جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) - في بيان مقتضب وحاسم اللهجة، نشرت صفحة وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية 8 إبريل 2025 قرار إعفاء والي كيدي ماغا، وقائد كتيبة الدرك الوطني، وقائد التجمع الجهوي للحرس الوطني، والمدير الجهوي للأمن الوطني بالولاية، من مهامهم، تلاه بيان من الرئاسة بنفس المضامين تقريبا.
جاء القرار عقب أحداث عرفتها مدينة سيلبابي، تمثلت - وفق ما أظهرته مقاطع متداولة - في قيام جماهير من سكان مدينة سيلبابي بنبش قبر واستخراج جسد شاب يحمل جنسية مالي توفي في حادث سير في المنطقة، وتم جره بعد استخراجه في الشارع، قبل أن تأخذه السلطة وتواريه في مكان مجهول خارج المدينة.
جاءت حادثة النبش امتدادا لملف تعود جذوره لنهاية نوفمبر 2023، حين أوقفت شرطة سيلبابي عدة أشخاص للاشتباه في اعتناقهم المسيحية ونشرها، عقب تداول فيديو يُظهر أشخاصا في المدينة أثناء حضورهم عملية تعميد مسيحية، وترديدهم عبارات بإحدى اللغات الوطنية تمجد المسيحية وتعتبرها الدين الأمثل.
هيئة العلماء الموريتانيين وصفت ما حدث حينها بأنه "اختراق حضاري، يتمثّل في محاولة التنصير في بعض جيوب الهشاشة"، معتبرة أن هذه المحاولات أوقعت "بعض الأفراد المغرر بهم"، وتستدعي "هبة وطنية قوية تدرأ الخطر وتعيد الأمور إلى نصابها".
وطالبت الهيئة بـ"التطبيق الصارم للقوانين والنظم السارية في البلد، وأن لا تأخذها في ذلك لومة لائم" لأن بعض المواطنين سقطوا ضحية لهذه المحاولات بسبب الجهل أو الطمع، وأن الأمر "ينذر بخطر يهدد أهم مكسب أنجزه الأجداد، وتركوه أمانة في أعناقنا".
وبعد أشهر، وتحديدا أواخر يوليو 2025، عادت القضية إلى الواجهة مجددا، بعد أن وجّه ثلاثة موريتانيين يقولون إنهم اعتنقوا المسيحية، وهم آدم جالو وأبو باه وعمار صو، رسالة إلى والي ولاية كيدي ماغا، طالبوا فيها بمنح المسيحيين مقبرة خاصة بهم، لتتسع الدعوات المناهضة للظاهرة عبر ندوات نظمتها مراكز علمية ونوادٍ ثقافية، ورحلات دعوية، فضلا عن مساءلة برلمانية.
ففي 11 يونيو 2026، قالت البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" ازعوره بنت بيديا خلال مساءلتها لوزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي الفضيل ولد سيداتي، إن المنصرين "يجوبون البلاد دون مراقب ولا رادع، ويستخدمون شتى الوسائل، من إثارة الشبهات وبث الشكوك إلى الترغيب والإغراء".
وقالت بنت بيديا إن الأنشطة التنصيرية تتم أحيانا بعناوين صريحة وواضحة ومعلنة، "مثل ترجمة الإنجيل بالحسانية، واللغات الوطنية وتوزيعه"، وأحيانا عبر واجهات مختلفة "أشد خطورة تعمل في الظلام وتستهدف مناطق الهشاشة الدينية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية، سعيا لبث سمومها".
وأضافت أن هذه المؤسسات تستغل الظروف المعيشية الصعبة للسكان، وهو ما يتقاطع مع ما يقوله دعاة وسكان تحدثت إليهم وكالة الأخبار المستقلة في سيلبابي وضواحيها، إذ يرون أن المظالم التي تعرض لها عدد من سكان الضفة خلال نهاية عقد الثمانينات، وبداية عقد التسعينات، إضافة للجهل والفقر والبطالة عوامل تمثل ثِقل المداخل التي تستغلها الظاهرة في مجتمع الضفة.
