على مدار الساعة

لماذا لم يمنح المرشحون للغتنا وعدا ولو مكذوبا؟ ح1

8 أبريل, 2019 - 10:59
أ.باباه ولد التراد

ترتبط اللغة ارتباطا قويا بهوية الإنسان، في كل أشكالها وأبعادها ومستوياتها النفسية  والحضارية الشاملة ، فاللغة مكون أساسي من مكونات تميز الإنسان عن الآخرين، وتماثله مع من يشاركونه فيها، وهي الوعاء الحافظ لتاريخه وتراثه، وهي الرابط المتين الّذي يربط الفرد بأمته وأهله وأرضه .

 

واللغة، في أي مجتمع، هي الواجهة الحاملة والحاضنة للملامح الأساسية  للهوية، ومن خلال اللغة يتشكل معنى الانتصار والانكسار والمحبة والكراهية والألم والسرور، ومن منظورها تتحدد مفاهيم المباح والمحظور ، وانفتاح أبواب الفهم أو انغلاقه .

 

واعتمادا على اللغة تتكون رؤية شمولية للعالم تشمل الذات والآخر والواقع الطبيعي والاجتماعي ، كما أنه عن طريق اللغة يتم التواصل وتبادل المعلومات والأفكار والقيم والمبادئ والخبرات والمعتقدات والرموز، وتستخدم أساليب التفسير والتبرير وإنتاج وإعادة إنتاج المعاني والتصورات والمواقف والأحكام.. وإلى هذه المفاهيم الأولى ترتكز أية مفاهيم تالية يمكن للإنسان أن ينتفع بها من اللغات المكتسبة في مراحل لاحقة .

 

وعن طريق آليات التربية والإعداد الاجتماعي للأجيال الناشئة في فضاء ثقافي محدد ، يتم رفد الرصيد اللغوي بغية تشكيل نمط التفكير والوعي و الوجدان والذاكرة الفردية والجماعية، فاللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة.

 

لذلك لا ينبغي الفصل بين الإنسان ولغته الأم مطلقا ، لأن الكلمات لا تتيح قول كل شيء،  لكنها تظل مشحونة بمجموع ما لا يمكـن قولـه، وهـو مجمـوع مقترن بها .

 

وهذا ما عبر عنه بوضوح الفيلسوف  الألماني هيدجر (ت 1889م) بقوله: "إن لغتي هي مسكني، هي موطني ومستقري، هي حدود عالمي الحميم ومعالمه وتضاريسه، ومن نوافذها ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الواسع". 

 

وفي المقابل فإن الاستلاب اللغوي والفكري يحرم الأمة من هذه العلاقة الحميمة القائمة أصلا بين الإنسان ولغته ، وقد بين مصطفى صادق الرافعي  هذا بقوله: " ما ذلت لغة شعب إلا ذل ، ولا انحطَّت إلا كان أمره في ذهاب وإدبارٍ ، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمَرة ، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاما ثلاثةً في عمل واحد؛ أما الأول: فحبس لغتهم في لغته سجنا مؤبدا، وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا، وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع " .

 

ويقول الدكتور طه حسين : ( إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً ).

 

وهذا الوصف ينطبق تماما على الفرانكوفونيين الموريتانيين الذين  تم تجنيدهم من طرف الاستعمار لحماية وجود الفرنسية في موريتانيا وإقصاء اللغة العربية ، ونتيجة لذلك أصبح جل المواطنين الموريتانيين مهمشين في وطنهم ، وتم استبعاد علماء المحاضر من وظائف الدولة ، وفي نفس الوقت ينظر إليهم بازدراء من طرف الإدارة و القائمين عليها .

 

وهنا أخشى أن تظل العلاقة بين المرشحين لرئاسيات 2019 واللغة العربية محكومة بالعوامل السابقة التي تتسم بالتخلف والتبعية لأجنبي حاقد على الدين الإسلامي يشعر بأن لغته  بحاجة إلى من يتمسك بها لأنها أضحت في اضمحلال وزوال .

 

وبما أن اختيار السجل اللغوي لا يكون محايدا فإن على المرشحين أن يدركوا أن الشعب الموريتاني لن يغفر لهم ذلك الإهمال المتعمد لقضية اللغة العربية خلال خطبهم التي أعلنوا فيها ترشحهم للرئاسة ، حيث أنهم وعدوا بمعالجة أغلب القضايا في البلاد ولم يمنحوا هذا الشعب العربي المسلم وعدا ولو مكذوبا بأنهم سوف يطلقون سراح اللغة العربية من سجنها الفرنسي ويضعونها في المكان السامي الذي يليق بها بصفتها لغة القرٱن ولغة الأم ولغة السيادة وذلك وفقا للشريعة الإسلامية والدستور الذي نص في مادته السادسة على أن اللغة الرسمية لموريتانيا هي اللغة العربية .

 

ومع ذلك فإن المرشح الذي سيركن لتطلعات الأمة ويعلن على الملأ انحيازه للغة العربية  ويسعى لاستقلال البلاد عن لغة الأجنبي سيكون محل احترام وتقدير  ويكون له ذلك الجهد دينا مستحقا في رقاب الناخبين وخاصة الأغلبية الصامته .

 

وبخلاف ذلك فإن المرشح الذي لا يولي أهمية لمسألة اللغة العربية سوف يحاسبه الناخب الموريتاني ويقف ضده بكل الوسائل بما في ذلك مثلا التفاعل مع طلبة المحاظر الذين يدركون أن أي مرشح لا يتعهد بتعريب التعليم سوف يكون خطرا على مستقبلهم العلمي والديني والاقتصادي والسياسي ، سيما أن شعبا يعاني .. لن يخسر أي مزية إذا امتنع عن التصويت للمرشحين الذين يفضلون أن تبقى موريتانيا تصف حالها بمفردات خصومها .

 

رغم أن من أهم المشتركات الكثيرة التي تربط العلاقات الحميمة بين مكونات شعبنا  هي الدين الإسلامي الحنيف ، واللغة العربية  التي يتمسك بها الجميع حتى الرمق الأخير .

 

لذلك فلا غرو إذا كانت اللافتات التي استقبل بها  اهلنا في الضفة أحد المرشحين لرئاسيات 2019  - كما شاهدتم مؤخرا  - مكتوبة فقط باللغة العربية وخالية تماما من اي لغة اجنبية   ، وكأنهم يقولون له نحن نطالب بالتعريب الكامل ، ونريد منكم احتراما لديننا الإسلامي وموروثنا الحضاري أن ترفعوا من شأن لغة القرٱن الكريم .