تخطى الى المحتوى

المادة 99 من الدستور من السعي إلى تحصين المأموريات إلى سلب السيادة الشعبية

 د. حرمه محمد نعمه - باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية

جدول المحتويات

منذ إقرار "المراجعة الدستورية" لسنة 2006، التي كرّست مبدأ حصر المأموريات الرئاسية في مأموريتين، لم تكد تبدأ المأمورية الثانية لأي رئيس منتخب حتى يعود الجدل السياسي و"الدستوري" حول حدود هذا الحصر؛ بين من يدعو إلى فتح الباب أمام مأمورية ثالثة، ومن يرى في ذلك مساسًا بمقتضى دستوري صريح لا يجوز تجاوزه.

 

وقد ظل هذا الجدل، في جانب كبير منه، أسيرًا للتجاذبات السياسية والمواقف المؤيدة أو الرافضة، أكثر مما كان مجالًا لنقاش دستوري هادئ تُقارع فيه الحجة بالحجة، وتُقرأ فيه النصوص في ضوء بعضها البعض، وفي إطار السياق الدستوري العام الذي تنتظم فيه.

 

ومن هذا المنطلق، وحرصا على المساهمة في إثارة نقاش دستوري جاد في هذه القضية - بعيدا عن مزايدات الساسة - يهمني كباحث في هذا المجال، الإشارة إلى أن أي قراءة دستورية علمية وموضوعية لموضوع المأموريات لا ينبغي أن تنحصر فقط في المادة 99، مهما كانت الأهمية التي تكتسيها هذه المادة في تنظيم إجراءات تعديل الدستور. لأن هذه المادة، تثير إشكالات دستورية عديدة تتعلق بمدى انسجامها مع مبادئ وأحكام دستورية أخرى، وفي مقدمتها مبدأ سيادة الشعب (أولا)، والأحكام المتعلقة ببعض المعاهدات الدولية (ثانيا)، والاستفتاء (ثالثا)، على النحو الذي سنبينه أدناه.

 

وتزداد أهمية إثارة هذا النقاش في ظل قرب انطلاق الحوار السياسي المرتقب، والذي يُنتظر أن يحتل فيه موضوع الإصلاح السياسي والدستوري موقعًا متقدمًا. ومن هنا، فإن الغاية من إثارة هذه الملاحظات لا تقف عند حدود مناقشة قضية المأموريات، ولا تستهدف ترجيح موقف سياسي على آخر، وإنما تتجاوز ذلك إلى إثارة انتباه المختصين والفاعلين السياسيين، لتسليط الضوء على الإشكالات الدستورية التي تطرحها هذه المادة، بغية معالجتها في أي مراجعة دستورية مقبلة.

 

وقبل بيان تلك الإشكالات، لا بد من الإشارة في البداية إلى أن الجدل المتعلق بمسألة تحصين بعض أحكام الدستور ضد المراجعة – أو ما يعرف بالحظر الموضوعي - ليس جديدا، وإنما هو جدل فقهي قديم حول مدى مشروعية القيود التي تفرضها سلطة تأسيسية على سلطة تأسيسية لاحقة.

 

وقد انقسم الفقه الدستوري في هذا الشأن مذاهب شتى، بين اتجاه يرى في مثل هذه القيود ضمانةً لحماية بعض المبادئ والأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري، واتجاه آخر ينازع في مدى مشروعيتها، تأسيسًا على أن السلطة التأسيسية التي تضع دستورًا لجيل من الأجيال لا تملك، من حيث المبدأ، أن تصادر إرادة الأجيال اللاحقة أو أن تحول دون ممارستها لسلطتها التأسيسية،  بل إن بعض الفقه ذهب إلى  القول بتجريد النصوص التي تحظر بصورة دائمة تعديل بعض أحكام الدستور من القيمة القانونية؛ تأسيسًا على استحالة أن تُلزم سلطة تأسيسية، تنتمي إلى جيل معين، سلطة تأسيسية لاحقة تعبّر عن إرادة أجيال أخرى من الأمة. وهو التصور الذي يجد له صدى تاريخيًا فيما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي توماس جيفرسون في رسالته إلى جيمس ماديسون سنة 1789، التي خلص فيها إلى أنه لا يجوز لأي مجتمع أن يضع دستوراً دائما أو حتى قانوناً دائماً يلزم به أجيالاً لم تستشر ولم توافق عليه.

