تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

إلا أنني فوجئت بأن أغلبية المتفاعلين مع المنشور كانوا من غير الحراطين. تلقيت أفكارا قيمة عن مفهوم الهوية ومحاولات التعريف بالحرطاني. مع أن أمنيتي كانت الظفر بكم معتبر من التعريفات الذاتية. و قد خرجت من المنشور بالملاحظات التالية في موضوع الهوية عموما و الهوية الحرطانية خصوصا.


–  وجود خلط مفاهيمي عام ينبني على المفهوم الأحادي الضيق للهوية، و الذي يجعل منها مفهوما انعزاليا، اختزاليا مما قد يفسر بعضا مما نعيشه من التنافر الاجتماعي، و العجز عن تحقيق وحدة وطنية حقيقية قائمة على أرضية صلبة قوامها التفاهم و التسامح. في حين أن كل هوية تكاد تكون ستارا و غطاءا لمجموعة من الهويات، و التي ليست بالضرورة متناقضة. بدءا بذلك الانقسام الحضاري-الديني للبشرية الذي بنى عليه صموئيل هنتنغتون نظرية "صراع الحضارات،" التي واجهت انتقادات عديدة، و كانت معنية أكثر بصراع الأديان، خاصة المسيحي-الإسلامي، و انتهاءا بالهوية الفردية، و التي تتخذ أبعادا عدة، بما في ذلك البعد المهني للفرد.


–  عزوف الحرطاني عن التعريف بذاته، و الذي أتمنى أن يكون مرده الموقف الشائع المعادي لكل تساؤل يتعلق بالانتماء الفردي أو الجماعي؛ و ليس نتيجة اللايقينية و الشكية التي يتسم بها الوجود الحرطاني عموما، مما يعكس حالة من التشظي الذاتي و الاغتراب الداخلي.

الهوية، ابتداءا، ليست، في معظم تجلياتها، قدرا محتوما لا مفر منه. إنما هي نتيجة كل من "التفكير و الاختيار" كما يقول أمارتيا صن. علما أن هذا التفكير والاختيار محكوم بحدود الممكن جغرافيا و المتاح تاريخيا. فليس منطقيا، مثلا، إدعاء الانتماء البرازيلي أو الصيني أو الهندوسي لشخص موريتاني لا يعرف عن هذه الانتماءات إلا مسمياتها. إذ الوجود الانساني منغرس في الأرض، ممتد في الزمن. و هذه النسبية الزمكانية هي من أكثر ما يحدد انتماءاتنا.

 

فالهوية إذا مفهوم متغير، متبدل تبعا للصيرورة التاريخية للمجتمعات الإنسانية. إلا أن ذلك لا يمنع من وجود بعض الجوانب الثابتة المحددة لهوية معينة، على الأقل بالنسبة إلى اللحظة قيد التحديد؛ فهويتنا الوطنية، مثلا، محدودة جغرافيا، دينيا، و تدور في فلك عربي-إفريقي. و تحت هذا الغطاء الوطني الشامل و الجامع نمتاز، أفرادا و جماعات، إلى مجموعة من الهويات المتعددة. فكيف تتجلى الهوية الحرطانية، الفردية و الجماعية، داخل هذا النسيج الاجتماعي؟

للإجابة على هذا السؤال يجب الإقرار، أولا، أن الإنتماء العربي الإفريقي جزء أصيل من هذه الهوية بحكم اللغة و الثقافة و الأصل الجغرافي . ثانيا، من المفيد الاستعانة بمفهومي "السياق الاجتماعي" و "الأهمية النسبية للهويات" لأمارتيا صن لتتبع تجليات التعبير الفردي و الجماعي عن الذات. تبعا لهذين المفهومين، يتم التعبير عن الانتماء، الذي هو عملية فكرية-اختيارية، تبعا للسياق الاجتماعي، حيث تكون إحدى تجليات الهوية أقدر على التعبير عن الذات من غيرها؛ أي أن السياق الاجتماعي يفرض الاستناد إلى هوية معينة تمثل الأهمية النسبية لذلك السياق.

