تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - djellouli73@hotmail.com

جدول المحتويات

في السياسة

ذكر الرئيس أحمد الشرع للعالم في الجمعية العامة إنجازات حكومته المادية، ومنها تدمير أسلحة كيمياوية، صنعت لتمنع سورية من أعدائها الذين يمتلكون ترسانة نووية ويباهون بذلك. هذا عمل لا يختلف كثيرا عما فعله النظام البائد حينما أساء استخدامها ضد شعبه قبل ذلك. أن تتعرى من سلاحك امتثالا للقانون الدولي وأنت في مواجهة عدو يريد قطع عنقك لا يعتبر إنجازا. وكيف يجتمع عمل تريد أن يراه الله والرسول والمؤمنون وتريد في الوقت نفسه أن تتودد به إلى عالم ينحو نحو التسلح أكثر، بل ويجهل رسالة ربه أصلا. إن في الخطاب دعوة للمجتمع الدولي كي يقبل دولة تستضعف نفسها، وهي التي تمتلك ميراثا إيمانيا وسياسيا يربو عما لدى المستمعين مجتمعين.

 

ومهما تفنن الناس في تلوين الحياة العامة - لمجتمع غالبيته المطلقة مسلمة - فمرجع ذلك كله إلى قسمة ثنائية هي الإسلام والعلمانية. مع لحاظ أمر مهم يتغافل عنه من يقدم أطروحات مجتمعية عليها خلاف شديد، أن الإسلام دين ودولة، وهو بهذا التمييز النظري يمثل نظاما عاما بحد ذاته لا يمكن أن تكتمل وظيفته التعبدية في الحياة إلا باجتماع الوجهين، وأن العلمانية طرح تاريخي مستجد على الحياة العامة للأمة المسلمة، جلبها عليها من أسقط الخلافة بدعم من الغرب الذي يدين بها، وأن ثنائية الدين والدولة تراث فكري أوروبي نشأ بسبب الصراع بين المسيحية والعلم، ثم تقمصه البعض عندنا ليمارسه في بيئة ليست بيئته.

 

وبالتالي، فإن المجتمع السوري الذي يدين بالإسلام ويتشوف معظمه إلى العيش في ظلاله، لا لأنه ساذج لا يدرك محاسن العلمانية، بل لأنه يعي جيدا السعادة الحقيقية في أن يعيش تحت حكم الإسلام. ولقد جربت ذلك الطوائف غير الإسلامية تاريخيا وتعلم عدالته الواقعية.

 

وأظن بأن مدار النقاش ينبغي أن يتوجه إلى طبيعة النظام الإسلامي الذي سيسود، وأن بروز تيارات سلفية متشددة تشبعت أول علمها بالإسلام بتيار معروف طارئ على الحياة العقلية للأمة لا يفقه كثيرا معنى المدارس الفقهية وتعدد الحياة الدينية وضوابط الاختلاف في الرأي ليس حجة على عدم كفاية الإسلام للحكم، فنقدم له علمانية شاخت بتبرج جديد.

 

النظم السياسية التي تعتمد على الأحزاب والنقابات وغيرها نظم غربية الطابع، انتقلت إلينا بعد ظهور الدولة العلمانية الحديثة في بلداننا. وظاهرة التحزب السياسي في مجتمع مسلم ظاهرة غريبة وشاذة ولديها تطبيقات سلبية على المسلكيات. وإن كانت بعض الطوائف تحزبت وتجمعت في تنظيمات فللضرورة التي اقتضتها المرحلة، كواجب العمل من أجل سد حاجة في المجتمع ومنها الحاكمية.

 

وبما أن السلطة السورية نفسها إطار حزبي بمعنى أنها مجلس فيه فصائل تشاركت لإسقاط النظام، وأن بعض التوجهات الدينية تنتظم أيضا في تيارات ولها تنظيم داخلي معين كالصوفية والسلفية وغيرهما، فإن جماعة الإخوان لديها الحق في العمل بصفتها تلك ما دام الآخرون يعملون منتظمين في هيئات كذلك. مع لحاظ أمر مهم جدا، هو ضرورة السير بالمجتمع السوري نحو قيادة جماعية تعتمد على تكتلات، تكتلات وشخصيات وازنة ما دام الحكم لله. ومن التكتلات الجِبلِّية القبيلة والعشيرة، لأن الحضارة الإسلامية اعتبرتها ولم تنكرها. وإلى أن يأذن الله بحل جذري لمشكلة التمثيل، أرجو أن يفكر المفكرون في صيغة عيش آمن وعادل يحفظ حقوق الجميع.