 

وقد حاول الأستاذ الدكتور "ثروت بدوي" أن يقف موقف وسطا بين الرأيين فتبنى رأيا تغلب عليه الواقعية  بقوله: "أن واقع الحياة السياسية لا يقف كثيرا عند الاعتبارات القانونية المحضة ولا يتشكل بما تمليه هذه الحجة أو تلك من الحجج المنطقية التي يستند عليها الفقهاء، لذلك فسواء قلنا – والكلام دائما لبدوي – بسلامة النصوص الدستورية المانعة من التعديل أو قلنا بعدم قانونيتها، فإن قيمتها الفعلية تتوقف على مدى تجاوبها مع حاجات الجماعة، لذلك فإذا ما فقدت هذه النصوص تأييد الجماعة أو تزعزع إيمانها بأحكامها، فلن يجدي الاعتراف لها بقيمة قانونية ملزمة ولن يحول هذا الاعتراف دون تعديلها، كما أن القول بعدم مشروعيتها لن يؤدي إلى تعديلها قبل أن يستقر في ضمير الجماعة ويسود الاعتقاد في ضرورة إجراء هذا التعديل".

 

ودون الدخول في تفاصيل هذا الجدل الفقهي، وإذا ما عدنا إلى نصوص الدستور الموريتاني، نجد أن هذا الدستور تضمن نوعين من حظر التعديل؛ أحدهما زمني، يتعلق بحظر تعديل الدستور خلال فترة الإنابة الرئاسية، حيث نصت الفقرة الأخيرة من المادة 40 من الدستور، على أنه: "لا يمكن إدخال أي تعديل على الدستور سواء عن طريق الاستفتاء أو عن طريق البرلمان خلال فترة الإنابة".

 

أما الحظر الثاني فهو حظر موضوعي، يستهدف منع تعديل بعض أحكام الدستور بشكل دائم من بينها، مدة مأمورية رئيس الجمهورية وقابليتها للتجديد مرة واحد، وتضمنته الفقرة الرابعة من المادة 99 من الدستور.

 

ولا يثير النوع الأول المتعلق بمنع التعديل في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية إشكالا كبيرا، بحكم ارتباطه بظرف موضوعي خاص، يتعلق بقصر فترة مدة الرئاسة بالنيابة، والتي لا يمكن أن تتجاوز  ثلاثة أشهر، إلا في حالة القوة القاهرة التي يثبتها المجلس الدستوري، وبالتالي يبدو منع التعديل هنا منطقيا، لأنه لا ضرورة لتعديل الدستور في ظرف قصير  كهذا ، خاصة إذا علمنا أن السلطة التنفيذية في هذه المرحلة تكون في حالة تشبه المرحلة الانتقالية، حيث أن الحكومة تعتبر مستقيلة من يوم شغور منصب رئيس الجمهورية، كما أن رئيس الجمهورية بالنيابة، ورغم أنه يحوز على الشرعية الدستورية، إلا أنه تعوزه المشروعية الشعبية، إذ لا يجد مصدره في الانتخاب من طرف الشعب، وعليه لا يحق له أن يباشر امتيازا منحه الدستور أصلا لرئيس الجمهورية المنتخب نظرا لحيازته على ثقة الشعب الذي انتخبه (أي حق اقتراح تعديل الدستور، واللجوء إلى الاستفتاء).

 

وعلى عكس النوع الأول (الحظر الزمني)، فإن الحظر الثاني (الحظر الموضوعي) الوارد في المادة 99 من الدستور، يستهدف منع تعديل بعض أحكام الدستور بشكل أبدي، ولا يقف أثره عند تحصين بعض الأحكام من المراجعة على ما يثيره من إشكالات تتعلق بحدود سيادة الشعب، وإنما يصطدم كذلك، ببعض المقتضيات الدستورية الأخرى، على نحو يوحي بوجود تضارب في الأحكام الدستورية، ويجعل الحاجة ماسة لإعادة النظر في هذه المادة بما يضمن انسجامها مع بقية أحكام الدستور، على النحو الذي سنحاول توضيحه في النقاط التالية:

 

أولا: المادة 99 ومبدأ سيادة الشعب المكرس بموجب المادة 2 من الدستور

تعني السيادة في أبسط مدلولاتها «السلطة العليا في الدولة، التي لا تعلوها سلطة، الأمر الذي يجعل مالكها هو صاحب الكلمة النهائية في هذه الأخيرة (أي الدولة)".

