على مدار الساعة

للإصلاح كلمة: من وحي جولتي في مقبرة لكصر (5)

26 أغسطس, 2023 - 17:13
الأستاذ محمدو بن البار

لقد بينت من قبل أن سبب كتابتي لوحي جولة المقبرة هو رؤيتي لحكومة تحت الأرض كاملة الأركان: تنفيذها، وتشريعها، وقضاؤها، وفوق الأرض مثلها حكومة طبق الأصل.

 

الأولى: لا نعرف عن مصيرها إلا ما جاء في القرآن الكريم من أن كل فرد منها صلح عمله يجعله الله في نعمة تنسيه مثلها في الدنيا، وفاسد العمل عكس ذلك، يتمنى الرجوع، ولا رجوع.

 

وهذا المصير متوقع كل يوم.. وعلى كل لا بد من حصوله.

 

أما حكومة الأحياء فنراها غارقة في دنياها وعينها لا تنظر إلى مصير حكومة مقبرة لكصر، بل إن عمل بعضها يوحي بعمله للبقاء ولا بقاء.

 

وبما أن كل إنسان أتقن ما أسند إليه من العمل يكون ذلك أرجي لمصيره الأخير، فإنى قصدت أن أبين لكل وزير أهم رعاية ما أسند إليه رجاء استجابته لإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم له: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته" إلى آخر الحديث.

 

ونظرا إلى أن وزير الداخلية هو الشخص الثاني بعد الرئيس الذي تعم رعايته جميع الوطن، وله سلطات إدارية وأمنية منتشرة في كل الوطن، وبذلك يكون أي تقصير في العمل في أي شبر من الوطن هو الأول المسؤول عنه من الله أولا، ثم من الرئيس والشعب.

 

وبما أن كل دولة تنظم أمرها على تقسيم العمل على موظفيها ولم يبق إلا رعاية وزير الداخلية لكل موظف في الدولة أيا كانت وظيفته، فجميع الموظفين ترسلهم وزاراتهم تحت تصرف الإداري التابع لوزير الداخلية.

 

وهذه الرعاية من الداخلية ولدت حية مع الاستقلال، وأنبتتها الحكومة المدنية آنذاك نباتا حسنا، وكفلها الكل في كل ما يعنيه، ولكن أول رصاصة للانقلابيين على الحكم المدني أصابتها بنصف شلل في الرعاية، وكانت رصاصة النهاية هي التي أطلقتها عليها الديمقراطية سنة 92.

 

فأصبحت تبعية المصالح الحكومية للإداريين رمزية، فمركزيتها أتبعتها لها مباشرة دون دوام مسؤولية الإدارة عنها لئلا تبعد ميزانية تسيير الفرع من المركزي، فكما يقال هاكها وهي في يدي، وفى المقابل عند ما فقد مسؤول الإدارة (ابلول فم توقيع القلم على السحب) أو قل أصبح تدخل الإدارة في رعاية المصالح غير ضروري.

 

وأصبح الإداري الذي جف نصيبه المادي من تسيير المصالح لا يهتم بالتسيير العملي لها، فانفصلت رعاية الإداري للمصالح بسبب سيطرة أصولها عليها فضاعت كل المصالح الحيوية في البلاد كالتعليم، والصحة، والتنمية، والبيئة، والزراعة، إلى آخره.

 

وأصبح الجميع يدار بواسطة أصولهم المركزيين تحت طلبات وتدخل أسوء شياطين طرأوا على موريتانيا، وأفرزتهم ديمقراطية الفوضى العسكرية هذه، وهم تسعة رهط الخارجين من كفن اللوائح الوطنية المنتخبة حزبيا وليس شعبيا، فأفرغوا التعليم والصحة إلى آخره من مهماتهم، حتى وصل ذلك إلى الجهات الأمنية والعسكرية، ولم يبق لمزاولة عمل الدولة إلا الضعفاء تمثيلا في الانتخابات يعني من لا تملق له في الانتخابات.

 

وملخص حالة تسيير دولتنا اليوم أنها استغرقها إلزام النظر في تهيئة الانتخابات، فصلاحية المأموريات خمس سنين فقط.

 

وهذا الاستحقاق نصفه الأول لقضاء أصوات التملق والانتهاز بتعيين (ابزازيل لقجل) من المكلفين بمهام والمستشارين، وتكوين هيئات بالمراسيم التي تعطى رواتب عالية تنسف الميزانية العامة في أجواء الانتخابات، أما باقي زمن الاستحقاق، فيبدأ التحضير معه لانتخابات المستقبل، وهكذا يكون تسيير الدولة الفوضوي هذا هو المقنن.