مرجعية دينية ومواجهة وطنية
ورد وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي يومها الفضيل سيداتي أحمد لولي بأن المرجعية الدينية والقيمية لموريتانيا تشكل إحدى الركائز الأساسية للوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، وأن الإسلام ظل عبر التاريخ الإطار الجامع الذي وحّد مكونات المجتمع الموريتاني وأسهم في تشكيل هويته الحضارية والثقافية.
وأكد ولد أحمد لولي أن مواجهة الإلحاد والانحرافات الفكرية والثقافية "شأن وطني"، مشددا أن الوزارة تعمل ضمن برامج متعددة تستهدف التأطير الديني وتعزيز الوعي الشرعي وترسيخ المرجعية الإسلامية الوسطية، لأن بناء المجتمعات يحتاج لمنظومة قيمية وثقافية تحفظ التماسك الاجتماعي والاستقرار الوطني.
الثغرة
وفي ظل تحفظ من يعلنون اعتناقهم للمسيحية، وانعزالهم عن غير معارفهم، ورفضهم الحديث لوسائل الإعلام، حاور فريق من وكالة الأخبار المستقبلة أئمة ودعاة ورموزا اجتماعية في المنطقة، اتحدت آراؤهم في أسباب الظاهرة، حيث أرجعوها إلى المظالم والجهل والفقر، فيما تباينت آراؤهم في تشخيص واقعها، وفي آليات مواجهتها.
فينما يجزم الإمام والداعية هارونا باري بأن التنصير وصل إلى المنطقة عن طريق "الجهال الذين لا يعرفون الدين"، مستفيدا من الفقر الذي هو فجوة "يدخل عن طريقها النصارى الذين يأتون من السنغال لموريتانيا عن طريق منظمة غربية تسمى دلوص".
وأوضح أن ما يدفعه إلى اعتبار الفقر ثغرة تستغلها هذه الجهات هو ما يقول إنه يحدث مع بعض من يعتنقون المسيحية، إذ تشترى له دراجة، ويدفع عنها شهريًا نحو 20 ألف أوقية لتسديد ثمنها، فيما قال إنه لا يعرف ما إذا كانت تقدم لهم حوافز أخرى.
ويتفق معه الداعية أيدي جالو، مضيفا أن من أساليب الإقناع التي يستخدمها المنصرون نقاش قضايا المساواة والعدل في مستوى معيشة المواطنين، إذ يسألونهم عن أحوالهم، فيردون بأنهم لا يجدون شيئا منهما.
ويرى جالو أنه على السلطات أن تدرك هذا العامل وتأثيره، وأن تعالج المظالم والظروف التي تساعد على سرعة تفشي المسيحية، مؤكدا أن "المساواة هي الحل"، داعيا إلى زيارة رسمية للقرى والوقوف على مستوياتها المادية وظروف سكانها من فقر وبطالة.
كما دعا إلى فتح المحاظر في القرى، لأن هذه الجوانب في نظره تمثل نقاط ضعف يستغلها المنصرون، مضيفا أن المسيحيين المرتدين لديهم قناعة بأن دينهم هو الدين الصحيح، معتبرا أن تغيير عقلياتهم "صعب".
وقال جالو إنه تحدث معهم كثيرا وناقشهم طويلا، ويرى أن عودة بعضهم للإسلام تبدو مستحيلة، مستغربا أنهم رغم خروجهم من الإسلام علانية إلا أنهم يعلّمون أبناءهم الإسلام لأسباب من بينها غبتهم في تعلم العربية ومعرفة الإسلام، حتى ينخرط أبناؤهم لاحقا في الدعوة إلى المسيحية وهم على علم بالإسلام. وفق وجهة نظره.
