تخطى الى المحتوى
سحنون عمَّ لمين

جدول المحتويات

ليست الأرض ترابًا يُوطَأ، ولا فضاءً تُحدُّ أطرافه على الخرائط؛ إنما هي ذاكرةٌ تمشي على قدمين، وصوتٌ يخرج من حنجرة الزمن، وحكايةٌ كلما ظننا أنها انتهت، أنجبت روايةً أخرى.

 

ولكل أرضٍ ملحُها الذي لا يُرى، لكنه يُذاق في تفاصيل الحياة، ويُعرف في طباع أهلها، ويظهر في فنونها حين تتكلم بما تعجز اللغة العادية عن قوله. وملح هذه الأرض في فنها؛ في تلك النبرة التي لا تخطئها الأذن، وفي ذلك الشجن الذي لا يحتاج إلى ترجمة، وفي تلك القدرة العجيبة على تحويل قسوة الصحراء إلى رقة، ووحشة المسافات إلى أُنس، وندرة الماء إلى فيضٍ من المعاني.

 

هنا، حيث يبدو الرمل ممتدًّا إلى ما لا نهاية، لم تكن الصحراء يومًا فراغًا كما يتوهم العابرون؛ كانت كتابًا مفتوحًا، وكانت الريح قلمًا، وكانت الخيام صفحاتٍ تتناقلها الذاكرة. من هنا خرج الشعر، لا ترفًا لغويًّا، بل ضرورةً من ضرورات الوجدان؛ به تُحفظ الأنساب، وتُروى المآثر، وتُصان كرامة الإنسان، وتُقال أشياء لا تستطيع المجالس الرسمية أن تقولها.

 

وفي هذه الأرض، لم يكن الفن زينةً تُعلَّق على جدار الحياة، بل كان أحد أعمدتها الخفية. في الشعر، وفي الموسيقى، وفي المحظرة، وفي الحكايات التي تُروى ليلًا، وفي الإيقاعات التي تحمل ملامح الجماعة وتاريخها. كان الفن طريقتنا في مقاومة النسيان، ووسيلتنا في أن نقول للعالم إن لهذه الأرض روحًا، وإن وراء صمتها الظاهر ضجيجًا من المعاني لا يسمعه إلا من أحسن الإصغاء.

 

ولعل أجمل ما في فنون هذه البلاد أنها لا تنفصل عن إنسانها؛ فالفن هنا ليس غريبًا عن الخيمة، ولا متعاليًا على البادية، ولا مقطوع الصلة بأوجاع الناس وأفراحهم. إنه ابن البيئة، يحمل شيئًا من كبريائها، وشيئًا من حزنها، وكثيرًا من صبرها. وإذا كان لكل شعبٍ مرآةٌ يرى فيها صورته، فإن فننا مرآةٌ لا تكتفي بإظهار الوجوه، بل تكشف ما وراءها من ذاكرةٍ ووجدان.

 

غير أن الأمم لا تحفظ روحها بمجرد الاعتزاز بماضيها؛ فالماضي الذي لا يجد طريقه إلى الحاضر يتحول، مهما كان مجيدًا، إلى حكايةٍ يرويها الآخرون بدلًا من أن يصنعها أصحابها. ومن هنا، فإن الوفاء لفن هذه الأرض لا يكون بالتصفيق له وحده، ولا بترديد أمجاده في المناسبات، بل بحمايته، وتوثيقه، وإتاحة المجال لمبدعيه، وفتح الأبواب أمام أجيالٍ جديدة تحمل جذوره إلى آفاقٍ أوسع.

 

إن الفن الذي لا يجد رعايةً قد يبقى في ذاكرة الناس، لكنه يُحرم من فرص التطور والانتشار؛ والموروث الذي لا يُدوَّن قد يظل حيًّا في صدور أصحابه، لكنه يظل مهددًا بأن تأخذه الأيام إلى حيث لا تستطيع الذاكرة وحدها استعادته.

 

وليس المطلوب أن نحبس فنوننا داخل صورةٍ قديمة، أو أن نجعل الأصالة خصمًا للتجديد؛ فالأصالة الحقيقية ليست خوفًا من المستقبل، وإنما هي القدرة على دخوله دون أن نفقد ملامحنا. وما أجمل أن يصل صوت هذه الأرض إلى العالم، لا بوصفه صدى لأصوات الآخرين، بل بوصفه صوتًا يعرف من أين جاء، وماذا يحمل، وإلى أين يريد أن يمضي.

 

إن للأوطان أملاحًا تحفظ طعمها من الذوبان في مياه التشابه، وملح هذه الأرض في فنها؛ في قصيدتها التي تشبهها، وفي موسيقاها التي تختزن نبضها، وفي مبدعيها الذين يلتقطون من تفاصيلها الصغيرة ما يعجز عنه أصحاب النظرات العابرة.

 

فالأرض التي تُنجب الفن لا تفقد روحها ما دام فيها من يُنصت إلى حكايتها، والأمة التي تصون إبداعها لا تحتاج إلى أن تستعير من الآخرين ما يثبت أنها موجودة.

 

ولذلك، حين نقول: مِلْحُ هذه الأرض في فنِّها، فإننا لا نتحدث عن ترفٍ ثقافي، ولا عن عبارةٍ جميلة تصلح عنوانًا لمهرجان؛ إننا نتحدث عن جوهر الهوية، وعن حق الإنسان في أن يرى نفسه في إبداعه، وعن مسؤولية جيلٍ في أن يُسلِّم الأجيال التي بعده أرضًا لا تزال تحتفظ بطعمها.

 

فما أكثر الأراضي التي تتشابه في خرائط الجغرافيا، وما أقلَّها تلك التي تستطيع، بفنها، أن تجعل من ترابها ذاكرةً، ومن ذاكرتها هويةً، ومن هويتها صوتًا لا يُشبه سواه.

الأحدث