تخطى الى المحتوى

مأساة تازيازت بل مشكلة الوطن!!!

جدول المحتويات

 

لا يتخيل عاقل مهما اتسع باعه أو توسع خياله أن يكون هذا مصير  تلك الكفاءات النادرة و تلك السواعد المشمرة الجادة التي كان لها الفضل في نقل تازيازت من صحراء قاحلة لا ماء بها و لا مرعى لا يسكنها إلا جذوع من السرح وشيء من القتاد و قلة من العشار المعطلة إلى منطقة آهلة بالناس و الأرزاق سالكة الطريق بادية المعالم قبلة لمبتغي المال و التحصيل  في بضع سنين، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازينت و ظن أهلها في أنفسهم القدرة قام مترفوها وقد انتفخت بطونهم من الصفقات المشبوهة و نما لحمهم من العمولات الدسمة و على عيونهم غشاوة من الجشع والانتهازية،  فعمدوا إلى الحلق الأضعف المتمثلة في الموريتانيين ففصلوها من سلسلة المعادلة و تنادوا مصبحين أن لا يدخلنها عليهم مسكين و غدوا على حرد قادرين قبل أن يستنجد المساكين بسلطتهم الباسلة و حكومتهم الرشيدة فيلقوا أعينا عميا و آذانا صما و قلوبا غلفا و تتحطم آمالهم على صخرة تغول المستثمر و جبروت الحكومة المسؤولة أصلا عن إلزامه بتطبيق القوانين و النصوص، فتولى الأول طردهم و تولت الأخيرة ضربهم و جرحهم  و اعتقالهم دون وجه حق في غارة باسلة أبرمت بليل مقمر، و تمت بنجاح في فجر الجمعة العظيم و الطير لما تغادر وكناتها بعد حيث يغتدي الناس إلى أعمال البر و الخير.

  

لن تدفعني العاطفة و إن جاشت ولا الحماسة و إن جمحت إلى مزيد من التفجع و الحسرة على هذه الفعلة الشنيعة الجديرة بالشجب و التنديد و الإنكار  لا سيما و أن لا حياة لمن تنادي فهو  إما مستثمر أعجمي أصم لا يفهم إلا إشارة المال و الربح و الأعمال، أو حكومة لم تنهض بعد من إغماء الحملات الانتخابية و سكرتها موكلة أبناءها إلى بعيد يتجهمهم فيستخدمهم لمصلحته ردحا من الزمن ثم يلفظهم متى شاء و كيف شاء.

 

فعلة منكرة بكل المقاييس فبدل أن تنظم هذه الشركة الظالمة حفلا تكريميا رمزيا لهؤلاء تودعهم خلاله و تشكرهم وتهنؤهم و تعترف لهم فيه بالجميل بشكل يحفظ ماء وجوههم و كرامتهم و يعطيهم الثقة في ذواتهم ثم لا يذر أي حقد أو ضغن في نفوسهم تجاه الشركة حتى و إن غادروها، فتتاح لهم فرصة توديع زملاء المهنة و أسياد العمل دون أن يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضي و يسلموا تسليما.

 

نعم، ربما كان الأجدر فعل ذلك بدلا من تخويف مدنيين عزل عراة الصدور و ترهيبهم برجال الأمن و الحرس لا يرى منهم إلا الحدق تحت الحلق كما لو تعلق الأمر بمجرمين جبارين يتطلب إخراجهم من حرم الشركة حرسا شديدا وجنودا و عدة و عتادا، لا أن يهان هؤلاء فوق أديم أرضهم الطاهر  و يعاملوا كما تعامل غرائب الإبل حلت أرضا غير الأرض فلا الأهل أهل و لا الجيران  جيران لهم، و قد كانوا يظنون من قبل أنهم أعزة في أرضهم ينعمون فوقها ببركات ما اكتنزت في بطنها من معادن نفيسة، آمنين في جناب حكومتهم الأمينة التي ترعى مصالحهم، أو هكذا يفترض، لكن تبين أن بعض ظنهم أو جله إنما هو وهم طوباوي يبعد عن الواقع سنين ضوئية و قرونا سمعية.

