تخطى الى المحتوى

الكويرة بين التأويل والتوضيح... ماذا قالت موريتانيا فعلا؟

د. الشيخ يب أعليَات - المدير المساعد الإدارة العلاقات مع البرلمان

جدول المحتويات

لم تمضِ سوى أيام قليلة على الجدل الذي أثارته «الكويرة»، حتى انتقل النقاش من صفحات التواصل الاجتماعي وعناوين الصحف إلى المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة الموريتانية.

 

وكان ذلك متوقعا إلى حد ما؛ فقد اتسعت التأويلات خلال فترة وجيزة، ولم يعد الحديث مقتصرا على اقتراح موريتاني لتوضيح الحدود ضمن مفاوضات الصحراء الغربية، بل ظهرت قراءات تتحدث عن مطالبة ترابية بالكويرة، وأخرى تروج لصفقة محتملة بين نواكشوط والرباط، بل ذهب بعضها إلى تصور مقايضة تعترف بموجبها موريتانيا بسيادة المغرب على الصحراء مقابل ترتيبات تخص المدينة.

 

وفي خضم هذا الصخب الإعلامي، بقي الموقف الموريتاني الرسمي أكثر هدوءا واختصارا؛ إذ قدم الناطق باسم الحكومة السيد محمد ولد ببانه أول توضيح مباشر بشأن الموضوع، مؤكدا أن علاقات موريتانيا بجيرانها ممتازة - وخص الجيران في الشمال بالإشارة - موضحا أن إثارة مسألة الحدود لا ينبغي أن تُحمّل أكثر مما تحتمل، ولا أن تُنسب إلى البلاد مطالب لم تعلنها.

 

ولعل الأهم هنا، أنه حدد دوافع نواكشوط من طلب توضيح الحدود في تفادي أي غموض قد تكون له آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية.

 

إن هذه الكلمات التوضيحية أعادت السجال إلى موضعه الطبيعي؛ فالمسألة منذ البداية لم تكن إعلانا لمطالبة موريتانية بالكويرة، وإنما إشارة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كشفت عن اقتراح قدمته نواكشوط، خلال مفاوضات مدريد في فبراير الماضي، يقضي بإنشاء لجنة تتولى بالتوافق توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه.

 

ومن تلك العبارة التقنية، بدأت سلسلة طويلة من التأويلات، وقد أشرت في مقال سابق إلى أن فهم الورقة الموريتانية يصبح أسهل إذا قُرئت من زاوية «المصلحة والأمن» لا من زاوية «التوسع والضم».

 

ويبدو أن التوضيح الحكومي الأخير جاء ليؤكد هذا المعنى، مع إضافة بُعدين حاسمين هما القانون والاقتصاد.

 

وهنا تكمن النقطة التي تستحق الوقوف عندها؛ فالحدود تتجاوز الخط المرسوم على الخريطة إلى تحديد المجال الذي تمارس فيه الدولة سلطاتها ومسؤوليتها الأمنية، وما يتصل بذلك من مياه إقليمية وموارد وممرات وحركة للبضائع والأشخاص.

 

وعندما يكون الحديث عن منطقة ملاصقة تماما لمدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية، فإن المسألة بالنسبة إلى موريتانيا تصبح ذات صلة مباشرة بسيادتها وأمنها ومصالحها.

 

ولهذا لم يكن غريبا أن تنتقل بعض التغطيات الإعلامية المغربية، خلال الأيام الماضية، من الحديث عن الكويرة إلى التركيز على المجال البحري المحيط بها؛ فقد نشرت صحيفة «Le Desk» المغربية قراءة مطولة ذهبت إلى أن الرهان الحقيقي لا يوجد على الأرض وحدها، مشيرة إلى غياب اتفاق مُعلن لترسيم الحدود البحرية بين المغرب وموريتانيا قبالة شبه جزيرة رأس نواذيبو، وهو ما يجعل أي نقاش مستقبلي حول الحدود البرية مرتبطا بالضرورة بمسألة المجال البحري والصيد والملاحة.

 

وفي الوقت نفسه، أعادت وسائل إعلام مغربية فتح ملف الوضع الخاص للكويرة، التي ظلت لعقود في حالة استثنائية؛ أي منطقة شبه خالية من السكان، تحضر بقوة في الخطاب الوجداني والسياسي المغربي، بينما يرتبط واقعها الميداني بتاريخ معقد بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي ولم يجد طريقه إلى تسوية نهائية مستقلة عن النزاع الأساسي.

 

وهنا يبرز التباين في زوايا النظر؛ ففي المغرب، تحمل الكويرة رمزية عالية داخل تصور الوحدة الترابية، عبر الشعارات المكرسة مثل «من طنجة إلى الكويرة». أما في موريتانيا، فتظهر المدينة من نافذة حيوية أخرى: نواذيبو، والأمن القومي، والبحر، والصيد، والتجارة، بحكم موقعها في مجال جغرافي محاذ مباشرة لإقليم لا يزال وضعه النهائي محل تفاوض دولي.

 

إن هاتين الزاويتين لا تعنيان بالضرورة وجود نزاع موريتاني - مغربي حول المدينة، لكنهما تفسران لماذا أصبحت الكويرة نقطة شديدة الحساسية بمجرد طرح موضوع الحدود على طاولة المفاوضات.

 

واللافت أن السجال الأخير كشف عن تسرع في بعض القراءات؛ فقد جرى الحديث عن «تنازلات ومقايضات» قبل صدور أي موقف رسمي.

 

وبدأ الأمر بجملة في تقرير أممي، ثم تحول إلى حديث عن الحدود، ثم إلى الكويرة، وصولا إلى نسج سيناريوهات سياسية لم تعلنها أي جهة. ولعل التوضيح الحكومي كان ضروريا لوضع حد لما يمكن نسبته رسميا إلى الدولة.

 

لقد خرجت موريتانيا من الحرب سنة 1979، لكنها لم تخرج من الجغرافيا؛ واليوم تفرض هذه الجغرافيا أسئلتها الحيوية مع اقتراب النقاشات الدولية من تفاصيل التسوية المستقبلية.

 

إن نواكشوط لا تريد أن تتحول ورقة الحدود إلى مصدر توتر مع المغرب، وفي الوقت ذاته لا يمكنها القبول بتسوية تترك أمن حدودها الشمالية وقضاياها البحرية مفتوحة على الغموض والتأويل.

 

وإذا حاولنا النظر إلى ما بعد الجدل الحالي، فإن مستقبل الكويرة يبدو مفتوحا على ثلاثة مسارات رئيسة؛ فإما استمرار الوضع القائم بما فيه من غموض إداري وسياسي، أو إدماجها ضمن ترتيبات نهائية إذا انتهت التسوية إلى صيغة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو اللجوء إلى ترتيبات تقنية وأمنية جزئية تعالج الإكراهات العملية من دون حسم كامل لمسألة السيادة.

 

وفي جميع الحالات، سيكون موقف موريتانيا حاضرا بحكم الجغرافيا والمصالح المباشرة، وهو ما يفسر إصرارها على ألا تترك مسألة الحدود رهينة للغموض.

الأحدث