جدول المحتويات
رغم التمويل والإرادة المعلنة والحاجة الملحّة: أين تتعطل منظومة الإنجاز، وكيف نستعيد الثقة؟
لم يعد تأخر المشاريع العمومية في موريتانيا مجرد حادث عرضي يُفسَّر بعقبة مفاجئة، بل أصبح سؤالًا عن قدرة المنظومة كلها على تحويل التمويل والقرار إلى خدمة نافعة في موعد موثوق. فقد أفادت الحكومة بأن 57 صفقة من أصل 106 صفقات كبرى تجاوزت آجالها التعاقدية بنهاية ديسمبر 2025، أي 54%، فيما بلغ متوسط استهلاك الآجال 129% مقابل متوسط تقدم في الأشغال قدره 52%. وفي المقابل، أُنجزت أو وُضعت قيد التشغيل 30 صفقة منذ يوليو 2025، وسُجل تحسن في وتيرة بعض البرامج. إنها صورة لا تستقيم معها المبالغة في الإدانة، ولا الاطمئنان إلى أن الأمور تسير كما ينبغي.
السؤال إذن ليس: هل توجد إرادة معلنة؟ بل: لماذا لا تكفي الإرادة والموارد والمتابعة الرسمية لضمان انتظام التنفيذ؟ وهل يتكرر التعثر بفعل ظروف قاهرة حقًا، أم بسبب اختلالات معروفة في الدراسات والتعاقد والتنسيق والمساءلة؟
ما كان معلومًا قبل التعاقد لا يصبح عذرًا بعده
تتردد تفسيرات مألوفة: بعد المسافات، وحرارة الصحراء، وموسم الأمطار، وصعوبة التربة، وتكاليف النقل والتوريد. وهي صعوبات حقيقية، لكنها ليست مجهولة. فالمناخ والجغرافيا ومواسم العمل معطيات أساسية لأي دراسة جادة؛ وطبيعة التربة تستدعي استقصاءات فنية كافية قبل التسعير والجدولة. وحدها الظروف الاستثنائية التي تعذر توقعها أو تفادي آثارها بصورة معقولة تستوجب معالجة تعاقدية خاصة. أما أن يُحدد موعد جذاب أولًا، ثم يُكتشف الواقع لاحقًا، فذلك خلل في منهج التخطيط لا في الجغرافيا.
تجارب مختلفة تكشف سؤالًا واحدًا
في الطاقة، يبرز خط الجهد العالي بين نواكشوط والزويرات، حيث لا تكفي نسبة إنجاز الأبراج والموصلات إذا تأخرت محطات التحويل والربط والاختبارات. وفي الطرق، يكشف تأخر بعض المقاطع، ومنها طريق النعمة – انبيكت لحواش وفق الحصيلة الحكومية لسنة 2025، أن تعبئة التمويل وإطلاق الأشغال لا يغنيان عن متابعة المسار الحرج. كما أثارت تصريحات رسمية بشأن طرق آفطوط مسألة تأخر اعتماد مكتب المراقبة بعد انطلاق التنفيذ. وفي الصحة، تذكرنا توسعة مركز الاستطباب الوطني ومشروع مستشفى الملك سلمان بأهمية تزامن البناء والتجهيز والتشغيل. أما المياه والتعليم والزراعة والخدمات، فالعبرة فيها ليست بإقامة منشأة فحسب، بل بتوافر الشبكات والكادر البشري والصيانة والميزانية والقدرة على تقديم الخدمة. ولا يصح وصف كل مشروع في هذه القطاعات بأنه متعثر دون توثيق خاص بحالته.
حين يعمل كل طرف وفق إجراءاته ويتعطل المشروع كله
قد يكون المقاول ضعيف التجهيز أو السيولة، وقد يجد نفسه أمام موقع غير جاهز أو مخطط متغير أو مستحقات متأخرة أو قرار فني لا يصدر. وفي الإدارة، قد تؤدي كل جهة واجبها الإجرائي منفردة، بينما تضيع النتيجة بين وزارة ممولة، وإدارة مالكة، ومصلحة ترخيص، ومكتب مراقبة، ومقاول، وجهة ستتولى التشغيل. هنا لا تكفي التعليمات العامة بتسريع الأشغال: المطلوب مسؤول تنسيق يملك حق طلب القرار وتصعيد التعارض، وسجل عوائق يحدد لكل مشكلة صاحب القرار والمهلة والإجراء التصحيحي.