وأكد أنه يعرفهم جيدا، ويعرف حقيقتهم، مشيرا إلى أنه يقصد بالأساس قادتهم الذين "يجوبون العالم كله" بحثا عما يدعم حججهم في الدعوة إلى المسيحية، رغم أنهم كانوا مسلمين قبل أن "يرتدوا بكل أسف".
"دعوة سرية"
أما الوجيه الاجتماعي والمصلح المعتمد لدى العدالة في سيلبابي هارون صمبا با، فقال إن تاريخ دخول المسيحية إلى الولاية على وجه الدقة غير معروف، وإن الدعوة إليها بدأت سرا، قبل أن يظهر أتباعها إلى العلن بعد أن شعروا بالثقة والقوة، وبدأوا التحسيس بها "دون خوف كما كان في السابق".
وقدّر صمبا با بداية ظهورها في الولاية بنحو ثلاث إلى أربع سنوات، وقال إن أصحابها بدأوا بعد ذلك حملات تحسيسية، مضيفا أنه خلال توقيف المشتبه فيهم عام 2023 كان عددهم يتراوح بين عشرين وثلاثين شخصا، مردفا أن أحد قادتهم، كان ناشطا في الحزب الحاكم حينها قبل انخراطه في الدعوة إلى المسيحية.
أعداد غير محسومة
أعداد المتنصرين في الولاية غير معروفة بالضبط، ولا تبدو محسومة لدى من تحدثت إليهم وكالة الأخبار، إذ يقول الإمام هارونا باري إنه لا يعرف العدد على وجه الدقة، لكنه سمع إحصائية تتحدث عن ما بين 100 إلى 200 شخص.
وأكد في الوقت نفسه أنه يعرف عددا من كبارهم، وقد حاور بعضهم ووجدهم، وفق وصفه "جهالا بالدين، فقراء يحتاجون من يعينهم"، مضيفا أنه يعرف نحو عشرة من كبار رؤوس المنصرين في سيلبابي.
وقال إن التنصير وصل إلى المدينة وقرى عدة تجاورها، يعرف منها ست قرى تحديدا، لكنه لا يعرف عدد أتباعهم في تلك القرى، لعدم مخالطته لهم.
أما الداعية أيدي جالو فيقول إن آخر إحصائية لديه تشير إلى أن عدد المسيحيين في الولاية قد يصل إلى الآلاف، متأسفا للرقم، موضحا أنها مستندة إلى توقيفات سابقة لبعض المتنصرين في ولاية كيدي ماغا وحدها.
ودعا جالو السلطات العليا للعمل على تحصين المسلمين وحفظ دينهم، عبر الاستقامة في السياسات الحكومية، وإنهاء المظالم، ونشر العدالة بين الجميع والمساواة بينهم، وإعطاء الأئمة دورا أكبر في مواجهة الظاهرة، لافتًا إلى أن القرآن مهجور في قرى الولاية، وكذلك المساجد، رغم توفر المصاحف بكثرة وتعدد المساجد.
ودعا جالو الموريتانيين إلى التفاهم وتعزيز أواصر الأخوة وتوحيد الجهود والدعوة بشكل عام، لمكافحة الظاهرة، مذكرا بأن المؤمن هو من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحبه في الله، ويذكره به.
العلم والمال.. من الحلول..
وعن الحلول، يرى الإمام هارونا باري أن مواجهة الظاهرة المؤسفة ومحاصرتها تبدأ من العلم، وتوفير المساعدات للمحتاجين من المسلمين سواء على الزكاة أو غيرها، وكذا عبر تعليم السكان ومساعدة الفقراء ماديا، وساق من قصصه مع المتنصرين حالة شخص اعتنق المسيحية، بينما ظلت زوجته وأبناؤه يدرسون القرآن على يده.
وأكد الشيخ هارونا أن العلم يمثل حصنا أمام التنصير، مشددا على أن مواجهة الفقر بالتعليم والمساعدة المادية عبر إعطاء الزكاة يمكن أن تسهم في تقليص المساحات التي تستغلها الظاهرة.
