جدول المحتويات
في الآونة الأخيرة، لوحظ بشكل سافر التجمهر لدى بيوتات الناس، تعزيةً في فقيد، أو تهنئةً بمنصب، أو مواساةً في إعفاء؛ وكل ذلك محمود، يدخل في سياق التواصل المجتمعي والتعاضد والتقدير وإنزال الناس منازلها.
لكن الغريب فعلًا هو انتشار هذه الظواهر بشكل فجّ، مع سهولة النشر وسيولته، وما رافق ذلك من تصوير وتوثيق لحظي، جعل الأمر يبدو وكأنه استعراض، وابتسامات للكاميرا، حتى في أحلك أوقات الناس حزنًا، وأشد لحظاتهم انكسارًا.
لم تعد المسألة، في بعض تجلياتها، مجرد مواساة أو مشاركة وجدانية، بل باتت أقرب إلى إعلان الحضور وإثبات الموقف أمام جمهور افتراضي، لا يكاد يفوته شيء، ولا ينسى غياب أحد عن مشهد اعتاد أن يراه فيه.
دبلوماسية التعازي
ليسمح لي باحثو علم الاجتماع بالتطفل على حقل تجاربهم، والضرب بمنجلِ غيرِ خبير؛ فقد أفقت على هذه الظاهرة قبل عقدين من الآن تقريبا، في مواسم سياسية معروفة، حرص فيها قادة حملات انتخابية على شدّ الرحال إلى التعزية في أشخاص لهم مكانة علمية ومالية مشهودة، سعيًا إلى كسب ناخبين كبار، من محيط الأعلام المتوفين وذويهم.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الظاهرة تكبر ككرة ثلج لم يذبها حرّ هذه البلاد.
ومع أن ما يمكن تسميته «دبلوماسية التعازي» كان، في بداياته، مرتبطًا بحسابات انتخابية تتباعد بتباعد المواسم والاستحقاقات، فإن الظاهرة استمرت حتى بين تلك المواعيد، وأصبحت التعزية في كل فقيد تحظى أسرته أو محيطه بحظوة في المجتمع أشبه بواجب اجتماعي لا يسع المرء التخلف عنه، بصرف النظر عن طبيعة علاقته بالفقيد أو أسرته، وعن مقدار ما يربطه بهما من معرفة أو مودة.
غير أن السنوات الأخيرة أضافت إلى هذه العادة التوثيق المصور والنشر اللحظي؛ ليعلم من لم يكن على علم، وليُحرج من ليس من عادته التعزية في الحضر أو السفر، فيجد نفسه مقصرًا إن لم ينضم إلى الركب المتجه نحو مكان العزاء، أو لم يُظهر حضوره على الملأ؛ وهكذا اتسع الخرق على الراقع، حتى صار الغياب نفسه حدثًا يستحق التأويل، وربما المساءلة الاجتماعية.
ولم يعد المهم دائمًا أن تكون قد واسيت أهل الفقيد، بل أن يعرف الآخرون أنك فعلت، وبين الأمرين مسافة لا تخفى على من يميز بين أداء الواجب واستعراضه، وبين المواساة الصادقة والرغبة في تسجيل النقاط لدى جمهور لا يملك المرء أن يحدد أذواقه ولا أحكامه.
وهنا تتحول التعزية، في بعض الحالات، من فعل إنساني غايته تخفيف المصاب عن أهله، إلى استثمار في رصيد اجتماعي وسياسي، ومن مناسبة يحيل فيها واقع الموتُ إلى معنى التواضع والمساواة بين الناس، إلى فرصة لاستعراض المكانة والنفوذ وكثرة الأتباع.
ولعل الأخطر أن هذا السلوك، حين يتكرر ويتحول إلى عرف، يفرض على الناس أعباءً لم تكن في أصل العادة؛ في الوقت الذي كان يفترض أن تكون فيه التعزية بابًا للتخفيف عن أهل المصاب، تصبح مناسبة لإرهاق المعزّين أنفسهم، واستنزاف أوقاتهم وأموالهم، وإشعار المتخلفين منهم بالتقصير، ولو كانت لهم أعذارهم أو كانت علاقتهم بالفقيد لا تستدعي كل ذلك.
ولا يمكن إغفال ما أسهمت به سهولة النشر والتصوير في تضخيم هذه الظاهرة، ولا ما يتيحه غياب إطار تنظيمي واضح للمنصات على مواقع التواصل الاجتماعي من فوضى في تداول الصور والمشاهد، وإن كان جوهر المشكلة لا يكمن في التقنية ذاتها، بقدر ما يكمن في الطريقة التي نستعملها بها، وفي ثقافة اجتماعية باتت تقيس بعض الواجبات بمقدار ما تحظى به من ظهور وانتشار.
تهانٍ ومواساة
أما الظاهرة الثانية، فهي تهاني الوزراء والمسؤولين المعينين؛ وهذه أحدث عهدًا، وربما أوسع انتشارًا من أختها، فقد كانت إلى وقت قريب جدًا، تقتصر في الغالب على المعارف والزملاء والأحلاف السياسية، وعلى من تجمعهم بالمعيّن صلة مباشرة أو مصلحة مشتركة، لكنها، - وللأسف - تحولت عدواها إلى الجميع، حتى أصبح صاحب الموقف المعارض يهنئ السياسي الموالي الذي لا يسير سيره، ولا يركن إلى نَجْعته؛ مع تسجيلي في هذه الجزئية أن اختلاف المواقف السياسية لا يمنع من التقدير الإنساني، ولا يوجب القطيعة أو الجفاء.
