تخطى الى المحتوى

سيد الحاج ولد الداه ... مشرط الطبيب وفضاء الشؤون الإسلامية

د. محمذن فال محمد يحظيه أستاذ النحو والصرف بالمحظرة الشنقيطية الكبرى بأكجوجت

جدول المحتويات

تحديات التشخيص، ومتطلبات العناية، واستعجال العملية

في كل مرة يتولى حقيبة الشؤون الإسلامية وزير من ذوي التخصصات العلمية والفنية يعود النقاش بقوة حول العلاقة بين الاختصاص ومجال الوظيفة؛ وتطرح أسئلة من قبيل: هل يستطيع غير المختص في المجال الشرعي النهوض بقطاع الشؤون الإسلامية؟ وهل يستطيع الإداري الكفء تطوير أي قطاع بغض النظر عن مجاله لكفاءته الإدارية؟

 

واليوم تعود إلى الساحة السياسية والإعلامية الأسئلة السابقة وغيرها بعد بتولي جراح الأعصاب الدكتور سيد الحاج الداه حقيبة الشؤون الإسلامية في الحكومة الجديدة بين مستغرب لهذا التعيين، ومستبشر به، ومتفهم له؛ بيد أن الأمر من وجهة نظري يقتضي القول بكل تجرد إنه إذا اجتمعت الكفاءة والتخصص في المسؤول فذلك الأفضل والأكمل، وإن افترقتا فالكفاءة أولا لأن المقصود هو الإصلاح والتطوير والنهوض بالقطاعات وليس تكريس أعراف تولي ذوي الاختصاص للمسؤوليات ما لم تكن ثمة مقتضيات قانونية تفرضه..

 

بتعيينه على قطاع الشؤون الإسلامية ينتقل جراح الأعصاب الدكتور سيد الحاج الداه من الغرف الهادئة، إلى الفضاءات الصاخبة، ومن الوصفات المحددة المقادير والأوقات، إلى الوصفات المفتوحة؛ ومن مشرط الطبيب الدقيق إلى فضاء الشؤون الإسلامية المفتوح على عوالم حيرت لب العارف، وتاه فيها الخريت، وتعثر فيها المصلح؛ مما يجعل الأسئلة المطروحة: هل ينجح مشرط الطبيب في استئصال داء الشؤون الإسلامية المزمن؟ وهل تسهم نجاعة التشخيص الطبي في تحديد أدوائه المتشعبة؟ وهل يمتلك متطلبات العناية اللازمة للرعاية فترة النقاهة؟ وهل ينجح في إجراء العمليات الاستعجالية لقطاع تتناهشه أمراض الهشاشة الشاملة، والترهل الإداري، وهدر الكفاءات، وتبديد الموارد، وغياب الرؤية؟

 

من المبكر إصدار حكم بأي اتجاه أو إعطاء جواب جازم للأسئلة أعلاه؛ غير أن الذي يمكن الجزم به – من واقع التجربة – أن أمامه عقبات كبرى طالما أعاقت أسلافه من الوزراء، وتحديات طالما ذبلت بسببها الأحلام الوردية لوزراء الشؤون الإسلامية؛ ومهامه من التيه الإداري طالما تاه فيها مهرة الوزراء؛ ومن بين هذه التحديات:

 

التشخيص الدقيق:

 من المعلوم في الطب وفي غيره أن التشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى لوصف العلاج المناسب؛ لذا لا مناص لمن يريد الإصلاح الجاد أن يبادر بإجراء تشخيص دقيق يحدد الاختلالات الكبرى التي يعاني منها قطاع الشؤون الإسلامية – وما أكثرها - ويصنفها حسب أولوياتها، ويضع لها الخطط اللازمة لتجاوزها، ولا شك أن قطاع الشؤون الإسلامية يعاني عموما وتعاني المؤسسات التابعة له من أعطاب كبيرة ليس أقلها خطورة غياب الرؤية الموجهة لأعماله مما يجعلها مشتتة وغير متكاملة وذات مردود محدود على الأمة والوطن.