 

والتعليم

سورية تمشي بطريقة متثاقلة ومتنوعة الإيقاعات وفي مختلف الاتجاهات، وهذا النمط من التسيير يؤخر وصولها إلى الهدف المنشود ويقلل من الرعاية الإلهية لها، لأنها لا تزن شؤونها بميزان الشرع الحنيف دئما. تضخم العنصر الأنثوي في التعليم - معلمات ومتعلمات - له آثار سلبية على المجتمع كله في الآجل، والتوازن خير خيار. تبقى العقوبات ومنها الضرب التأديبي فلها مراتب آخرها الضرب المعقول، وخيار المعلمين لا يضرب، لأن لديه أنواعا مجدية من العقوبات التربوية قبل ذلك. ولا ننس أمرا مهما، أن المجتمعات التي سيست بالقهر وخرجت لتوها من الحروب منتصرة تتعزز لديها القناعة بجدوى العنف، ولن تتغير قناعاتها بسرعة حتى تنتقل من هذا الطور إلى طور آخر أكثر تحضرا، بفعل عاملين رئيسيين: الإيمان والعلم.

 

هذا أفضل واقع "سوداوي" لبناء منظومة تربوية جديدة قائمة على أسس صحيحة. الحطيم لتجديد البناء أولى الأدوات، ولا يمنعن أن يتطاول العهد بالبنيان أن تعتني السلطة بصرف رواتب مجزية للمعلمين حتى ترتب أمورهم. كما فعلت مع السادة الوزراء والقادة الأمنيين ومع الرئيس الشرع نفسه.

 

الشرطة النسائية قسم مهم من جهاز الأمن، يتولى شؤون المرأة فيما لا يمكن للرجال أن يتولوه. ولكن يجب ألا يتأثر ذلك بالحركة النسوية فتتوسع المجالات الوظيفية للنساء على حساب الرجال وعلى حساب دورهن كأمهات وربات بيوت ومربيات، لأن هذه هي الوظيفة الطبيعية للمرأة في المجتمع المسلم؛ لذلك يحسن بالسلطة السورية أن تظهر إنجازاتها للناس وهي تراعي هذا التوازن، فمع تخريج هؤلاء الشرطيات يعتنى بتزويج الشباب والشابات، في حفل جماعي تدفع فيه السلطة تكاليف المهر والاحتفال، وتمنحهم فيه من مال الأمة ما تقوم به حياتهم؛ لأن ذلك هو المعهد الحقيقي لتخريج الشرطيين والشرطيات.

 

والاقتصاد

على السوريين أن يراجعوا نمط العيش الذي يريدونه لأنفسهم، والذي يتبعون فيه سنن الدول الصناعة الحديثة. ذلك نمط وصل إلى حائط مسدود، ولن يتمكن صانعوه من المضي فيه أكثر، لأن الطبيعة أصبحت ضدهم، وربها عسّر ربها على أهلها الحصول على المحروقات التي أضرت بها. ولكم - يا أهلنا السوريين - في البراري خير ملاذ وأهنأ عيش، إذا ما انتشرتم في الأرض وتكاثرتم وعدتم إلى الزراعة وتربية الماشية، وهجرتم المدن، واكتفتم بعلوم الشرع، وتركتم كثيرا من علوم العصر التي لم تعد تنفع، ثم تأخذون أنفسكم بتطوير هذا النمط الأصيل من العيش وفق إمكانياتكم واحتياجاتكم. وعلى السلطة السورية أن تحسن التخلص من السياسات الحديثة. فليس تسيير المجتمع بالضرائب والمشاريع الترفية بمفيد. فتقاسم الثروة ببساطة، ولو أخذ أشكال دعم لضروريات الحياة، أفضل من إرهاق كاهل الرعية من أجل ملء الخزينة، فالدول تستقر وتزدهر بالشفقة والتقشف وزهد قادتها.

 

هذه كلها مخلفات السياسة العمرانية البئيسة للنظم الاستبدادية، حيث رفاهية العيش متركزة في قلب المدن وحيث يسكن أعمدة الحكم. الناس البسطاء ارتبطت في أذهانهم المكانة الاجتماعية ورفاهية العيش بأحياء محدودة للغاية اكتظت عن آخرها ولم يعد بإمكانها أن تستوعب المزيد. على السلطة الراشدة والأشخاص العقلاء واجبات لا بد منها. على السلطة أن تصحح هذه المفاهيم المغلوطة - التي تكرس الطبقية الاجتماعية - عبر أدواتها الكثيرة كالتعليم والإعلام، وعليها أن تعيد توزيع السكان في الفضاءات الفارغة لينتشر العمران أفقيا وتلتحق بها الخدمات تدريجيا، على أن يبدأ المسؤولون بأنفسهم في ذلك.

 

وعلى الشعب السوري أن يراجع مفاهيمه المغلوطة عن الحياة الحقيقية، فالعودة إلى الأرض ومجاورتها ولو ابتعد بعضهم عن مكان عمله أفضل، وإن العمل على تهيئة أراضيهم لتغدو مزارع صغيرة يقضي فيها أفراد الأسرة فضول أوقاتهم داخلها كي تكون رافدا لحاجات أسرهم الغذائية بدلا من الأسواق يعد نمط عيش متحضر جدا وإن بدا بدائيا لأول وهلة. وليعلم الجميع حكاما ومحكومين، أن سورية مقبلة على حروب مدمرة طال الزمن أو قصر ما ظل الكيان الصهيوني قائما بجوارهم، وإن الانتشار في الأرض أمان لهم منها ومن آثارها الوخيمة.

الأحدث