تخطى الى المحتوى
بقلم الدكتور جدو ولد البشير

جدول المحتويات

تمثل الإدارة في أي دولة حديثة العمود الفقري للنهضة والتنمية، والركيزة الأساسية لتجسيد مفهوم المواطنة العادلة وسيادة القانون، غير أن المسار الإداري والمؤسسي في بلادنا منذ عهد التأسيس والاستقلال وإلى غاية يومنا هذا، يضعنا أمام مفارقة مؤلمة بين وطن يزخر بموارد طبيعية هائلة وطاقات شبابية وعلمية واعدة، حيث تشير تقارير الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي (ANSADE) إلى أن الفئة الشبابية تمثل نسبة هائلة تتجاوز 40% من إجمالي السكان، وبين واقع مرير تحكمه منظومة من الاختلالات الهيكلية المتراكمة.

 

إن ما يبعث على الأسى والحرقة هو تحول مؤسسات الدولة من أداة لخدمة الصالح العام إلى ساحة لإعادة إنتاج الولاءات الضيقة، حيث يغيب معيار الكفاءة والجدارة لصالح المحاصصة والتوازنات التقليدية، مما أنتج أزمات مركبة تشمل آليات التعيين، ونزاهة المسابقات الوطنية، وشفافية حكامة الموارد المالية عبر صفقات التراضي.

 

يا أسفي عليك يا وطني، ويا أرض المليون شاعر ومنارة التبصر والبيان، إن أكبر جرح ينزف في جسد هذا الوطن العزيز ويقف حائلا دون نهضته وتقدمه هو آفة تسيير الوظيفة العمومية ومقاربة التعيينات، حيث غاب معيار الكفاءة وحدها ليفسح المجال لمنظومة متكاملة من الولاءات الضيقة، فلم تعد المناصب العليا ولا المسؤوليات الجسام توزع وفق التخصص والخبرة والنزاهة، بل أصبحت رهينة لمعادلات قبلية وجهوية، وتوازنات زبونية ومحسوبية تكرس مبدأ الولاء الشخصي على حساب مصلحة الوطن العليا، مصحوبة بتملق ونفاق مجتمعي متشرذم ينخر في جسم مجتمعنا كما ينخر الدود في العظام، ليقضي تدريجيا على قيم الاستحقاق والجدارة ويخلق حالة من اليأس والإحباط العميقين في نفوس الكفاءات الوطنية المخلصين الذين وجدوا أنفسهم مهمشين في وطنهم.

 

تتجلى هذه المعضلة بعمق تاريخي وهيكلي منذ تأسيس الدولة وحتى الآن، حيث عانت الإدارة الموريتانية من ترسبات عقلية الغنيمة الإدارية، ولم تشهد سياسات التعاطي مع التعيينات قطيعة جذرية تذكر، بل تراوحت بين ترحيل الأزمات وتكرار نفس الوثبات العصبوية والجهوية وإن بدلت أشكالها وأثوابها مع تعاقب الأنظمة والحكومات، إن إسناد الشأن العام لغير أهله أدى مرارا وتكرارا إلى تفشي الفساد الإداري وإعاقة كل محاولات التنمية المستدامة، لأن الإنسان هو أساس التنمية وبناء المؤسسات، وحين يقصى الرجل المناسب من المكان المناسب لحساب اعتبارات واهية ومحاصصات قبلية وجهوية متوارثة، فإن النتيجة الحتمية هي ترهل الإدارة العمومية وتراجع جودة الخدمات وضعف الرقابة وغياب المحاسبة، وهو ما جعل الدولة تواجه دائما تحديات بنيوية تعيق انطلاقها الحقيقي على الرغم من ثرواتها الطبيعية الهائلة وموقعها الاستراتيجي المتميز.

