جدول المحتويات
(مقال تحليلي استشرافي)
ثمة خطب ما
قلت في تدوينة سابقة: إن المفاجآت لن تنقصنا عند إعلان نتائج الانتخابات الأميركية، والعرج البين للبطة الرئاسية بعدها؛ وليس أقل تلك المفاجآت شأنا تبرؤ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من أخطاء رئيسه القاتلة.
فمن أين انفتلت الأمور ومن أين انحلت؟
1
طرح:
آفة النخب الغربية الحاكمة أن تفكيرها الحالي غير سببي. بمعنى أنه غير منطقي أصلا. نعرف ذلك -دون عناء - من خلال ما تصرح به شخصياتها الأولى جهارا.
يدل ذلك على أن خطابها تبريري متهافت لا تعليلي محكم.
2
تسويغ:
ما السبب في ذلك التهافت؟
لعله كثرة الأخطاء الفادحة في التصرف، والاقتناع بأنها أخطاء في نفس الوقت. ولا غرابة في ذلك فهي متأتية جراء قناعات إيديولوجية متكلفة وصولية، أو أطماع شخصية أنانية، أو "برغماتية" عمياء.
3
مثال حي:
قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، التائب مؤقتا لتوه من كبيرة العلاقات مع النتن ياهو: "إن أسباب الهزيمة المنكرة لحزبه الجمهوري الحاكم في الانتخابات النصفية (كالطبائع الأربع)، أربعة وهي:
- السبب الأول: الحرب على إيران.
- الثاني: العلاقة غير المتوازنة مع إسرائيل: إسرائيل أصبحت أولا، لا أميركا. بقرار من "حدْ ما هو ابعيدْ. تحت لس اكلام النائب".
- الثالث: غلاء المعيشة في أميركا.
- والرابع: غلاء البنزين والمازوت في محطاتهما".
4
قراءة استدراكية في المثال:
الحقيقة أن التسلسل السببي لهزيمة الحزب الجمهوري ترتبت على نحو آخر، وأسبابها المتسلسلة أكثر من أربعة بنسبة أعلى من نسبة فوز الديمقراطيين المريعة عنده على حزبه النيئ.
ولا بأس من تعداد هذه الأسباب تسلسليا حسب تصوري لها:
- السبب الأول: قضى نتن ياهو على حلم الدولة الفلسطينية قضاء مبرما بمشروعه البديل عن مشروع سلفه المغتال: رابين الذي تبنى مشروعا يدل على الملل من الصراع المرير على مضض أكثر مما يدل على إرادة السلام الصادقة..
- السبب الثاني: من مشتقات ذلك القضاء المبرم على حلم الدولة الفلسطينية: قتل الشهيد ياسر عرفات. وحصار غزة على مدى أكثر من عقد من الزمن. مع تكريس تام لاحتلال الضفة وتهويد القدس. وتدليل المستوطنين، وسد كل السبل دون أي بارقة سلام ممكن، ولو كان منقوصا.
- السبب الثالث: ترتب على الأول والثاني وهو طوفان الأقصى بمتعلقاته ومشتقاته غير المتوقعة.
- السبب الرابع: طوفان الأقصى أصاب النتن ياهو بجنون ارتياب لهول المفاجأة. وهو سبب معروف لدى علماء النفس.
- السبب الخامس: ترتبت على جنون النتن الارتيابي وتجسد في ردة فعل وحشية، أدت إلى ارتكاب إبادة جماعية تحت العيون وأمام الشهود.
- السبب السادس: تعاطفت الحكومة الأميركية قبل الغرب عموما مع النتن، واحتضنت إبادته الجارية احتضان الأم لوحيدها، ففتح له بايدن الذي يعرف نفسه بالصهيوني بوابات السلاح الأميركي المذهل.
- السبب السابع المترتب: أدى غضب الشعب الأمريكي من مشاركة حكومته في الإبادة الجماعية للفلسطينيين إلى تصويت احتجاجي طرد به المترددة كمالا هاريس مرشحة بايدن للرئاسة من ميدان النجاح. مما أدى إلى إطلالة ثانية لم تكن يتوقعها أحد لترامب، بمساعدة من تحت الطاولة جاءت من قرينه النتن ياهو، وذلك برفضه لوقف الإبادة الجماعية رغم طلبات الديمقراطيين الأسخياء معه، رغم تأخرها.
