جدول المحتويات
فقد بدأت النخب السياسية الموريتانية على غرار بقية نخب القارة في إعادة التموقع ضمن خارطة سياسية عمل المستعمر على تفصيل بعضها وحاول آخرون انتزاع مقاعد ضمن النظام السياسي الذي بدأ يتشكل داخل سماء القارة.
ففي شهر نوفمبر سنة 1947 انتخب أحمد ولد حرمه نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية ممثلا للموريتانيين ،ضمن حراك تحرري كانت تقف ورائه بعض النخب المتأثرة بالطرح الناصري ساعتها ،بينما كانت العاصمة السنغالية دكار تستعد لاحتضان الإتحاد لعام للمنحدرين من منطقة نهر السنغال كرد على الحضور العربي وتنظيما للحركة الوطنية الزنجية بموريتانيا ليتم الإعلان رسميا عن الإتحاد سنة 1951.
ومع مرور الأيام بدت الأحداث السياسية بموريتانيا تتسارع تدريجيا تحت ضغط الخلافات الداخلية وبدعم من القوة الاستعمارية التي حسمت أمرها وباتت تستعد للرحيل تحت ضربات الثوار في المنطقة الإفريقية والشعور بالضعف رغم انتصار الحلفاء في الحرب وتحرير باريس.
عمد شيوخ القبائل وبعض الموالين للسلطة الفرنسية إلي تأسيس حزب سياسي هم أيضا بعيد دخول النائب ولد حرمه ورفاقه في عراك سياسي مع الفرنسيين داخل وخارج قبة البرلمان،واختير بونا مختار رئيسا له ،بينما تم اعتماد سيدي المختار ولد يحي أنجاى نائبا لرئيس الحزب الذي أطلق عليه “الإتحاد التقدمي الموريتاني” وحظى المختار ولد داداه بعضويته مع آخرين.
غير أن النائب ولد حرمه هو الآخر عمد إلي تأسيس حزب سياسي ردا على غريمه التقليدي سيدي المختار ولد يحي أنجاى واختار له اسم “حزب الوئام الموريتاني” بغية تنسيق جهود رفاقه قبل الانتخابات التشريعية الثانية والتي كان الفرنسيون وبعض شيوخ القبائل قد أعدوا لها العدة بغية إزاحة النائب المشاكس كما يصفه خصومه،وتمهيدا لاختيار زعامات سياسية قد توكل إليها قيادة البلاد بعيد تخلي الاستعمار الفرنسي عنها ضمن مشروع الجنرال “ديكول”.
في صيف 1951 أجريت الانتخابات الثانية وفعلا ربح مرشح شيوخ القبائل والفرنسيين ساعتها نائب رئيس حزب الإتحاد التقدمي الموريتاني سيدي المختار ولد يحي أنجاى وبات ولد حرمه خارج الدائرة بعيد ما يقول أنصاره حدوث عمليات تلاعب واسعة بأصوات الناخبين الموريتانيين من قبل الإدارة الفرنسية وبعض شيوخ القبائل المشرفين على التصويت،وبات حزب الإتحاد الموريتاني يتمتع ب12 نائبا في الجمعية المحلية مقابل نائب واحد لحزب الوئام الذي قاده ولد حرمه خلال الانتخابات.
ومع اقتراب موعد انسحاب الفرنسيين من موريتانيا كان حزب الإتحاد الموريتاني بقيادة سيدي المختار ولد يحي أنجاي يؤكد سيطرته مجددا على الساحة السياسية الموريتانية بعيد فوزه في الانتخابات التشريعية الثالثة رغم منافسة غريميه التقليدين أحمد ولد حرمه ولد ببانه عن حزب الوئام ومحمد ولد الشيخ ولد جدو عن حزب اتحاد الشباب الموريتاني الذي حاول أصحابه إيجاد طريق ثالث في الحياة السياسية الموريتانية ما قبل الدولة.
وبعد انتهاء الإنتخابات التشريعية الثالثة كان الفرنسيون قد حسموا أمرهم لصالح الرحيل عن القارة ،ليعلن الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول عن مشروعه السياسي الجديد أو ما عرف ساعتها بقانون الإطار معطيا المستعمرات الفرنسية مزيدا من الحرية السياسية من خلال تشكيل مجالس حكومية وجمعيات محلية في كل المستعمرات على أن يحتفظ الفرنسيون بقيادة تلك الحكومات التي ضمت في الغالب موالين للمستعمر .