 

وقد نصت المادة 2 (جديدة) من الدستور الموريتاني المعدل في فقرتها الأولى على ما يلي: "الشعب هو مصدر كل سلطة"، كما نصت الفقرة الثانية من نفس المادة على أن: "السيادة الوطنية ملك للشعب الذي يمارسها عن طريق ممثليه المنتخبين وبواسطة الاستفتاء، ولا يحق لبعض الشعب ولا لفرد من أفراده أن يستأثر ممارستها".

 

وعند التمعن في هاتين الفقرتين اللتين تجعلان الشعب مصدر كل سلطة، ومالك السيادة، يتضح أنهما تتعارضان مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 99 المتعلقة بالحظر الموضوعي، سواء من حيث امتلاك السيادة أو  ممارستها، ذلك أن سيادة الشعب - التي تفيد امتلاكه السلطة العليا في الدولة - هي سيادة مطلقة تشمل جميع النواحي، وفي مقدمتها سيادة الشعب على دستوره، كل دستوره، وما دام الشعب يملك السيادة، بموجب المادة 2 وسيادته تشمل الدستور، فإنه يحق له أن يتصرف فيما يسود عليه ويملكه، وفي مقدمة هذا الحق التصرف فيه بالإلغاء والتعديل، غير ذلك يجعل هذه السيادة ناقصة.

 

ويتأكد الأمر أكثر، إذا أمعنا النظر أكثر في العبارة الواردة في الفقرة الثالثة من هذه المادة القاضية "بأنه لا يحق لبعض الشعب ولا لفرد من أفراده أن يستأثر بممارستها"، لأن هذه العبارة تمنع احتكار السيادة على غير الشعب، فلا يجوز لجيل معين ولا لحزب ولا لأغلبية سياسية، ولا لحاكم أو جهة، احتكار السيادة أو الانفراد بها.

 

ومن هنا نكتشف بوضوح أن مقتضيات الفقرة أعلاه، لا يمكن أن تستقيم في ظل العمل بما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة 99 المتعلقة بالخطر الموضوعي، لأن من شأن هذه الأخيرة (أي المادة 99) أن تجعل جزءا من الشعب ممثلا في ناخبي 2006 مستأثرا بالسيادة، أي منفردا بها، دون الجزء الآخر؛ أي ناخبي ما بعد 2006، وهو ما يتناقض صراحة مع نص ورح المادة الثانية كما أسلفنا.

 

ومعلوم أن المادة 99، وإن كانت تستمد شرعيتها من الشعب، إلا أنها لا يمكن أن تكون فوق سيادته، كما أن سيادة الشعب، لا تنقضي بإقرار الدستور، حتى يستأثر الجيل الواضع والموافق على الدستور بهذا الأخير، وإنما تبقى مستمرة بصريح المادة 2 نفسها، ولا يصح الحد منها، على نحو يحول بين مالك السيادة، وممارسة هذه السيادة بشكل نهائي وأبدي، على النحو الذي سنبينه في النقطة الثالثة أدناه المتعلقة بالاستفتاء.

 

وبهذا المعنى لا تكون المادة 99 استثناء على المادة الثانية آنفة الذكر، بقدر ما تشكل خروجا على مقتضى مبدأ سيادة الشعب، بطريقة تشي بخلق سيادة من نوع خاص يمكن تسميتها بـ"سيادة المادة 99"؛ تسمو على السيادة الواردة في المادة 2، باعتبار أن إقرار حظر موضوعي دائم على تعديل بعض القواعد الدستورية يترتب عليه تحديد إرادة تأسيسية سابقة، بصورة نهائية، المجال الذي يجوز لإرادة الشعب، أن تمارس فيه سلطتها التأسيسية مستقبلًا. وهو ما يتناقض مع سيادة الشعب التي تقتضي أن تظل الإرادة الشعبية صاحبة الكلمة النهائية في تقرير قواعد نظامها الدستوري.