 

ولم تقتصر أزمة التعيينات واختيار الأطر على الإدارة العليا فحسب، بل امتدت لتضرب في صميم مستقبل أصحاب الشهادات التعليمية من خلال المسابقات الوطنية التي تتصدرها باستمرار الخروقات الكثيرة وشبهات تزوير الشهادات وشرائها، وهي ممارسات خطيرة تقتل طموح الأجيال وتفرغ المنظومة التربوية والأكاديمية من محتواها الأخلاقي والعلمي، وقد راح ضحيتها لفيف واسع من الدكاترة وأصحاب الشهادات العالية المعتصمين منذ سنتين أمام اللجنة الوطنية للمسابقات مطالبين بأبسط حقوقهم في الولوج إلى الوظيفة العمومية بناء على استحقاقهم الأكاديمي وجهدهم العلمي، في صورة بالغة السواد تعكس مدى الإقصاء المنهجي الذي تتعرض له النخب العلمية في البلاد، وكأن الوطن يلفظ أبناءه الأكثر تعليما وتحصيلا لصالح زبونية ومحسوبية عمياء. {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}.

 

وفي خضم هذا المخاض العسير والمطالبات المستمرة بإصلاحات عميقة وشاملة تأتي لترقيع الشروخ لا لترميم البنيان، جاءت استقالة الحكومة وإعادة تشكيلها لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الاستقالة في هذا السياق لا تشكل تغييرا جذريا حقيقيا، بل هي مجرد تدوير لنفس النخب وإعادة تدوير للأزمات وتغيير في الواجهات دون المساس بجوهر الاختلالات الهيكلية، وإن إعادة الثقة في نفس النهج الإداري والسياسي يقصم ظهر البعير ويهدم آخر قلاع الأمل المتبقية لدى المواطن البسيط، ولا يدع مجالا للشك في استمرار الحال على ما كان عليه، حيث تظل السياسات هي هي، والوجوه هي نفسها، وتظل الأسباب المؤدية للأزمات قائمة بذاتها دون أدنى مراجعة نقدية أو شجاعة سياسية لإصلاح الجذور.

 

ولا يمكن الحديث عن هذا النزيف المستمر دون الالتفات إلى آفة أخرى بالغة الخطورة تتمثل في صفقات التراضي وما تشكله من نزيف حاد ومباشر لاقتصاد البلد، فإن منحت المشاريع الكبرى والمقدرات العمومية بريبة وشك، دون المنافسة الشفافة والمعايير القانونية الصارمة للصفقات العمومية، فسيفتح الباب على مصراعيه أمام تبديد المال العام، وانتشار الرشوة، وضعف جودة البنى التحتية والمشاريع التنموية، إن صفقات التراضي حين تتخذ مطية للمجاملات السياسية والمصالح الشخصية الضيقة، تحرم خزينة الدولة من موارد مالية معتبرة كان من المفترض أن توجه لقطاع الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتعمق الهوة بين طبقات المجتمع وتكرس اقتصاد الريع والزبونية، وهو ما يجعل الاقتصاد الوطني هشا وعرضة للأزمات المرتدة التي يدفع ثمنها المواطن الموريتاني وحده من قوته اليومي ومستقبل أبنائه. وكتجسيد صارخ لهذه الأزمة، تبرز الميزانيات والاعتمادات المالية الضخمة التي خصصت على مر السنين لمشاريع الصرف الصحي في العاصمة نواكشوط، دون أن يلمس المواطن لها أثرا حقيقيا على الأرض، فما تزال العاصمة تشهد شللا تاما وتغرق في برك المياه مع كل قطرة مطر تهطل عليها، مما يكشف حجم الهدر في الموارد العامة وغياب الفعالية في تنفيذ المشاريع التنموية الحيوية.

 

إن الاستمرار في هذا النهج القائم على القبلية، والزبونية، وتهميش الكفاءات العلمية، والتغاضي عن خروقات الصفقات العمومية، يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل البلاد واستقرارها الإداري والاقتصادي، وإن الخروج من هذه الدوامة يتطلب إرادة سياسية حقيقية تفرض معيار الكفاءة والنظام في التعيينات، وتضمن شفافية المسابقات الوطنية، وتفعل آليات المحاسبة والرقابة في تسيير المال العام، وبدون هذه المراجعة الشاملة والجادة، سيبقى المواطن يتقلب بين مرارة الواقع وخيبة الأمل، ولا يسعه أمام هذا النزيف المستمر إلا أن يقول بقلب مكلوم: واأسفاه عليك يا وطني.

الأحدث