 

تقادم الهياكل الإدارية:

يدرك المتابعون للشأن الوطني والمهتمون بالحركية الإدارية في قطاعات الدولة أن الهياكل الإدارية لقطاع الشؤون الإسلامية ومؤسساته المختلفة من أكثر هياكل قطاعات الدولة تقادما؛ حيث إن أغلب أطره الموجودين في المراكز الإدارية المركزية وفي المؤسسات التابعة له تجاوزت فترته الزمنية عقدا من الزمن – إلا في حالات معدودة -؛ ويدرك الجميع أنه منذ تولي رئيس الجمهورية الحالي رئاسة الجمهورية لم يشهد القطاع بمختلف مؤسساته وإداراته حركية إدارية؛ وهو ما جعله من أكثر القطاعات الوزارية رتابة في عهده..

 

إن تقادم الهياكل الإدارية ينتج عنه – في الغالب – رتابة إدارية قاتلة تفقد معها المؤسسات روح الإبداع والابتكار والرغبة في الإنجاز؛ فضلا عن كونه فرصة مواتية لتكوين لوبيات تتفق من أجل مصالحها وتختلف من أجلها تعرقل الإصلاح وتحرف المسار، وتقتل الأمل، وتوئد خطط التطوير والنهوض والإصلاح في مهدها إذا تصادمت مع مصالحها الآنية ورؤاها الضيقة، فهل ينجح الوزير الحالي بحس الطبيب المرهف، ونظرته الثاقبة في إعادة الحركة للدورة الدموية لقطاع الشؤون الإسلامية؟ وهل يستطيع – وهو الجراح الماهر- إزالة الأعصاب التالفة وزراعة أعصاب نشطة في مفاصل قطاع الشؤون الإسلامية؟ وهل يستطيع – وهذا الأهم – إعادة القدرة على التفكير لدماغه المشلول عن التفكير من زمن طويل؟

 

خمس عمليات مستجعلة:

يحتاج قطاع الشؤون الإسلامية إلى إجراء خمس عمليات إصلاحية بشكل مستعجل، تعالج كل واحدة منها مرضا عضالا، وتستأصل داء مستعصيا في مجال من المجالات وهي:

 

عملية إصلاح إداري مرن:

أولى العمليات الإصلاحية التي يحتاج قطاع الشؤون الإسلامية برمجتها في أسرع وقت ممكن هي علمية إصلاح إداري مرن؛ تعيد بشكل موضوعي تقييم مؤهلات أطره العاملة والمهملة؛ وتعيد توجيههم وفق مؤهلاتهم ومهاراتهم؛ مما يضمن إعادة الحياة من جديد لقطاع منهك بالتوظيف غير الفعال، ويعاني جراء ذلك من هدر مالي كبير، وتضييع جهود كفاءات مؤهلة علميا وإداريا على النهوض به من كبوته الطويلة.

 

عملية إصلاح قانوني حصيف:

ثاني العمليات الإصلاحية المستعجلة التي يحتاجها قطاع الشؤون الإسلامية هي عملية إصلاح قانوني حصيف؛ يقوم بإعداد قانون شامل لقطاع الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي يحدد أسلاكه الوظيفية؛ وينصف موظفيه، ويقوم كذلك – وهذا مستعجل-  بتطبيق القوانين والمراسيم الحاكمة لعمل مؤسساته التابعة له، وقطاعاته المركزية؛ حيث تعاني على مستوى التطبيق من اختلالات بينة؛ ويعالج ما تعانيه من قصور في جوانب عديدة؛ وهو ما يحتج للقيام به إلى جراح ماهر يجري هذه العملية بشكل حصيف؛ بحيث لا يؤثر على جوهر رسالتها ويضمن لها البقاء بشكل يلائم نصوصها وأهدافها.

