تخطى الى المحتوى

هل نحن في أزمة ثقة بالعقل أم أزمة فهم للنصوص؟

خديجة احميدي

جدول المحتويات

«كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا» سقراط

 

يحضرني الآن موقف غريب حصل قبل فترة خلال تكويننا كأساتذة للفلسفة، والحقيقة أنه ليس غريبًا جدًا؛ فأنا خرّيجة جامعة نواكشوط (سنة في البيولوجيا والجيولوجيا بكلية العلوم والتقنيات)، ثم كلية الآداب والعلوم الإنسانية (سنة منها كانت في الأدب الفرنسي، وثلاث سنوات في الفلسفة وعلم الاجتماع، وسنتين في علم الاجتماع منفصلًا). وعلى امتداد هذه المطبات العجيبة، خضت نقاشات عديدة مع زملاء وأصدقاء من داخل الجامعة وخارجها، من مختلف المشارب، وتكرر فيها كثيرًا، أي في تلك النقاشات، مشهدُ مقابلة حديث صحيح بالتشكيك الفوري وحتى الرفض، بحجة أن النص القرآني الكريم قال كذا وكذا، مما قد يُفهم منه تعارض في ظاهره مع هذا الحديث أو ذاك!

 

أما الموقف الذي حصل قبل فترة، فهو أننا كنا خلال خطوة التمثيل لمفاهيم كالرأي السائد والأسطورة في مجاورة للامعقول، وفي سياق النقاش ضرب أحد الإخوة مثالًا بما يتداوله الناس عن كون الرعد مَلَكًا أو وراءه مَلَك من ملائكة الله. فاعترضتُ مباشرة على إدراج هذه المسألة في سياق اللامعقول، وبيّنت أن الأمر ليس مجرد اعتقاد شعبي أو أسطورة متوارثة، أو حتى من الإسرائيليات أو الأثر، بل ورد فيه نص نبوي شريف.

 

ترددت في القاعة الجُمل نفسها تقريبًا: "هذا إلا كلام الناس، ما هو معقول". وعندما وصل الكلام إلى مكوّننا، وهو بالمناسبة أستاذ محترم، ومن الواضح أنه على معرفة وثقافة واسعة، قال لنا إن موضوع الرعد والبرق أمر واضح فسّرته الفيزياء، وكذا وكذا. فحاولتُ إيضاح أن علماء الفيزياء وغيرهم يحكمون بما يعلمون من الأسباب الظاهرة في عالم المُلك، وهل من بين ما يعلمون ما قد يصدر عن الملائكة أو ما هي هيئاتهم المنزّهة المشرّفة؟ وغيرها من أمور الغيب والملكوت؟ وأن التفسير الفيزيائي لا يحسم وحده المسألة الغيبية التي يتناولها هذا الحديث.

ولكن المُكوِّن، للأمانة، قاطعني، ليختم كلامه بالقول: "عمومًا، إذا ثبت نص في أمر ما، فلم يعد مفتوحًا للنقاش أصلًا". على كل حال، لقد كنت العنصر النسوي الوحيد في الدفعة، وربما لذلك، ولدواعٍ أخرى، لم يسمع أحد صوتي أو يحاججني بطريقة مسترسلة هادئة، بل اتفقت الأغلبية على وأد الحوار، وهم يهزون رؤوسهم بسخرية، قبل أن يتدخّل زميل محترم آخر داعمًا رأيهم، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾، وأنه، بحسب قوله: إذا كان الرعد مَلَكًا، فلماذا عطف الله عليه الملائكة؟ ومضى في تقرير هذا الاعتراض دون أن يتيح لي استكمال الرد. وفي الحقيقة، هو استدلال أضحكني؛ فأي عامي يعرف عطف الخاص على العام والعكس! وأضحكني لأنه يحيل مباشرة إلى أن ميكائيل وأمين الوحي بهذا ليسا من الملائكة أيضًا: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾، و﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. على كل حال، مات النقاش هناك، وتركني مع شعور غريب بأننا كنا في عودة ميدانية إلى عصر جورجياس الحكيم، وتمثيل حي لمفهوم السفسطة.

 

أما حديث الرعد المعروف، فقد كنت أقصد رواية البخاري له في «الأدب المفرد» عن ابن عباس، كما حسّنه الترمذي في سننه، وغيرُه كثير.

 

وإنني لا أكتب البتة هذه الواقعة انتصارًا لنفسي في محاورة، ولا انتقاصًا من أحد؛ فكل من كانوا في تلك القاعة زملاء أعزاء، أحترمهم وأستفيد منهم وأتعلم منهم إلى الآن، وإنما لأنني أرى أن وراء هذا المثال إشكالًا أوسع يتكرر، خصوصًا في بعض أوساط طلاب الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وحتى الفيزياء والعلوم. وفي جامعة نواكشوط وعلى منصات التواصل الاجتماعي أمثلة لا تُحصى على هذه الجرأة وعلى نمط التفكير هذا الذي يبدو أنه يأخذ في التطور.

 

لكن مما علينا كذلك ألّا نصطفّ خصومًا في مواجهة كل من التبس عليه فهم نص أو أخطأ في تأويله؛ فهو إنسان ينبغي أن نحاوره ونبيّن له بالحجة والرفق؛ فغاية الحوار أن نهتدي إلى الحقيقة معًا، لا أن ينتصر أحدنا على الآخر. وهذه مسؤولية لا تخصّ الأساتذة وحدهم، بل تشمل كل من يؤثر في الناس، أو يخاطبهم، أو يسهم في تشكيل وعيهم.

 

ومن هنا، أذكّركم وأذكّر نفسي وزملائي الأساتذة وإخوتي الطلاب، ومن يلج الجامعة أو يتصدّر للنقاش العام، بضرورة التثبت، فلا ننسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، ولا نردّ ما ثبت عنه لأننا لم نفهمه. وأذكّركم بأن العلم مسؤولية، وأن تشكيل العقول أمانة. فدراسة الفلسفة مثلًا أو الفيزياء أو غيرهما لا تعني التسليم لكل فكر دون تمحيص، فلا نجعل من حدود تخصصنا معيارًا للحكم على كل ما نجهله. وقبل أن نكون أصحاب تخصصات وآراء، فنحن مسلمون نحتكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولنعلم أن كلمة نقولها اليوم قد تصبح غدًا قناعة راسخة في عقول آخرين.

 

ولنستحضر أولًا وآخرًا أن النص القرآني لا يمكن بحال من الأحوال أن يتعارض أو يناقض حديثًا ثابتًا عن نبينا وأن السنة ليست كلاما بشريا منفصلا عن مقام النبوة والبيان والتشريع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ولكي تكون متبعا للقرآن فبالضرورة لا بالاختيار عليك العمل بالسنة «... ألا وإنّي أوتيت القرآن ومثله معه». فاعلم، رعاك الله إذن؛ أن أي تناقض ظاهر قرأناه في موضع ما بين الوحيين إنما يرجع إلى قصور فهمنا وضعفه أحيانًا عن القدرة على الجمع بينهما؛ فإذا وُجد من يعرف، اهتدى إلى وجه الجمع وانتفى التعارض الظاهر. فلنتثبت إذن قبل أن نحكم، ولنطلب الحق والحقيقة قبل الانتصار لآرائنا عميانا. ومن لم يكن منا متخصصًا في علوم الحديث والأصول، فليسأل أهل العلم، وليتريث قبل أن يجعل رأيه الشخصي حكمًا على نصوص جاءت من عند الله.

 

والحمد لله على رسول الله.

الأحدث