 

ومن هذا المنطلق تحرص دساتير البلدان الديمقراطية على تضييق هذا النوع من الحظر لأقصى حد، بل إن بعضها يستبعده كلياً، ويكتفي بتعقيد الإجراءات الشكلية دون المساس بحق الأمة في مراجعة أي حكم من أحكام دستورها. لذلك نجد دولاً كإسبانيا وهولندا تخلو دساتيرها من أي حظر موضوعي مطلق، مكتفيةً بفرض إجراءات مشدَّدة تتدرج بحسب خطورة، وأهمية المسألة المراد تعديلها، تاركةً بذلك الباب مفتوحاً أمام الشعب، ولو بصعوبة بالغة، لإعادة النظر في أي حكم دستوري مهما بلغت قداسته، بما في ذلك شكل نظام الحكم ذاته.

 

وحتى إذا رجعنا إلى التجربة الدستورية الفرنسية التي استقى منها المشرع الدستوري الموريتاني - بل نقل عنها، على الأصح – أغلب أحكام الدستور، سنلاحظ ذلك بوضوح، فلم يحصّن المشرع الدستوري الفرنسي من التعديل تحصينًا مطلقًا سوى شكل النظام الجمهوري، باعتباره عنصرًا محددًا لهوية النظام السياسي ذاته. وهو اختيار يبرره البعض بكون طبيعة نظام الحكم تمثل خيارًا تأسيسيًا قد يمتد في وجوده أبعد من عمر الدساتير التي تنظمه، شأنها في ذلك شأن بعض الثوابت الدستورية ذات الطبيعة التأسيسية (كدين الدولة والشعب)، لذلك، فلو اقتصر الحظر الموضوعي في الدستور الموريتاني على الإسلام، بوصفه دين الدولة والشعب، أو حتى على النظام الجمهوري لما أثير الإشكال ذاته من زاوية سيادة الشعب؛ لأن الحظر حينها سيكون منصبّا على عنصر محدد من عناصر هوية الدولة، معروف أنه موضع إجماع أو قريب من الإجماع. وليس منصبّا على نطاق ممارسة الشعب لسلطته التأسيسية، ولا على قدرته من حيث المبدأ على إعادة النظر في القواعد التي تحكم اختيار من يتولى السلطة فيه.

 

صحيح أنه قد يجادل مجادل بالقول إن الشعب نفسه، هو من وافق على هذه المادة، وأن أهمية تحديد المأموريات – على سبيل المثال - للديمقراطية هي التي دفعت المشرع لمنع تعديله مطلقا، وكلا القولين مردود عليه، فكون الشعب وافق على الدستور تعني أمرا واحدا هو أنه لا يحق لغير الشعب أو من فوضه المساس بما وافق عليه الشعب تغييرا أو إلغاء.

 

وحتى وإن صح منع من فوضه الشعب ممارسة السيادة باسمه، من تعديل بعض أحكام الدستور لسبب ما، فإن ذلك لا ينبغي أن يصل لدرجة منعه على الشعب نفسه، حتى لا ننتقص من سيادة الشعب، أو نجعل بعضه مستأثرا بالسيادة على أحكام معينة في الدستور دون البعض الآخر، وهو ما سبق وأن أشرنا إلى منعه بالمادة 2.

 

أما بخصوص القول بأن أهمية مواضيع الحظر المؤبد هي مبرر منع تعديلها فمردود عليها، بكون الأهمية لا تصح مبررا للمنع الأبدي، ويكفي للدلالة على ذلك، التذكير بأنه لا شيء أكثر أهمية بالنسبة للدولة من ترابها باعتبارها ركنا من أركان وجودها ترتبط به وجودا وعدما، ومع ذلك سمح الدستور للشعب بإمكانية التنازل عن جزء منها، مع العلم أنه لا تعارض بين إيلاء بعض المواضيع أهمية خاصة وتركها خاضعة لإرادة الشعب يبت فيها وقت ما يشاء، وإلا فبأي منطق تكون الديمقراطية أولى من الإقليم؟ أو من الإسلام دين الشعب والدولة الذي لم تدرجه المادة 99 في محظوراتها؟