 

عملية تحديث منهجي هادف:

ثالث العمليات الإصلاحية التي يحتاج قطاع الشؤون الإسلامية بشكل عام – ومؤسسات التعليم العالي الشرعية التابعة له بشكل خاص - هي عملية تحديث منهجي هادف؛ حيث يعاني القطاع من عتاقة المنهج الإداري المتبع في تسييره، وتعاني بعض مؤسسات التعليم العالي الشرعية التابعة له من تقادم في المنهج العلمي؛ وعتاقة في المنهج الإداري؛ مما يجعل القيام بعملية تحديث منهجي هادف أمرا مستعجلا.

 

عملية تطوير علمي واع:

رابع العمليات العلمية المستعجلة التي يحتاجها قطاع الشؤون الإسلامية هي عملية تطوير علمي: تنقل الرسالة العلمية لهذا القطاع الحيوي الذي ترتبط به حماية هوية البلد الحضارية؛ وصيانة مقدساته، ووقاية ناشئته من غوائل الانحراف والإلحاد؛ والوقوف في وجه موجات التنصير المتزايدة – للأسف الشديد – لتنقلها لمستوى المهام والتحديات؛ وهو ما يفرض على القائم عليه جعل مضامين رسالته العلمية ووسائلها في مستوى  التحديات التي تواجه البلد في هذه الجوانب المهمة.

 

إن تطوير الرسالة العلمية لقطاع الشؤون الإسلامية بشكل عام – ولمؤسساته العلمية بشكل خاص – أمر في غاية الأهمية لجسامة التحديات الخطيرة التي تواجه البلد في جوهر كينونته: هويته الإسلامية ورسالته الحضارية، وإشعاعه العلمي.

 

رؤية منهجية ناظمة:

خامس العمليات الإصلاحية المستعجلة التي يحتاجها قطاع الشؤون الإسلامية هي القيام بعملية صياغة رؤية منهجية ناظمة لأهدافه ووسائله وخططه وموجهة لمؤسساته وقطاعاته؛ حيث تكون أعماله متكاملة وخادمة للأمة والوطن في مجالات حيوية، ومساهمة بفعالية في نهضة الوطن، ورافعة من روافعه التنموية؛ وهي عملية تحتاج - بقدر استعجالها-  إلى الإتقان بحيث تكون رؤية متسمة بما ينبغي أن تتسم به الرؤية من العلمية والمنهجية والتوزان؛ فلا ينبغي أن يدفع استعجالها إلى إعدادها بصورة لا تستجيب للمتطلبات اللازمة لإنجاز خطة حقيقية تضمن النهوض بالقطاع وتجعل أعماله المختلفة تصب في اتجاه واحد تتكامل فيه الأدوار، وتحقق فيه الأهداف المتنوعة.

 

وختاما:

إذا استطاع جراح الأعصاب الدكتور سيد الحاج الداه أن يتكيف بقدرة الطبيب على العمل تحت الضغط مع واقع الشؤون الإسلامية الضاغط، وتجاوز بعقله الناقد العقبات والتحديات الماثلة أمامه، واستطاع بمشرطه الدقيق - مستعينا بمهرة في التخدير والإنعاش والرعاية - إنجاز تلك العمليات المستعجلة؛ ووفق في وضع قطاع الشؤون الإسلامية تحت رعاية مكثفة، وعناية فائقة فترة النقاهة سيستأصل - بحول الله وقوته - أدواء قطاع الشؤون الإسلامية المستعصية؛ ويعالج أمراضه المزمنة؛ وسينتقل به – وهذا الإنجاز الأكبر - من دوامة كتابة الوصفات المهدئة للأعراض؛ إلى إنجاز العمليات المستأصلة للأمراض؛ وهو إنجاز سيخلده به التاريخ؛ وتذكره به الأجيال وتحمده عليه.

الأحدث