جدول المحتويات
قد يكون من السهل نسبيًا تنظيم منتدى، ودعوة ممثلي الجاليات والخبراء والمسؤولين، والاستماع إلى المداخلات والخروج بجملة من التوصيات. لكن الأصعب يبدأ عادة بعد ذلك، حين ينفضّ اللقاء ويعود كل طرف إلى موقعه، ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط زخم المناسبة: ما الذي سيتغير فعلًا بالنسبة للموريتاني المقيم في الخارج؟
من هنا أعتقد أن أهمية منتدى الجاليات الموريتانية لا ينبغي أن تُقاس بعدد المشاركين فيه، ولا بتنوع جلساته، بقدر ما تُقاس بما يمكن أن يؤسس له من علاقة مختلفة بين الدولة ومواطنيها في الخارج.
فالجاليات الموريتانية لم تعد، منذ سنوات، مجرد مجموعات من المغتربين ترتبط بالدولة عند الحاجة إلى وثيقة أو خدمة قنصلية. لقد تغيرت تركيبتها واتسع حضورها، وأصبح بين أفرادها رجال أعمال وأطباء ومهندسون وأساتذة وباحثون وخبراء وطلبة وشباب نشأ بعضهم أصلًا خارج موريتانيا. وهذا الواقع وحده يفرض تغيير النظرة إليها.
وفي هذا السياق، تبدو المشاورات التي أجرتها وزارة الخارجية مع ممثلي الجاليات في 23 دولة خطوة جديرة بالاهتمام. فأن تستمع الإدارة إلى الناس المعنيين بالسياسة التي تريد إعدادها أفضل، بطبيعة الحال، من أن تصوغها في المكاتب ثم تعرضها عليهم باعتبارها أمرًا واقعًا.
لكن الاستماع ليس غاية في ذاته.
فكثير من المشكلات التي طرحتها الجاليات ليست جديدة تمامًا. هناك منذ سنوات شكاوى مرتبطة بالخدمات القنصلية، والحالة المدنية، والوثائق، ومشكلات الإقامة في بعض البلدان، والحاجة أحيانًا إلى مواكبة قانونية واجتماعية أفضل. وهناك أيضًا هاجس آخر يتزايد مع مرور الوقت: كيف نحافظ على صلة أبناء الموريتانيين المولودين في الخارج بوطن آبائهم؟
هذه مسائل يعرفها المسؤولون، ويعرفها أفراد الجاليات أكثر منهم. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للمشاورات الحالية ستكون في الانتقال من تشخيص المشكلات إلى حل ما يمكن حله منها.
ولنأخذ الخدمات القنصلية مثالًا. حين نتحدث عن رقمنتها، فإن المواطن لا يعنيه كثيرًا المصطلح في حد ذاته. ما يعنيه هو ألا يقطع مئات الكيلومترات للحصول على ورقة كان يمكن طلبها من هاتفه، وألا يبقى أسابيع وهو لا يعرف أين وصل ملفه، وأن يجد جهة تجيبه عندما تتعطل معاملته. بهذا المعنى تصبح الرقمنة إصلاحًا حقيقيًا، لا مجرد تحديث في شكل الإدارة.
لكنني أرى أن القضية الأهم تتجاوز أصلًا الخدمات القنصلية.
موريتانيا لديها في الخارج رصيد من الخبرة ربما لا نعرف حجمه الحقيقي حتى الآن. هناك موريتانيون يعملون في جامعات ومستشفيات وشركات ومؤسسات دولية ومراكز بحث، وهناك رجال أعمال اكتسبوا معرفة بأسواق مختلفة وعلاقات مهنية وتجارب يمكن أن يحتاج إليها بلد ما زال يبني مؤسساته واقتصاده.
والسؤال هنا بسيط: ماذا نعرف عن هؤلاء؟ وكيف نتواصل معهم عندما نحتاج خبراتهم؟
ليس المطلوب بالضرورة أن نطلب من كل كفاءة موريتانية في الخارج أن تحزم حقائبها وتعود إلى نواكشوط. هذا تصور لم يعد واقعيًا في عالم اليوم. يمكن للباحث أن يخدم جامعة موريتانية وهو يعمل في جامعة أجنبية، وللطبيب أن يساهم في تكوين زملائه من دون أن يغلق عيادته في بلد إقامته، وللمهندس أو الخبير أن يقدم معرفة يحتاج إليها مشروع وطني ولو لفترة محدودة.
ما ينقصنا في هذا المجال هو التنظيم.
ويمكن أن تكون البداية بقاعدة بيانات اختيارية وموثوقة للكفاءات الموريتانية في الخارج، تعرف الدولة من خلالها مجالات تخصصهم، وتعرف المؤسسات الوطنية كيف تصل إليهم. ليست الفكرة جمع أسماء في سجل جديد، وإنما خلق صلة عملية بين الخبرة الموجودة خارج البلاد والحاجة الموجودة داخلها.