 

وبطبيعة الحال لا يعني ذلك استبعاد إمكان أن يعمد الدستور إلى تحصين بعض الموضوعات ذات الأهمية الخاصة من التعديل، بالنظر إلى طبيعتها ومكانتها، غير أن ذلك يجب أن يبقى في نطاق سيادة الشعب، بمعنى أن الإشكال في هذا الصدد، لا يتعلق بتقرير الحظر نفسه، وإنما يتعلق بمداه، أي؛ هل ينصرف هذا الحظر إلى السلطات التي تمارس السيادة باسم الشعب (المنتخبين)، أم إلى الشعب نفسه، بوصفه صاحب السيادة ومصدر السلطات، أم هما معا؟

 

ولا شك إن الإجابة عن هذا التساؤل، في ضوء تكريس الدستور الموريتاني لمبدأ سيادة الشعب، وتبني ديمقراطية نظام الحكم، تقتضي أن ينصرف التحصين إلى ممارسي السيادة نيابةً عن الشعب، دون أن يمتد إلى الشعب ذاته، الذي ينبغي أن تظل له الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بممارسة سلطته التأسيسية، وليس في ذلك خروج على الدستور، وإنما هو، التطبيق الأكثر اتساقًا مع منطقه الديمقراطي ومقتضى مبدأ سيادة الشعب.

 

وفي هذا الإطار تجدر الإشارة فيما يتعلق بموضوع الديمقراطية، إلى أن المادة 99 لا تضمن تداولا ديمقراطيا حقيقيا على السلطة، وإنما توفر تداولا بقوة النص الدستوري، أي تداولا شكليا فرضه النص، لا الشعب، والتداول الحقيقي على السلطة، هو ذلك الذي يتم بإرادة الناخب لا بفرض النص، والدليل على ذلك أن الديمقراطية في البلدان الغربية، تكرست قبل اعتماد تحديد المأموريات فلم يعرفه دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا – المثل الأعلى لبعض نخبتنا في الديمقراطية - قبل 2008، كما لم تعرفه الولايات المتحدة قبل 1951، مع الإشارة أيضا إلى أن كلا البلدين لا يدرج موضوع المأموريات في إطار المواضيع المحظور تعديلها، بل إن بعض البلدان الديمقراطية لا تعرف الحظر الأبدي نفسه كما سبق وأن أشرنا.

 

وبناء عليه، لا يكفي لتبرير الحظر الموضوعي الوارد في المادة 99، القول إنه يكفل تناوبا ديمقراطيا (مع عدم دقة ذلك)، ذلك أنه إذا كان مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة، مبدأ دستوريا صريحا في النظام الدستوري الموريتاني، وليس مجرد عرف سياسي أو اتفاق أخلاقي بين الفاعلين السياسيين على حد وصف البعض، فإن مبدأ سيادة الشعب مبدأ دستوري سابق على الأول ترتيبا وأهمية، والسيادة للشعب قبل أن تكون للنص الدستوري.

 

وإذا كانت قاعدة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة تتمتع بحماية دستورية خاصة؛ لأن المادة 99 أدرجتها ضمن المبادئ التي لا يجوز الشروع في مراجعة تمسها، فإن مبدأ سيادة الشعب أيضا مسيج بسياج دستوري خاص يتمثل في منع أي جزء، أو جيل من الشعب أن يستأثر بالسيادة دون غيره.

 

ثانيا: المادة 99 والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحدود المنظمة بموجب المادتين 2، و78

تنص الفقرة الأخيرة من المادة 2 من الدستور الموريتاني على أنه: "لا يتقرر أي تنازل عن السيادة جزئيا كان أو كليا إلا بقبول الشعب له".

 

وتشترط المادة 78 من نفس الدستور، للتصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحدود الدولة موافقة الشعب، إذ تقول: "... فلا صحة لتنازل عن جزء من الأراضي الإقليمية أو تبديله أو ضمه بدون رضا الشعب الذي يدلي برأيه عن طريق الاستفتاء".