- والسبب الثامن: أصيب ترامب بجنون العظمة لنجاحه شبه المستحيل، فاحتضن النتن الذي كان من أسباب ذلك النجاح.
- والسبب التاسع في السلسلة: فتح ترامب لبوابات الجحيم على غزة، ولبنان وسوريا، بما شاء قرينه من توحش
- السبب العاشر: خضوع ترامب لنتن ياهو بخلفية ابتزاز معقدة لا يعرفها إلا هما، لحد منها إلى تحقيق لوهم إسرائيل الكبرى، وتهجير الفلسطينيين من غزة. وهو ما لا يكون إلا بشن حرب مدمرة على المنطقة. بحملة متدرجة تبدأ من إيران لتدمر دول الخليج ابتداء بالسعودية وجوارها العربي كله، على يد إيران. ثم تدمير تركيا ومصر، وباكستان على أساس مبدأ: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- السبب الحادي عشر: تحليل خاطئ من أساسه أقنع به النتن ياهو ترامب وهو: سهولة إسقاط النظام في إيران بقياس فاسد مع وجود الفارق، على أسر مادورو في فنزويلا.
- السبب الثاني عشر: فشلت الحملة الثنائية على إيران وأقفل مضيق هرمز.
- السبب الثالث عشر: ارتفعت أسعار النفط عالميا، فالبنزين والمازوت والأسمدة في أميركا نفسها، نتيجة إصرار اتراهو على ديمومة الحرب والحصار على إيران.
- السبب الرابع عشر: عم وعي طارئ أوساط الشعب الأميركي بأن رئيسهم محكوم من طرف النتن ياهو الذي يصر على ضربة مشتركة لإسقاط النظام في إيران، وتدمير دول الخليج بيد غير مباشرة. واعتبروها حربا بلا هدف ولا نهاية ولا تعنيهم.
- السبب الخامس عشر: حاول ترامب الالتفاف على غلاء المحروقات في أميركا بتنفيس من استدرار مصافي روسيا المحاصرة مقابل تنازلات غير متوقعة لعدو الأصدقاء.
- السبب السادس عشر: فشلت خطة خفض أسعار المحروقات وكل محاولات فتح المضيق بعد التراجع المفاجئ جراء فيتو النتن ياهو عليه عن الاتفاق بين المتحاربين.
- السبب السابع عشر: أدت أزمة الغلاء إلى تردي حملة الجمهوري في خطاب جانبي يتسلح بالإقصاء والعنصرية والخواء من أي مضمون، مما زود خطاب الديمقراطيين الانتخابي بمظلومية وجيهة واضحة المعالم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، ومن تلك المظلومية: المجاهرة بالرشوة، وشراء الذمم عبر الآيباك، وارتداد تأييد ترامب للنتن ياهو على وجهه، وتسريبات الكسب غير المشروع بتضارب المصالح، إضافة إلى الغلاء، ليطرح خصومه سؤال: من أين لك هذا؟ ولماذا كل هذا العناء؟
5
الخلاصة: أن كل أسباب فشل الجمهوري الحالية هو النتن ياهو أولا ووسطا وأخيرا، وتماهي ترامب بعد ذلك مع سياسته التسخيرية لأميريكا في تحقيق مشروعه التوسعي المستحيل في الشرق الأوسط.
6
والنتيجة؟
هزيمة ترامب وحزبه هزيمة مركبة وليست بسيطة؛ بل لها مضاعفات استراتيجية على حزبه وبقية مأموريته العرجاء، سواء تلقب بـ"السيد فيتو" أو بأي لقب آخر، لا ينفعه في ذلك إن منع المساعدة السخية لإسرائيل أم منحها، سقط النتن بعد فوزه الفاشل، أم نجا.
ثمة حقيقة راسخة وراء كل المتغيرات ستتجلى أكثر مع الأيام وهي أن عمر النتن السياسي قد بلغ أجله، وأن ما بقي من عمر قرينه ترامب تخبط سكرات سياسية قد تكون عنيفة ما وجد لذلك متسعا، كما توقعنا في مقال سابق.
ويقول بعض المجربين بعد كل هذا: إن الطفيلات تهجر أجسام المحتضرين، ولا أدل على ذلك من نأي نائب الرئيس عن رئيسه..
لقد ترتب على الطوفان زلزال على ما يبدو وإن بعد عن المجرى.