الأمر نفسه ينطبق على الاستثمار. فمن السهل أن نقول للموريتاني المقيم في الخارج: تعال واستثمر في بلدك. لكن من يريد استثمار ماله سيسأل قبل ذلك عن الإجراءات، وعن الوقت الذي يحتاجه لإنشاء مشروعه، وعن الضرائب والضمانات ووضوح القوانين، وعن الجهة التي يلجأ إليها إذا تعطلت معاملته.
الانتماء إلى الوطن قد يشجع على الاستثمار، لكنه لا يعوض بيئة استثمار واضحة.
ولهذا ربما يكون من المفيد أن تخرج السياسة الجديدة تجاه الجاليات بنافذة فعلية لمواكبة المستثمرين الموريتانيين في الخارج، بدل ترك الواحد منهم يتنقل بين الإدارات بحثًا عمن يرشده إلى الخطوة التالية.
أما تحويلات الموريتانيين في الخارج، فمن الخطأ اختزالها في أرقام مالية نتذكرها كلما تحدثنا عن مساهمة الجاليات في الاقتصاد. هذه الأموال تؤدي أولًا وظيفة اجتماعية مباشرة داخل آلاف الأسر. وإذا أرادت الدولة أن يتحول جزء منها إلى استثمار منتج، فعليها أن تقدم لأصحابها فرصًا موثوقة وشفافة ومجزية، لا أن تتعامل معها وكأن توجيهها إلى الاستثمار واجب إضافي على المغترب.
ويبقى في تقديري ملف يستحق اهتمامًا أكبر مما نمنحه عادة: أبناء الجاليات الذين ولدوا وكبروا خارج موريتانيا.
الجيل الأول يحمل البلد معه أينما ذهب؛ في ذاكرته ولهجته وصلاته العائلية وعاداته. لكن الأمر ليس بالضرورة كذلك بالنسبة إلى أبنائه وأحفاده. ومع مرور السنوات قد تصبح موريتانيا بالنسبة إلى بعضهم بلدًا يعرفونه من حكايات الأسرة أكثر مما يعرفونه من تجربة شخصية.
الحفاظ على هذه الصلة لا يتحقق بالمواعظ. يحتاج إلى تعليم ومحتوى ثقافي مناسب وبرامج صيفية وزيارات وتبادل شبابي، وإلى طريقة تجعل الشاب الموريتاني في باريس أو مدريد أو نيويورك أو دكار يشعر بأن علاقته بموريتانيا تخصه هو، لا أنها مجرد إرث عائلي مطلوب منه المحافظة عليه.
كل هذه الأفكار يمكن أن تخرج من المنتدى، وقد تخرج أفكار أفضل منها. لكن التجربة علمتنا أن المشكلة ليست دائمًا في نقص التوصيات. لدينا في الإدارة كثير من التوصيات الجيدة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
ولهذا سأعتبر نجاح هذا المنتدى مرتبطًا بأمر واحد قبل غيره: ماذا سيحدث بعده؟
هل ستعلن الحكومة، مثلًا، بعد أشهر ما الذي التزمت بتنفيذه؟ ومن المسؤول عن كل ملف؟ وما الذي أنجز؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟
لا نحتاج بالضرورة إلى عشرات البرامج الجديدة. قد يكون أكثر جدوى أن نختار في السنة الأولى عددًا محدودًا من الأمور التي يشعر بها المواطن مباشرة: خدمات قنصلية إلكترونية تعمل فعلًا، آلية واضحة للشكاوى، قاعدة للكفاءات، مسار مبسط للمستثمرين، وبرنامج جاد يربط أبناء الجيل الجديد بثقافتهم وبلدهم.
ثم نقيس النتائج.
فالسياسات العامة لا تُختبر بحسن النوايا، وإنما بما تغيره على الأرض.
لقد بدأت الحكومة هذه المرة بالاستماع إلى الجاليات، وتلك نقطة تحسب للمسار. لكن قيمة الاستماع تظهر عندما يشعر من تحدث بأن كلامه لم يبق في محضر اجتماع.
وبعد عام من الآن، لن يكون السؤال المهم كم جلسة عقدها المنتدى، ولا كم توصية خرج بها.
السؤال الأهم سيكون أبسط من ذلك بكثير:
ماذا تغير بالنسبة للموريتاني في الخارج؟
إذا وجدنا جوابًا واضحًا عن هذا السؤال، يكون المنتدى قد أدى وظيفته. أما إذا احتجنا إلى منتدى جديد لكي نعيد طرح المشكلات نفسها، فمعنى ذلك أن الفرصة لم تُستثمر كما ينبغي.