بادرت النخب السياسية الموريتانية إلي عقد مؤتمر “ألاق” الشهير 1958 بغية دمج الأحزاب والقوي السياسية في حزب واحد تمهيدا للاستقلال ليتم اختيار المختار ولد داداه رئيسا للحزب الجديد الذي أطلق عليه حزب التجمع الموريتاني،غير أن بعض الأطراف السياسية الأخرى رفضت الفكرة واعتبرتها مصادرة لحق سياسي أصيل هو التعددية الحزبية ،وعمدت إلي إعلان حزب النهضة بزعامة “بوياكي ولد عابدين” وهو أحد الشخصيات العروبية بموريتانيا لتبدأ بوادر أزمة سياسية بين الرئيسين امتدت إلي ما بعد الاستقلال محدثة شرخا في الحياة السياسية وتأثيرا بالغا في مجريات الأحداث مع إعلان الدولة الوليدة بعد بسنتين.
في الثامن والعشرين من نوفمبر 1960 تخلي الفرنسيون عن موريتانيا ضمن خطتهم السياسية السابقة وأعلن نائب رئيس الحكومة المختار ولد داداه رئيسا للبلاد،واختيرت نواكشوط عاصمة للجمهورية الوليدة مع تشكيل حكومة مصغرة عهد إليها بقيادة الدولة الموريتانية بعد مفاوضات خاطفة بباريس بناء على دعوة من الحكومة الفرنسية.
واجه الرئيس المختار ولد داداه تحديات كبيرة مع إعلان الدولة الموريتانية لعل أهمها الوضع الاقتصادي الهش والخلافات السياسية مع خصومه السياسيين وأزمة الوحدة الوطنية التي أطلت برأسها مبكرا مع أولي قرارات حكومته بشأن التعريب القسري لمناهج التعليم بموريتانيا.
تجاوز ولد داداه الأزمة السياسية مع رفاقه بعد أن عمد إلي تجيير الحياة السياسية لصالح حزبه اثر مصادقة البلاد على دستور جديد سنة 1961 يمنع التعددية السياسية ،ليعلن عن حزب الشعب الموريتاني الذي بات الحاضن الوحيد لمجمل الأفكار والتيارات السياسية والجهوية ،معلنا في يناير 1961 عن إلغاء كل الأحزاب السياسية الأخرى باعتبار حزب الشعب الذي يقوده هو الحزب الوحيد المعترف به في البلاد.
واجهت الخطوة معارضة قوية من زعيم حزب النهضة بوياكي ولد عابدين وبعض القوي السياسية الشابة وخصوصا الطلاب القادمين من الخارج ،للتحول الأزمة إلي صراع جهوي كان صداه يسمع بقوة في الحوضين،مما دفع الحكومة إلي الدخول في حوار مع المعارضة السياسية بعد اعتقال زعيمها ولد عابدين في تيشيت 1961 ليتم احتوائه بعد ذلك ودمجه في الحياة السياسية ضمن حزب الدولة واستعماله كورقة لتهدئة خواطر أبناء الحوضين الرافضين للوضع السياسي القائم ساعتها.
مع استمرار الأزمة السياسية واتساع رقعة الرفض عقدت الحكومة عدة طاولات مستديرة لاحتواء الموقف وبحث مطالب المعارضين، كما أوفد الرئيس المختار ولد داداه الزعيم التاريخي لحزب النهضة بوياكي ولد عابدين إلي الحوضين رفقة أعضاء البعثة الرابعة التابعة لمؤتمر الطاولة المستديرة حيث اجتمع بعدد من وجهاء المنطقة وأنصاره التقليديين ليعود مؤكدا على تمسك سكان الحوضين بالوحدة الوطنية لكن مع مطالب أهمها الشراكة السياسية الوازنة وفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية وفق ما أكد ولد عابدين في تصريح للإذاعة الوطنية بعد عودته ورفاقه من زيارة الحوضين.
وقد شارك في الجولة كلا من الحضرامي ولد أمم وعبود ولد بوسيف وآب ولد أن.
غير أن أزمة الثقة بين حكومة الرئيس المختار ولد داداه وأنصار ولد عابدين لم تك الوحيدة بل تطور الأمر الي خلاف حاد بين المؤسسة التشريعية والحكومة بعد أن حاول المختار ورفاقه سلب البرلمان استقلالياته لصالح حزب الشعب وهو ما رفضه أغلب النواب ساعتها ،وتحول من خلاف في وجهات النظر إلي عصيان برلماني بقيادة رئيس الجمعية الوطنية سليمان ولد الشيخ سيديا الذي رفض التحول القائم نحو الأحادية وطالب باستقلالية البرلمان عن السلطة التنفيذية بعيد انتخابه رئيسا له اثر حرب كواليس قادها معارضو المختار ولد داداه داخل المجلس بعد استقالة رئيسه السابق حمود ولد أحمدو،غير أن الرئيس ومناصريه استطاعوا كسب المعركة في النهاية بدعم من حزب الشعب الذي بات الجهاز الحاضن لأغلب مؤسسات الدولة.
