تخطى الى المحتوى

موريتانيا ليست خطأً في التاريخ، بل التاريخ أوسع من أوهام الضمّ والاحتواء

 د. محمد عبد الله زيدان

جدول المحتويات

إلى الدكتور أحمد الريسوني

إن وصف موريتانيا بأنها «صنيعة استعمارية»، والقول إن وجودها غلط، ليس مجرد رأي عابر في التاريخ، بل هو مساس بهوية شعب اختار أن يكون له وطنه ودولته وسيادته. والدول لا تُقاس شرعيتها بأهواء الأفراد، ولا تُمحى إرادة الشعوب باستدعاء خرائط الماضي وبيعاتٍ تاريخية أُريد لها أن تكون سندًا لمشاريع سياسية معاصرة.

 

نعم، للاستعمار أثر في رسم حدود الدول الحديثة، لكن هل يجعل ذلك كل دولة نشأت في ظل تلك التحولات خطأً تاريخيًّا؟ وهل يحق لنا أن نختزل تاريخ الشعوب وهوياتها في خرائط رسمها المستعمر، متجاهلين ما صنعته تلك الشعوب عبر القرون من ثقافة وعلم ومقاومة وكيان اجتماعي متميز؟ إن كان المعيار هو مجرد التأثر بالاستعمار، فهذه قضية تستدعي نقاشًا تاريخيًّا منصفًا، لا أحكامًا تُنكر على شعب حقه في وطنه.

 

ثم إن من يتحدث عن التاريخ المغربي والموريتاني ينبغي ألا ينتقي منه ما يخدم تصوره، ويغفل ما سواه. أليس يوسف بن تاشفين، مؤسس مراكش وباني الدولة المرابطية الكبرى، من قبيلة لمتونة الصنهاجية التي ارتبطت بمجالنا الصحراوي الموريتاني؟ لقد أسهم رجال الصحراء في بناء دولة امتد سلطانها إلى المغرب والأندلس، ولم يكن ذلك يومًا مدعاةً لانتقاص المغرب أو التشكيك في هويته. فلماذا يُستدعى التاريخ لإثبات حق طرف، ثم يُهمَل حين يكشف عمق إسهام الطرف الآخر؟

 

إن تاريخنا المشترك ليس صكّ ملكية حصرية لأحد، ولا وسيلة لإخضاع شعب لشعب. إنه سجلّ تفاعل وتكامل، أسهم فيه الموريتانيون والمغاربة وغيرهم من أبناء المغرب الكبير. ومن حقنا أن نفخر بإسهام أجدادنا في بناء الحضارة المرابطية، كما من حق أشقائنا المغاربة أن يفخروا بما أنجزه أسلافهم؛ أما تحويل هذا الإرث المشترك إلى أداة للطعن في سيادة موريتانيا، فذلك خلط بين التاريخ وادعاءات السياسة.

 

وإن من الأجدر بمن يتصدى للشأن العام أن ينظر إلى ما في بيته ويصلحه، قبل أن ينشغل بالطعن فيما يجري ببيوت الآخرين. فالمغرب، كغيره من بلدان المنطقة، لديه من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما يستحق من العلماء والمفكرين جهدًا كبيرًا في الإصلاح والنقد والمراجعة. وليس من الحكمة أن ينصرف الخطاب إلى التشكيك في وجود دولة جارة، بدل أن يسهم في معالجة ما يواجهه المجتمع من أسئلة التنمية والعدالة والحرية والتماسك الاجتماعي.

 

ثم كيف يستقيم أن توصم علاقة موريتانيا بالمستعمر، وننسى علاقة المغرب معه قبل الاستقلال وبعده؟

 

وإذا كان الحديث عن أثر الاستعمار حاضرًا في تقييم نشأة الدول وحدودها، فإن من الضروري أيضًا النظر بموضوعية إلى طبيعة العلاقات التي ربطت المغرب بالمستعمر الفرنسي. فقد كانت تلك العلاقات، ولا تزال آثارها، أكثر التصاقًا وتأثيرًا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن ثمّ، فإن اختزال أثر الاستعمار في نشأة موريتانيا وحدها، مع تجاهل عمق التأثير الفرنسي في المغرب، انتقائية لا تخدم قراءة تاريخية نزيهة ولا نقاشًا متوازنًا.

 

إن من يقوم بالتطبيع مع إسرائيل، عليه أن يبتلع لسانه، ويعالج جِرَّتُه التي يعترضها الشجا! وإلا وقع على أُمِّ رأسه في جُرَّتِه؛ إن من ولى دبره للمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، واحتضن من يغتصبه ويبيد سكانه.. لحر به عدم البحث عن مكان آخر يحارب من أجل ضمه! وإن صدق الموقف يقتضي اتساق القول مع الفعل، ومحاسبة الذات قبل محاكمة الآخرين. إننا نطالب كل صاحب خطاب بمراجعة التناقضات بين المبادئ المعلنة والخيارات السياسية القائمة.

 

ولعل أبلغ ما يقال هنا هو المثل العربي: «من كان بيته من زجاج، فلا يرْمِ بيوت الناس بالحجارة». وليس المقصود منع النقد أو إغلاق باب النقاش، بل التذكير بأن النقد يفقد وجاهته حين يتحول إلى وسيلة للتعالي على الآخرين، بدل أن يبدأ بمراجعة الذات.

 

يا دكتور الريسوني، إن موريتانيا ليست منحةً من أحد، ولا كيانًا ينتظر شهادة ميلاد من خارج حدوده. إنها وطن له شعبه وتاريخه وخصوصيته الثقافية، وله حقه الكامل في تقرير مصيره وصون سيادته

 

فموريتانيا تجمعها بالمغرب أواصر الدين واللغة والتاريخ والجوار وحتى النسب، لكن الأخوة لا تعني التبعية، والتاريخ المشترك لا يمنح أحدًا حق الوصاية على الآخر.

 

فاحفظوا للتاريخ حقه، وللشعوب إرادتها، وللجوار حرمته. فالمغرب لا ينتقص من قدره أن تكون إلى جانبه موريتانيا مستقلة عزيزة، وموريتانيا لا تحتاج إلى إنكار تاريخ المغرب كي تثبت تاريخها. إن مما يزيد البلدان قوةً حين يتعاملان بوصفهما دولتين شقيقتين، لا بوصف إحداهما امتدادًا مفترضًا للأخرى.

 

وإن كان ثمة ما يستحق أن نختلف حوله، فليكن كيف ننهض بشعوبنا، ونصون كرامتها، ونحقق العدالة لها، وننصر فلسطين قولًا وفعلًا؛ لا كيف ننكر على شعب حقه في وطنه، أو نعيد فتح ملفات التاريخ بلغة الوصاية والاستعلاء.

الأحدث