وقال إن كبار المنصرين يصعب عليهم العدول عن مسارهم التنصيري، لكنه يرى أن محاصرة الظاهرة تبدأ بإعادة أسرهم، من زوجات وأبناء، إلى الإسلام، حتى يبقى المتنصر وحيدًا وحينها سيلين ويعود.
وشدد على أن موريتانيا دولة إسلامية، وأن على المواطنين توحيد جهودهم وتكاتفها لمحاربة التنصير، لأن المواجهة لا ينبغي أن تقتصر على الخطاب الديني، وإنما تشمل كذلك معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
وقال إنه لم يرَ الدولة تحارب التنصير بما يكفي، ذاكرا أن سلطات سيلبابي دعت مرة واحدة المنصرين إلى الحوار، لكنه لا يعلم تفاصيل مخرجات ذلك الحوار، سوى أن الجماعة اعترفت للسلطات بأنها تنصرت، ثم توقف المسار هنا، أو لم يعلن عن ما حصل فيه لاحقا.
"ردة فعل".. وتفشٍّ للمسيحية
ولفت الإمام إلى أنه حاور بعض المتنصرين، فوجد أن بعضهم "خرج عن دينه جهلا، وتنصّر جهلا"، ولا يعرف - يضيف - حقيقة الدين الذي اختاره، وإنما قام بما وصفه بأنه "ردة فعل" طلبا لمال يسد به حاجته، أو استغلالا من المنصرين لجهله.
في المقابل، شدد الداعية جالو على أن الظاهرة "الخطيرة" تجتاح ولاية كيدي ماغا بشكل خاص وموريتانيا بشكل عام، عبر تفشي المسيحية والارتداد عن الإسلام، معربا عن أسفه الشديد لما يحدث، رغم موريتانيا دولة إسلامية وحكومتها مسلمة، وعليها أن تعي ما يقع في ولايات الداخل، خصوصا هم، لأن عدد المسيحيين فيها "لا يعد ولا يحصى".
من جهته، قال صمبا با إن في حيه محاظر عدة، وإنه يدرس محو الأمية للكبار، ولديه سجل يعود إلى عام 2007 يثبت ذلك، مضيفا أنه سعى إلى إدخال الناس في الإسلام، وأن حل الظاهرة صعب، وأن مكافحتها تتطلب تضافر كل الجهود، لأنه لم يكن يتوقع يوما أن تدخل المسيحية إلى البلاد.
وقال إنه حارب الظاهرة على مستواه الشخصي "100%"، وإن آخر جهوده في المجال تمثلت في تدريس العربية في الأماكن التي توغلت فيها النصرانية، وفتح أقسام لمحو الأمية ومحاظر، إلى جانب نصح الأبناء وتحسيسهم بخطورة هذه الظاهرة الدخيلة على المنطقة، وحثهم على التمسك بالإسلام، وتشجيع أبناء عمه على الصلاة في المسجد، وقراءة القرآن.
وأضاف أن ذلك تسبب في نشوب مشاجرات بين الأبناء حول الدين، وبذلك يتفق طرح با مع من سبقوه في تصريحاتهم، بأن المادة هي "صانعة الفرق"، وأن الدولة لاحظت ظهور المسيحية في بعض أحياء مدينة سيلبابي، وبعد أن بدأت منظمة "دلوص" في تعليم بعض السكان.
وطالب صمبا با الدولة بتجفيف منابع الظاهرة وكتم أنفاسها، من الأساس، بكل سلطاتها، ومنع المنظمة المذكورة وغيرها من المنظمات من ممارسة نشاطها في المدينة، معربا عن تخوفه من ألا تمد الدولة يدها لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة.
كما اتهم با السلطات بأنه سبق أن أبلغتها جماعة بنية المنصرين تنظيم حملة تحسيسية بسيلبابي لكنها طلبت منهم تركهم، معتبرا أن ذلك أسهم في تقليص الجهد الذي يبذله الدعاة في مواجهة القضية.