جدول المحتويات
حين يهمس الرئيس الإيراني بالفارسية يترجم العالم همسه وينقله إعلام الدنيا، وحين ينبس أردوغان ببنت شفة يتردد صدى كلامه بالتركية في الآفاق. وكلاهما لا يخاطب العالم إلا بلغته، وإن عدّهما البعض بذلك من "أحاديي اللغة".
ولأردوغان عبارة بليغة في هذا الباب تعود إلى حملته الرئاسية عام 2014، حين ووجه بإتقان منافسه المرشح حينها أكمل الدين إحسان أوغلو ثلاث لغات، فتساءل: "هل نبحث عن مترجم أم عن قائد يدير البلاد؟!".
ذلك أن العالم ينصت إلى الدول بما لها من وزن وما تملكه من قدرة على التأثير في مصالحه وحساباته، وحين يجد عندها ما يستحق الإصغاء يبحث عمن يترجم كلامها ويستجلي مقاصدها. ومهما أتقن المسؤول من لغات الآخرين، فإنها لن تمنح كلامه أهمية ليست في مضمونه، ولن تضفي على بلده وزنا لا تسنده "أفعاله".
وقد عاينت في مهماتي الصحفية ما جعلني أتأمل هذا الأمر بعيدا عن سجالاتنا اليومية. فلم أنس أن الترخيص الذي منحته لي الحكومة الإثيوبية للعمل خلال مهمة صحفية في نوفمبر 2017 كان مكتوبا بالأمهرية، وحين قصدت إحدى وزاراتها لم أجد من يستطيع - أو يريد - الإدلاء لي بتصريح بالإنجليزية، فكان عليّ أن أستعين بمترجم.
وفي أذربيجان، خلال مهمة صحفية في سبتمبر 2022، تكرر المشهد ذاته مع غالبية المسؤولين الذين التقيتهم، إذ كان أغلبهم يؤثر الحديث بالأذربيجانية، وهي لغة تنتمي إلى عائلة اللغات التركية. كانوا يتحدثون عن بلدهم بلغتهم في اطمئنان من لا يرى في ذلك نقيصة تستوجب الاعتذار أو الشعور بالنقص.
وفي بنغلاديش خلال مهمة صحفية في سبتمبر 2019 لم يتجاوز حديثي المباشر مع محافظ "كوكس بازار" حدود مجاملات بسيطة، قبل أن "يغرق" في الحديث بلغته الأم.
استعدت هذه التجارب وأنا أقرأ تعميم الوزير محمد ولد بابانا بإلزام المصالح التابعة لوزارته باستخدام العربية في الوثائق والمراسلات الموجهة إليه، وهو قرار شجاع يعيد إلى اللغة الرسمية اعتبارها في العمل الإداري.
على أن التساؤل يظل واردا ووجيها: كيف أصبح استعمال لغتنا الرسمية داخل مؤسساتنا حدثا يستحق التنويه؟ وكيف طال بنا الاعتياد حتى غدا الطبيعي استثناء يستوقف الناس ويثير الجدل؟!
وأشد ما يبعث على التأمل أن العربية، بما تحمل من تراث فكري وعلمي وأدبي، ما تزال عند بعضنا موضع ارتياب حين يتعلق الأمر بشأن عام أو مخاطبة جمهور! وقد يقود هذا الارتياب أحدهم -حين لا يلزمه ذلك - لأن يتكلف الحديث بلغة أجنبية يتعثر فيها لسانه ولا يسعفه بيانه في شرح فكرته أو تبيين حجته. ويزداد الأمر غرابة حين يخاطب المسؤول جمهورا من أبناء بلده بلغة لا يفهمها كثير منهم، فيغدو كلامه محتاجا إلى ترجمة!
ومن هنا تتصل السيادة اللغوية بصميم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبقدرة هذا المجتمع على التفاعل معها في انسياب وأريحية، وعلى المشاركة في شؤونه ومراقبة من يتولى أمره.
جميل أن تتحول قناعة المثقف إلى قرار، وجميل أن يختط الوزير المثقف محمد ولد بابانا لوزارته مسارا لغويا نابعا من روح الأمة وثقافتها وحضارتها، وأن تجد العربية على يديه موضعها المستحق في العمل الإداري. ونأمل أن يجد قراره من المتابعة ما يرسخه، ومن الاقتداء ما يوسع أثره في سائر مؤسسات الدولة.
فالسيادة اللغوية جزء من السيادة الوطنية، ومن حق لغتنا أن تكون صاحبة مقام في مؤسسات بلدنا، ومن حقنا أن نخاطب بها العالم في ثقة، ونترك لمن يريد سماعنا مهمة الترجمة.