 

والآن، سأكتب النصح المتعين على كل مسلم للسلطة الحاكمة بواسطة وزير الداخلية الشخصية العامة بعد الرئيس.

 

ونحن نعلم أن هذا الرئيس طبيعته أنه يحب العمل الصالح ويكره الفاسد إلا أن صاحب ذلك لا بد له من شخصية تعرف أصحاب القوة الأمناء الصالحين وتبحث عنهم وتنفذ تعيينهم وتقف وراءهم.

 

فكل ما تحرك هذا الرئيس تحركا جديدا نظن أنه يبحث عن تغيير وإصلاح يخلد ذكره كالأفراد القليلين في تاريخ مسيرة السلطة الإسلامية، إلا أننا نفاجأ بالشاعر الشعبي يعيد وصف حالنا:

 

كنت يالعكل مالح *** وامقرد ماك أمالح

واليوم اصبحت مالح *** وامقرد ماك أمالح

 

ولكن الله يقول للمسلمين: {إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا}.

 

والآن أبدأ النصح، فمن المعلوم أن وزير الداخلية ممثل في كل شبر من الوطن، وأن نشر الأمن والسكينة في كل أنحاء الوطن ضمنها الرئيس دستوريا للشعب وحملها الرئيس نيابة لوزير الداخلية، وليس معناها إحصاء ما يقع من أنواع الجرائم مثل إحصاء أهل الطقس لقطرات المطر في الوطن فقط، وترك أمثالها يقع يوميا، بل لا بد من تخطيط يمنع وقوع الجريمة لأنها بعد وقوعها تعني العدالة.

 

والجريمة لا يمنع وقوعها إلا المكلفين بمراقبة الأمن أصحاب البذلات الخاصة شرطة أو دركا أو حرسا كل فيما يخصه، ورجال إدارة يتابعون التنفيذ والمراقبة ساعة بساعة.

 

وهذه الرقابة تبدأ من طرو ولادة كل فرد أو طلاق في الحي إلى جريمة القتل العمد مرورا بجميع طرو الأحداث في كل الميادين سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا إلى آخره، هذه الرقابة لا بد أن يصدر عنها تقرير إخباري من جهة من الجهات الأمنية مرورا بالوالي مقروءا قبل الثانية عشر كل يوم من وزير الداخلية، واصلا لقراءة الرئيس قبل الثانية عشر، عائدة التوجيهات على جميع أجزائه قبل نهاية العمل.

 

فقد سمعنا الآن أن الرئيس اجتمع مع الأمناء العامين للوزارات، وأعطاهم تعليماته بتقريب الإدارة، والسهر على الأمن، وأن الأمين العام للوزارة استدعى الإداريين لذلك، والجميع سيرد عليهم كتابهم الخاص بقول فعلهم (انكذي)، كما هي العادة، فهم البوابة بين الشعب والمسؤولين، وعندهم حرية التصرف، ولا متابع لتنفيذ التعليمات، ولا يعرفون تنفيذ أمر ليس وراءه منتخب.

 

فإجراء واحد مبني على التقارير الأمنية مرورا بالوالي معدا بيقظة وعمومية ودوام ومثابرة وإبعاده كل البعد عن تدخلات منتخبي الفوضى بين الإدارة والشعب، سيكون هذا كفيلا بإرجاع موريتانيا إلى دولة واعية لمشاكل المواطنين من رئيسها إلى كل مرؤوسيها ناظرة مباشرة بمرآت أمنها على كل شبر من الوطن.

 

لا دولة يقودها المنتخب الملفوف في أكفان لوائح الانتخابات مقابل تخلى الدولة لهم عن ما يهم الشعب لتذهب هيبة الدولة ويحل محله الخوف من المنتخبين المتملقين.

 

ومن هنا أعلن وأؤكد لوزير الداخلية ضرورة أن يقوم فورا بفتح مفوضيات خاصة بشرطة الأخلاق الموسعة الشاملة لكل مراقبة لجميع ما يسمع من أنواع الاتصال الإعلامي من عنصرية أو تجريح لا للرموز فقط بل جميع ما حرم الله قوله أو العزم على فعله، وتعمم هذه المفوضيات على المقاطعات ولا سيما مقاطعات العاصمة، ويختار لإدارتهما وأعوانها كل من له ضمير إيماني يدرك به مراقبة الله له.

 

وإلى تبيين مسؤولية وزير آخر من وزراء تحصيل أصوات الانتخاب الذي ابتلى الله به موريتانيا فعملت به مشوها يقوده الثرثارون، وجميع مهامه تنحصر في التعيينات في وظائف لا مقاعد لها، وبذلك وحده ضعفت الدولة في الدنيا، وستطول مناقشة حسابها في الآخرة.