 

ومع أن هاتين الفقرتين صريحتان في إمكانية التنازل عن جزء من الأراضي أو تبديله شرط موافقة الشعب، فإن المادة 99 تحظر ذلك مطلقا، حيث أقامت حظرًا مطلقًا على مجرد الشروع في أي مراجعة دستورية تمس الحوزة الترابية، وهو ما يجعلنا أمام تعارض صريح بين هذه المواد، يتعلق بمدى اتساق الحظر المطلق الوارد في المادة 99 مع المقتضى الدستوري الصريح، الذي اعترف للإرادة الشعبية المباشرة بدور حاسم في أي مسألة تتصل بالحوزة الترابية، الوارد في المادتين 2 و78؛ فقد نص الدستور صراحة على وجوب إبداء الشعب رأيه في أي إجراء يتعلق بالحوزة الترابية عن طريق الاستفتاء، بل وحدد في الفقرة الأخيرة من المادة 78 النسبة المطلوبة لذلك من أصوات الشعب. فكيف يستقيم، منع الشروع أصلًا في أي مراجعة تتعلق بذلك؟ بعبارة أوضح كيف يستقيم أن ينص المشرع في نصين صريحين على مقتضى ثم يمنعه في نفس الوقت؟ وماذا لو أبرمت الجمهورية الإسلامية الموريتانية اتفاقية دولية تتعلق بالحدود ترتب عليها ضم أو مبادلة أراضي بأخرى، أو تنازل؛ كيف يمكن المصادقة عليها في ظل حظر المادة الوارد في المادة 99؟ وهل نطبق المادتين 2 و78 أم المادة 99؟

 

وقد تثير هذه الحالة المتعلقة بالمادة: 78، أيضا تضاربا صريحا بين المادة 99 والمادة 29 المتعلقة باليمين الدستورية، ذلك أن رئيس الجمهورية، أقسم في اليمين الأول الوارد في الفقرة الأولى من هذه المادة – الذي لا أحد يتحدث عنه - على مزاولة مهامه مع مراعاة أحكام الدستور، وإعمال المادتين 2 و78 يلزمه بالعودة للشعب في كل قضية تتعلق بالحوزة الترابية. لكن المادة 99 تمنع ذلك في هذه الحالة، ما يجعل رئيس الجمهورية بين خيارين أحدهما تطبيق المادتين 2 و78 والعودة للشعب، وحينها سيصدم الاستفتاء بالحظر الوارد في المادة 99. أما الثاني فيلتزم بأحكام المادة 99، وهو ما لا يبدو منسجما مع قسمه الصريح في المادة 29 بأداء مهامه مع مراعاة أحكام الدستور، لأن فيه تعطيلا صريحا لنصوص دستورية صريحة.

 

ثالثا: المادة 99 وممارسة الاستفتاء الشعبي المنصوص عليه في المادتين 2 و38

يشكل الاستفتاء أحد وجهَي ممارسة السيادة، حيث تمارس هذه الأخيرة، وفقا للمادة 2 من الدستور بطريقة مباشرة عن طريق الاستفتاء وبطريقة غير مباشرة عن طريق المنتخبين، وطبقا لأحكام الدستور الموريتاني، يمارس الشعب سيادته بواسطة الاستفتاء في الحالات التالية:

- حالة التنازل عن السيادة جزئيا أو كليا (المنصوص عليها في المادة 2)؛

- حالة التنازل عن جزء من الأراضي الإقليمية أو تبديله (المادة 78)؛

- حالة استشارة رئيس الجمهورية للشعب في قضية ذات أهمية وطنية (المادة 38)؛

- حالة عرض الاستفتاء الدستوري على الشعب (المادة 99).

 

وبالنظر للحالات الأربع أعلاه، ومع أن الشعب حال ممارسته للسيادة، لا يتصور دستوريا ولا ديمقراطيا تعطيل ممارسته لهذه السيادة، رأينا أن المادة 99 تقطع الطريق كليا عليه؛ فيما يتعلق بالحالتين الأولى والثانية، فلا يمكن للشعب ممارسة السيادة عن طريق الاستفتاء المنصوص عليه في المادتين 2 و78 بفعل المنع الوارد في المادة 99 على النحو الذي سبق وأن بينا أعلاه.

