لوسيط أفريقي لرأب الصدع بين المولاة والمعارضة , وهي التي من المفروض أن تمثل سياسياً عامل الأمان ومن واجبها "القيادي" أن تمتلك دبلوماسية فذه متصالحه مع ذاتها , قبل أن تطلب من الآخرين إعادة حساباتهم.
نحن إذاً على مفترق طرق تاريخي , إما أن نقدر متطلبات ما حصلنا عليه بواقعية , ونتعامل معه بحجم هائل من الجدية , يتمثل في إدارة دبلوماسية مبادرة , وخارجية قادرة على تجسيد هذه الإرادة , وإما أن نتحول إلى مسخ دولي , ونترك الإتحاد الإفريقي ليدير نفسه بنفسه , بدل أن نتخذ نحن المبادرة , أن نحتمل كل السخرية الدبلوماسية , ونكون الأضعف في قارة الضعفاء.
أحمد ولد الداه