وظائف ومناقصات

على مدار الساعة

تصل براحة غزواني.. من مواطن يأمل

5 أغسطس, 2019 - 12:36
بقلم / محمد يحيى عبد الرحمن

إبّان استهلال حكم ولد عبد العزيز لاحت بروق أمل آنذاك بالنسبة لكثيرين ممن كانوا يتطلعون لموريتانيا مختلفة عن موريتانيا النمطية اجتماعيا وسياسيا، ما حدا بي حينها إلى كتابة مقال تحت عنوان "إلى السيد الرئيس.. من مواطن يأمل" أملا في أن ينصت الرئيس الجديد حينها إلى أصوات المغيّبين والتجاوب مع أصحاب الهامش، والخروج من قوقعة تأثير الدائرة الضيقة، وها أنا اليوم أكرر مثل هذه الرسالة لكم سيادة الرئيس، محمد ولد الغزواني، وأتطلع إلى أن تتأملوا فحوى هذه الرسالة.

 

سيدي الرئيس،

أنا من الذين ينشطون في محاولة تغيير الواقع الاجتماعي الذي يزري بواقع الدولة المدنية، واستنادا إلى ما رأيته من خطاباتكم وتأكيدكم على الاهتمام بهذا الجانب أود أن أضع أمامكم جوانب من الحيف الذي يقع على فئة لمعلمين، الفئة التي كانت حجر الزاوية في حياة الموريتانيين ما قبل نشأة الدولة وما بعدها، ولعبت الدور الأبرز والركن الركين في مختلف جوانب حياة الموريتانيين.

 

لا ينكر مكابر على أن فئة لمعلمين عانت عبر قرون مديدة مستوى كبيرا من الظلم والحيف تمثل في النظرة الدونية التي كرسها المخيال المجتمعي بترسانة من الترهات والأساطير والأحاجي التي توطد هذه النظرة في أذهان الكبار قبل الصغار، والتي كان تداولها سمة من سمات التداول الاجتماعي الظالم في حق فئة لمعلمين.

 

نمطية اجتماعية ظالمة وجدت امتدادها في التطبيق العملي لسياسات الدولة الموريتانية منذ نشأتها تمثلت في تغييب أعلامهم في المجال الديني والثقافي، وتجسدت عمليا في تهميش أطرهم من شتى المجالات ومن مختلف الكفاءات.. وذلك ما يتطلب إعادة النظر في هذه السياسات التمييزية التي مورست في حقهم عبر تعاقب السُّلط والحكومات، بالعمل على:

- تصحيح الصورة النمطية التي بنيت حول هذه الفئة من خلال تجنيد المنابر التربوية والإعلامية لهذا الغرض، والسعي لترسيخ التعايش بين فئات المجتمع ككل، وتجسيد تعاليم الدين التي تساوي بين الناس بحيث لا تظل مجرد شعارات لا تتجاوز الحناجر، وتطبيق مبادئ المساواة، وتحقيق تكافؤ الفرص.

- إعطاء رموز هذه الفئة من أكاديميين وعلماء وفقهاء حقهم في الاعتبار على غرار غيرهم من أبناء وطنهم بعيدا عن سياسة الإقصاء الممنهجة التي اتبعتها الأنظمة السابقة، وأمعنت في اتخاذها منهجا وأسلوبا، سيرا على النظرة الاجتماعية النمطية التي تصنفهم على أساس دوني لا ينبغي أن يمكّن أصحابه من المشاركة والقيادة والريادة، وهي سياسات آن لها أن تتوقف.

- إعادة الاعتبار للصناع التقليديين الذين خدموا هذه الدولة أيام كانت فيافيَ وقفاراً ووفروا أدوات العيش والمسكن ووسائل الترحال، وخدموا في توفير وسائل الدفاع عن الحوزة الترابية قبل استيراد السلاح المتطور، ونحتوا من صم الجبال تلك الوسائل قبل أن تكون هناك مناجم لاستخلاص الحديد، وهو دور تاريخي غُيب عن عمد في دورهم التاريخي في بناء موريتانيا، فلم يكن للمقاومة العسكرية ولا الثقافية أن تعرف ذلك الصمود دون دور الصناع التقليديين، وإعادة الاعتبار لهم تتطلب تمكينهم من لعب دورهم في تنمية البلد من خلال دعم مشاريع الصناعة التقليدية، وتوفير فرص التكوين، ورعاية الابتكار وتشجيعه، وضخ الاستثمارات في هذا القطاع، وإنشاء معرض وطني موسمي لصالح منتجات الصناعات التقليدية.

- وقف سياسة الإقصاء التي اتخذتها الحكومات تقليدا مستمرا بحق الأطر وتمكينهم من المشاركة السياسية والوظائف السامية كالوزارات والمجالس الاقتصادية والاجتماعية، وإتاحة الفرصة لهم لخدمة بلدهم كغيرهم من أبناء الوطن.

 

ينبغي أن تدرك - سيادة الرئيس- أن الانتخابات الأخيرة أرسلت رسائل جليّة للغاية بأن المجموعات المكتوية بسياسات الإقصاء والتمييز تريد نهجا مغايرا ينصف ويشرك الجميع، ويرى فيه كل أبناء الوطن صدق الإرادة في بناء دولة المواطنة الحقة.

 

سيدي الرئيس،

إن تحقيق هذه المطالب والسعي في تغيير نمطية التعاطي مع هذه الفئة سيشكل رافعة ودعامة من دعامات النماء، وركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني الذي ينبغي أن لا يهمل دور الصناعة التقليدية في تحقيق ذلك، وهو أمر يدفعنا لدعوتك للتوازن في التعيينات الحكومية ونهيب بك لتكريس العدالة الاجتماعية، من خلال سياسات لا تقتصر فقط على التعيينات الشكلية وإنما تتجاوز للمشاريع العملية، فالإشراك والتنوع عاملان إيجابيان في بناء روح المواطنة، بعكس الإيغال في تمكين بعض الناس وتهميش بعضهم الآخر، فذلك أمر لا يطمئن على مستقبل التعايش ولا يُنمي روح المواطنة الحقة بين أبناء المجتمع الواحد.