 

وبالإضافة إلى ذلك لا يبدو الحظر الموضوعي المكرس بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 99 منسجما مع إطلاق سلطة رئيس الجمهورية في اللجوء إلى استفتاء الشعب المنصوص عليها في المادة 38 من الدستور التي جاء فيها: "لرئيس الجمهورية أن يستشير الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية".

 

فهذه المادة لم تقيد سلطة رئيس الجمهورية بخصوص موضوع الاستشارة، ما يعني أن المشرع الدستوري ترك له، من خلالها، حق الرجوع إلى الشعب في أي  قضية مهمة، مع العلم أن تقدير الأهمية يرجع لرئيس الجمهورية، وهذه الأهمية قد تكون في استشارة الشعب حول قضية من شأنها أن تتعارض مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 99، وبالتالي لو أراد المشرع الدستوري تقييد سلطة رئيس الدولة عند استشارته للشعب لأضاف عبارة "مع مراعاة مقتضيات المادة 99 " أو لألزم بعرض موضوع الاستفتاء على المجلس الدستوري للتأكد من مطابقته للدستور كما فعلت تشريعات دستورية عديدة.

 

وحتى إذا اعتبارنا أن المادة 38 مقيدة بالمادة 99؛ بمعنى أنه لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يعرض على الشعب ما يتعارض مع المواضيع المحددة في المادة 99، مهما كانت أهميته، فإن ذلك لا ينهي الإشكال الذي تثيره هذه المادة، حيث يبرز السؤال ماذا لو استخدم رئيس الجمهورية المادة 38 وعرض المادة 99 نفسها على الشعب؟

 

ويبدو هذا التساؤل واردا بل ومشروعا، إذا علمنا أنه لا يوجد نص دستوري يمنع رئيس الجمهورية من تقدير أهمية عرض المادة 99 نفسها على الشعب للإدلاء برأيه فيها، أو غيرها، ذلك أن المادة 99 وإن كان المشرع الدستوري قد حصن بها بعض المواضيع، - على علاته - إلا أنه لم يحصنها هي، فلم ترد في الدستور أي إشارة صريحة في منع مراجعة هذه المادة مطلقا، أو عرضها على الشعب ليقول كلمته فيها، وبالتالي لا يثير هذا الإجراء أي إشكال من الناحية الدستورية، لأن السند الدستوري لهذا العرض على الشعب لا لبس فيه، كما لا يثيره من الناحية الديمقراطية، لأن المستفتي  أي رئيس الجمهورية، مارس صلاحية دستورية له والمستفتى (بالفتح) الذي هو الشعب مالك السيادة والآلية (أي الاستفتاء) وسيلته لممارستها.  

 

ختاما، نخلص إلى القول، إن الصيغة الحالية للمادة 99، تحتاج إلى إعادة نظر، لمواءمتها مع بقية أحكام الدستور، خصوصا المقتضيات المتعلقة بسيادة الشعب، لأن الحفاظ على الدستور لا يكون بتحصين إرادة الحاضر في مواجهة المستقبل، وإنما بصون التوازن الدقيق بين استقرار القواعد الدستورية وقدرة الأجيال المتعاقبة، على مراجعة اختياراتها الدستورية في إطار السيادة الشعبية، متى قامت لذلك أسباب قانونية ودستورية وجيهة.

 

صحيح  أن تعديل  الدستور لا يبرر، بمحض ذكر الإنجازات، مهما بلغت أهميتها، وإنما بالمبررات القانونية التي تكشف عن ضرورة التعديل ومشروعيته،  لكن الديمقراطية أيضا لا تتحقق بمجرد تحديد المأموريات، وإنما بشفافية الاقتراع، والحجر على الإرادة الشعبية في البت في موضوع معين لا يختلف كثيرا عن تزويرها، لأن النتيجة واحدة؛ في الأولى تغييب للإرادة، وفي الثانية تحريف لها، وبالتالي فالأولى هو تحصين الإرادة الشعبية بما يضمن تعبيرها بصدق عن  إرادة الشعب، عن طريق وضع مدونة انتخابية تضمن نزاهة وشفافية أي عملية انتخابية أو استفتائية، وليس تحصين النصوص في مواجهة الإرادة الشعبية، بحظر تعديلها مطلقا كما تذهب المادة 99.

الأحدث