المناقصة لا تشتري وعدًا بل قدرة مثبتة
ليس السعر الأدنى مكسبًا إذا جاء من عرض لا يستطيع صاحبه تنفيذه. يجب اختبار المعدات المتاحة فعلًا، والخبرات الميدانية، والطاقم الرئيسي، والسيولة، والالتزامات الجارية، والسجل السابق في الجودة والآجال؛ والتحقق من العروض المنخفضة بصورة غير معتادة دون التضييق على المنافسة. وبالمقابل، لا تُفرض الصرامة على المقاول وحده: يجب أن تلتزم الجهة المالكة بموعد تسليم الموقع والمخططات والاعتمادات والدفعات. ويُوثق سبب كل تمديد، ويُميز بين تقصير المقاول والتأخر المنسوب للإدارة والتغيرات المشروعة. فالشفافية ليست إعلان اسم الفائز فقط، بل وضوح معيار الاختيار وتعديلات العقد ونتائج التنفيذ.
موعد الإنجاز التزام هندسي لا مسكن إعلامي
ينبغي أن يُبنى الأجل على كميات الأعمال وإنتاجية المعدات وسلاسل التوريد وفترات الاختبار ومخاطر الطقس والتربة والتمويل والقرارات الإدارية. وتُراجع الجدولة مستقلًا قبل إعلانها، ويُدرج هامش مخاطر مبرر بدل موعد افتراضي قصير تُعالجه لاحقًا سلسلة تمديدات. ليس المطلوب إطالة كل مشروع، بل اعتماد تاريخ يمكن الدفاع عنه فنيًا والالتزام به مؤسسيًا. فالثقة لا تصنعها المواعيد المتفائلة، بل المواعيد التي تُحترم.
من رقابة النسب إلى إدارة العوائق والنتائج
تُظهر البيانات الرسمية أن الحكومة أنشأت آليات متابعة وأن بعض البرامج حققت تقدمًا ملموسًا؛ وهذا أساس ينبغي تطويره لا تجاهله. لكن نسبة الإنجاز وحدها قد تخفي تأخر مكونة حاسمة. لذلك يلزم تقرير شهري موجز يجمع التقدم المادي والمالي، والأنشطة الحرجة، والقرارات المتأخرة، وأسباب التعديل، وتاريخ الجاهزية للتشغيل. كما يلزم نشر مؤشرات مبسطة للمواطنين، وتدقيق مستقل لعينة من العقود الكبرى، والاستفادة من مسار إصلاح الصفقات والرقمنة الجاري بدل إنشاء هياكل موازية.
المشروع لا ينتهي يوم يغادر المقاول
قد تكتمل مدرسة بلا معلمين كافين، أو منشأة صحية دون طواقم وميزانية تشغيل، أو بنية مائية دون ترتيبات صيانة مستدامة. لذلك ينبغي أن تبدأ خطة التشغيل مع دراسة الجدوى: من سيستغل الأصل؟ بأي موارد؟ وبأي كلفة سنوية؟ وكيف تُقاس الخدمة بعد سنة وثلاث سنوات؟ فنجاح الإنفاق العمومي لا يُقاس بإنجاز الجدران، بل بالمنفعة التي تنتجها.
حزمة إصلاح قابلة للتطبيق
يمكن البدء، دون انتظار إصلاح شامل، بخمس خطوات مترابطة: مراجعة مستقلة لأسباب تعثر عينة من المشاريع المنطلقة فعلًا؛ اعتماد «بوابة جاهزية» تمنع إصدار أمر بدء الأشغال قبل استكمال الشروط الأساسية؛ بناء قاعدة بيانات لأداء المقاولين والكلف والآجال الفعلية؛ فرض مهلة واضحة لكل قرار إداري أو مالي مؤثر على المسار الحرج؛ وربط الاستلام النهائي بخطة تشغيل وتمويل وصيانة قابلة للتحقق. تُجرب الحزمة في مشاريع من قطاعات مختلفة، وتُقاس نتائجها خلال عام، ثم تُصحح وتُعمم. وهكذا تتحول التجربة من ملف يُطوى إلى معرفة مؤسسية تُستخدم.
خاتمة: من ثقافة التدشين إلى موثوقية الإنجاز
إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بتحديات الإدارة والمقاولين وبما تحقق من تقدم، كما يقتضي رفض تحويل الصعوبات المعروفة إلى أعذار دائمة. ليست القضية اتهام النوايا، بل بناء منظومة لا تحتاج إلى تدخل استثنائي كلما تعثرت ورشة. وحين تُدرس المشاريع بصدق، وتُختار الكفاءات بشفافية، وتُضبط المسؤوليات، وتُحترم المواعيد، يصبح الإنجاز قاعدة لا مفاجأة. فمصداقية الدولة لا تُقاس بكثرة ما تعلن من مشاريع، وإنما بقدرتها على تحويل وعودها إلى خدمات تصل إلى الناس، في الوقت الذي وعدت به وبالجودة التي يستحقونها.