 

لا أنكر هنا أن الضحية الأولى و المتضرر المباشر هم المواطنون و أسرهم وعيالهم و أفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء و لا شجر، لكني أتصور رغم ذلك أن الدولة هي صاحبة المأساة الحقيقية بحكم مسؤوليتها بالدرجة الأولى عن حماية مواطنيها و رعاية مصالحهم على الأقل في حدود حقوقهم المشروعة التي اتفقت عليها دساتير الأرض و لم ينكرها حتى من اخترقها في رابعة النهار، من مستثمر انحاز  لربحه أضعافا مضاعفة و تجاهل كل النظم و القوانين المنظمة مع من أعانه من بني جلدتنا و وطننا الذين كانوا على ما يبدو آلة بل لعبة على الأصح في يده يدير  بها البوصلة لصالحه مستعينا بهم على مواطنيهم و إخوانهم مسترشدا بالمثل الفرنسي أن الأشجار لا تقطع إلا بالفأس المقطوع ذراعها  من الشجر أصلا فالأشجار لا تقطع و لا تقهر إلا بأخواتها تماما كما أن المواطن لا يقهر إلا بأخيه أرضا و نسبا من باب استعينوا على كل أرض بأهلها، و إلا لما استطاع إلى هذا الأمر سبيلا بهذه السهولة و تلك السرعة، وتناسى هؤلاء أو لم يعقلوا مقولة الثور الحكيم ولات حين مناص "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" و تلك الأيام نداولها بين الناس بما فيهم هؤلاء و أولئك.

 

بلغني و أنا أجمع هذه السطور المتنافرة و المتناثرة أن أحد هؤلاء أو كبيرهم قد عزل كما عزل بقلمه أو تعاونه كما يروى أولئك المساكين بل إن عزله كان أشد وطئا و أكثر قيلا، و هنا لا شماتة فما هي من شيمة الشرفاء و لا هي بالخلق النبيل و لا من محاسن العادات و إن انطلقت سهام الليل فأصابت من أصابت في مقتل و ارجأت من أرجأت إلى حين وكما تدين تدان، فنحن نعلم أن الأمور بيد الله تعالى  يقلبها كيف شاء ثم إليه مرجعها ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون.

 

أجل نعتقد ذلك اعتقادا جازما لا يقبل الشك و ما تفيد الشماتة بل ما ترد من الحقوق المستلبة؟؟ غير أن بودنا أن لو عقل إخواننا قبل فوات الأوان و علموا أن من أعان ظالما سلط عليه و قد وقع فكان الأجدر بهم الانحياز للحق وبني وطنهم و يوقنوا أن الأجنبي إنما يروم ربحا فإن وجده أصابه و إلا انقلب إلى أهله و تركهم و أرضهم بسمها و موادها الكيماوية، و مواطنيهم سواء المفصولون منهم تعسفيا و المستقيلون اختيارا و المدفوعون إلى الاستقالة و من أقال أو أقيل أو استقال و من التزم الصمت و من نجا.

 

سيلتقي الجميع إن كتب لهم البقاء على مائدة الوطن الشاحب بعتو أبنائه بعد أن يخلف الأجنبي و يحزم أمتعته عائدا إلى أرضه تجمعهم الأزقة و الشوارع و المنتديات و البيوت على أديم الأرض الحنون و والله ما أدري حينئذ ما سيقول هؤلاء لأولئك أو أولئك لهؤلاء سؤالا و حجة و بيانا و خجلا و حرجا، أم أن الأمر سيرجؤ إلى يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد.

 

أعود إلى الدولة فأقول إن هذه القضية التي ستضاف إلى مخزون اللاشعور في الذاكرة الجمعية لوطننا ستزيد الأوضاع تعقيدا لا محالة و لو بعد حين و ستضاعف من التراكمات التي تفضي لا قدر الله إلى احتقان الشارع نحو حافة الانفجار كما ستشغل صفحة كبيرة على سجل القضايا الوطنية العالقة في فصل البطالة العريض ما لم تجد إرادة جدية للحل تتسم بالوطنية و النزاهة و الإخلاص، ثم إن هذا الكم البشري الذي أرسل دون أبسط الحقوق ومنهم كافل اليتيم و معيل الأرامل و مداوي المرضى و واصل الرحم و المحسن إلى الفقراء لا يمكن أن يمر " مر الرياضة" أبدا، كلا، بل إن أنات هؤلاء و دعوات أولئك ستلاحق لعنتها كل من شارك في فصلهم من قريب  أو من بعيد و لو بشطر كلمة أو جرة قلم أو استقبال رشوة أو ترويج فكرة مغرضة حتى تدخل عليهم بيوتهم و تخترق عليهم خلواتهم فتحول بينهم و بين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل.

 

و هنا – لكي أكون قواما لله شاهدا بالقسط و لكي لا يجرمني شنآن قوم على أن لا أعدل – لا يفوتني أن أشكر للدولة وأذكر لها هذه اللفتة الكريمة الحانية الأخيرة إذ شكلت لجنة محترمة تستحق التقدير لحل هذه القضية الوطنية وأن كل ما صدر عن هذه اللجنة حتى الآن يذكر فيشكر ، و أنها على ما يبدو تسير في الاتجاه الصحيح من أجل تسوية راضية في هذا السياق راجيا لها التوفيق و النجاح في مهمتها النبيلة و الوطنية بامتياز و الله ولي التوفيق.

الأحدث