 

فالحرطاني، الموريتاني، المسلم، العربي، الإفريقي، الشاعر، التاجر، المهندس

المدني، المناصر لقضية الأقصى، ستكون هويته الإسلامية هي الأكثر تعبيرا عنه لو قُدِّر له أن كان مدعوا لحضور إحدى قمم المؤتمر الإسلامي المنظمة في بلد كإندنوسيا نصرة للأقصى الشريف. في حين أن الانتماء العربي سيكون هو الأهم لو كان من ضمن المشاركين في مسابقة أمير الشعراء، أو إحدى قمم الجامعة العربية أو المغرب العربي، أما انتماؤه الإفريقي أو المهني فهو في هذه الحالات يكاد يكون بلا معنى، أو بشكل أدق ثانوي.

 

و لكن ماذا لو كان هذا الشخص تاجرا في بلد كالسنغال أو غامبيا، أو عضوا في نقابة للمهندسين المدنيين، ألن يطغى انتماؤه الإفريقي و المهني على بقية انتماءاته في هذه الحالات؟ الفكرة الجوهرية في هذا الموضوع أن هذه الانتماءات التي قد تبدو متناقضة، هي في الحقيقة، وجوه متعددة لهوية أحادية، هي الهوية الحرطانية. حيث أن النظرة الاختزالية للذات تجعلها جزيرة منعزلة، و تئد ثراءها الإنساني. ما معنى ألا يرى شخص يدرس في إحدى دول المشرق العربي، سوريا أو الأردن مثلا، في ذاته غير بعده الإفريقي؟ في حين أن لغته و عاداته عربية، بل حتى بنيته النفسية و طريقة تفكيره تستند إلى العقل و المخيال العربي. 

أخيرا، من المهم أن نتساءل عن علاقة هذه الهوية بالهوية البيظانية؟ لفهم هذه العلاقة من المهم الإقرار بصعوبة الفصل تاريخيا بين الحراطين و البيظان. حيث يوجد تماثل شديد بين المجموعتين بحكم التاريخ المشترك. إذا استثنينا الاختلاف العرقي إجمالا و التمايز الثقافي الضيق، فإنه من الصعب الفصل بينهما. مما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان الاختلاف العرقي كافيا لتلمس ملامح هوية حرطانية مستقلة عن الهوية البيظانية، أم أنه يمكن الجمع بين الهويتين من دون أي تناقض؟ 

الإجابة على هذا السؤال، حسب اعتقادي، مَنُوطة بمسألتين:
–  قدرة مجتمع البيظان على التخلي عن الإطار العرقي لهويتهم، و تقديمها كهوية ثقافية، إثنية يجد فيها الحراطين ذواتهم. حيث أن الوضع الحالي يجعل من الهوية البيظانية أقرب للعرقية بحكم المرجعية القبلية القائمة على رابطة الدم، و ضعف الهوية الوطنية في مقابل الانتماء القبلي و العشائري. و قد نتج عن هذا التداخل الهوياتي البيظاني-الوطني عدم تمايز بين ما هو وطني و ما هو قبلي. ذلك التمايز الضروري لخلق هوية وطنية قادرة على المحافظة على الانتماء البيظاني للحراطين. حيث يصبح هذا الانتماء انتماءا لإثنية جامعة، بمعنى أنه قائم على الاشتراك الثقافي و اللغوي. 


– الواقع الحالي يفرض على الحراطين الاختيار بين انتماء أحادي، عرقي، منغلق على نفسه، و هو الانتماء الحرطاني. و هو انتماء يجد له مبررات اجتماعية موضوعية، من إحساس بالغبن و التهميش و الاستغلال الهوياتي، إلا أنه يحمل خطر تذكية النعرات العرقية، و الانجرار وراء العنف تعبيرا عن رفض الواقع.

 

 في حين أن الخيار الثاني، الجمع بين الهويتين، الحرطانية و البيظانية، قد يُثْرِي البعد الإنساني في شخصية الحرطاني، و يصبغه بهوية أكثر انفتاحا و ديناميكية. و أكبر تحد يواجهه هذا الخيار، الذي هو الأبقى للوطن، عدم وجود مظلة من الانتماء الوطني القوي، القائم على فضيلة تمايز الدولة عن القبيلة و الروابط التقليدية؛ مما يجعل هذا الخيار أكثر معقولية و تقبلا من قبل الحراطين.

 

الأحدث