لكن ما يستحق التأمل هو أن التهنئة بدأت تتحول، في حالات كثيرة، من تعبير اختياري عن الود أو التقدير إلى واجب اجتماعي مفروض، لا يكاد يملك المرء تجاهله دون أن يفتح على نفسه بابًا من التأويلات؛ فإذا هنأ، قيل إنه يتودد أو يتزلف؛ وإذا لم يهنئ، عُدّ صمته موقفًا، وربما صُنّف في خانة الحسد أو الخصومة أو عدم الرضا عن تعيين فلان أو علان.
وقد بلغ الإحراج في هذه الظاهرة حدّه، حتى صار المرء مطالبًا بإثبات حسن نيته في كل مناسبة، ولو لم يكن معنيًا بها أصلًا، فلم يعد كافيًا أن تكون لك مواقفك السياسية وقناعاتك الشخصية؛ بل عليك أن تشرح، بالفعل أو بالامتناع، علاقتك بكل تعيين، وكل ترقية، وكل مغادرة لمنصب.
والأمر نفسه ينسحب على المواساة حين يُعفى مسؤول من منصبه أو يدركه التقاعد؛ إذ قد يُقرأ غياب التدوينة أو رسالة المواساة أو الزيارة في المنزل بوصفه شماتة، كما قد تُقرأ التهنئة بالتعيين على أنها إعلان ولاء مطلق، وهكذا تصبح الكلمات التي يفترض أن تصدر بعفوية، وتُترك لصدق أصحابها، أشبه ببيانات سياسية صغيرة، يُبحث في توقيتها وصياغتها وأصحابها عن إشارات لا تخلو من التكلف.
المشكلة، إذن، ليست في التعزية ولا في التهنئة ولا في المواساة، فهذه كلها من محاسن الاجتماع الإنساني، ومن مظاهر التراحم والتقدير التي لا غنى عنها، بل المأخذ على تحول العادة إلى إلزام، والواجب الأخلاقي إلى ضغط اجتماعي، والموقف الشخصي إلى مادة للتصنيف، ويصبح المرء أسيرًا لما ينتظره الآخرون منه، لا لما يمليه عليه شعوره وقناعته.
وليس مطلوبًا أن نخاصم أعرافنا الاجتماعية، أو أن نستخف بمكانة الناس، أو أن نغلق أبوابنا أمام المعزين والمهنئين؛ فذلك ليس من مقصود الكلام، وإنما المطلوب أن نستعيد لهذه الممارسات معناها الأول، وأن نحررها من المبالغة التي ألحقتها بها وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثقافة الظهور التي جعلت بعض الناس ينشغلون بإثبات أنهم أدوا الواجب أكثر من انشغالهم بأدائه نفسه.
فليس كل من حضر عزاءً متصنعًا، ولا كل من نشر صورة متزلفًا، ولا كل من هنأ مسؤولًا طالب مصلحة؛ إذ تبقى النيات متباينة، ولا يصح اختزال الناس في دوافع واحدة، غير أنه من حقنا أن نتساءل عن العرف حين يصبح ثقيلًا، وعن المجاملة حين تتحول إلى التزام، وعن الصورة حين تتقدم على المعنى، وعن الحضور حين يصبح أهم من الشعور الذي يفترض أن يعبّر عنه.
ثم إن للناس أحزانهم التي لا تحتاج إلى كاميرات، ولهم أفراحهم التي لا تستوجب حشودًا، ولهم علاقاتهم التي لا ينبغي أن تُختبر في كل مرة بمنشور أو تعليق أو صورة، وليس من العدل أن نحمّلهم فوق أعبائهم عبء إثبات المحبة، أو أن نطالبهم بتقديم الدليل على الوفاء، أو أن نحاكمهم على صمت قد يكون أصدق من كثير من الكلام.
ولعلنا بحاجة إلى شيء من التخفف؛ أن نعزي حين نجد في أنفسنا باعثًا صادقًا على المواساة، وأن نهنئ حين يكون للتهنئة معنى، وأن نترك للناس حرية التعبير وحرية الصمت، دون أن نحول أيًّا منهما إلى قرينة إدانة أو شهادة تزكية.
فليست كل مناسبة امتحانًا للعلاقات، ولا كل غياب خصومة، ولا كل حضور محبة، ولا كل صمت شماتة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن ننسى أن التعزية مواساة قبل أن تكون حضورًا، وأن التهنئة تقدير قبل أن تكون مجاملة، وأن المواساة فعل إنساني قبل أن تكون منشورًا، وما عدا ذلك، فربما كان من ضجيج العادات حين تتضخم، ومن أثقال المجاملة حين تستبد بالناس، ومن استعراضات عصرٍ باتت فيه الكاميرا أحيانًا أحرص على تسجيل اللحظة من أصحابها على عيشها بكل ما فيها.
ولعلنا، إن أنصفنا أنفسنا، نحتاج إلى أن نتعلم كيف نؤدي واجباتنا الاجتماعية دون أن نستعرضها، وكيف نحفظ للناس مكانتهم دون أن نرهن مواقفنا لانتظاراتهم، وكيف نترك للتعزية حرمة الحزن، وللتهنئة عفوية الفرح، وللمواساة صدق الشعور؛ فبعض الواجبات يكفي أن تؤديها، ولا يلزم أن تعلن عنها؛ وبعض المواقف يحفظها أصحابها في القلوب، ولا تنتقص من قيمتها قلة الشهود.