ويري معارضو النظام ساعتها أن ولد داداه بانتهاء السنة الثالثة بعد الاستقلال تمكن من الإجهاز على أهم فضيلتين ورثهما عن الاستعمار وهما التعددية السياسية (بإعلان حزب الشعب حزبا وحدا داخل البلد) والحرية الإعلامية بمصادرة كل الصحف والمناشير غير الموالية للحكومة وإغلاق الصحيفة الموالية لحزب النهضة المحظور بقيادة بوياكي ولد عابدين. وفق تعبير القيادي اليساري والنائب البرلماني المصطفي ولد بدر الدين.
غير أن التحدى العرقي لم يتأخر كثيرا بفعل الشعور بالتهميش الذي بدأت النخب الزنجية تشعر به من خلال تعاطي الرئيس المختار ولد داداه مع أبرز رموزها لتنفجر الأحداث العرقية الدامية سنة 1966 حينما انفجرت الأزمة بعد اتخاذ الحكــومـــة والجمعــيـــة الــوطـــنيــة قــرارا في ينــايــر 1965 يتعــلق الأمــر بالمــرســوم رقــــم 004/1966 المتضمـــن للصيــغ التطــبيقيـــة للقــانــون رقـــم 026/1965 بتــاريــخ 30 أكتوبر القــاضي بتعــريب المــراحـــل الثــانــويـــة من التعـــليـــم ابتداء م العـــام الدراسي القــادم الذي يبــدأ في شهــر أكتوبر ، حيث كــان 18 تشــرين الأول أكتوبر تــاريخــا معــلقـــا فقــد كــان مصــادفــا لافتتــاح السنــة الدراسيـــة إذ سيبــدأ تطبيق القــانـــون الســالف الذكـــر.
وكــان بعــض الأطــر من الزنـــوج وخــاصـــة المعــلميـــن قــد عبـــؤوا التـــلاميــذ خــلال العطــلـــة الصيفيـة لتعــلم اللغــة العــربيـــة .
واستجــابــة لنــداء مجمــوعــة الزنــوج انطــلقــت الإضــرابـــات 04/01/1966 في كــل من نواكشوط وروصــوا وبــدأ العــد التنازلي للصدام.
غير أنه في إجراء تصعيدى كان بمثابة صب الزيت على النار قام 19 موظفا حكوميا زنجيا 06-01-1966 بشن حملة دعائية على هذا القرار وكونه تمييزا عنصريا ومثيرا للكراهية والعداء ودعوا إلى مقاومة هذا القرار بكل الوسائل المتاحة بمــا فيهــا الإضــرابــات و الإعتصــامـــات .
وقــد ســارعـــت الحكــومـــة لتلافيه عن طريق خطاب قدمه السيـد بكــار ولد سيدي هيبه وزيـــر التعــليـــم في اليــوم المــوالى مطــالبا التــلاميـــذ بالعــودة لفصــولهـــم مهــددا إيــاهـــم بالطـــرد إن لـــم يعــودوا للدراســـة ثــم مددت المهــلـــة إلى 10/01/1966 .
غير أن الأمور تطورت بشكل متسارع بعد أن انتقلت عدوى الإضراب إلي الطلاب العرب اللذين تســاءل أغلبهم عــن مــدى شــرعيــة التظــاهــر والإضــراب على تدريس لغــة مــا قــائليــن إن لهــم الحــق والحــالــة هــذه هي التظــاهــر احتجــاجــا على إلزاميــة تدريس اللغة الفــرنسيــة مطــالبيــن بمعــاقبـــة المجــرميــن والمنظمــين لهــذا الإضــراب .
وفي يوم08 /01/66 أصدر 31 موظفا زنجيا موريتانيا في نواكشوط ملتمس تأييد يساندون فيه إضراب التلاميذ ومجموعة 19 ويطالبون بإيجاد حل فوري لهـــــــــذه المشكلة وفى 09 /01/66 صدرت مذكرة تضامن مع موقعى منشورات 19 صادرة من يوكي.
وفي اليوم الموالي التحق التلاميذ الزنوج 10/01 /1966 في إعدادية لعيون بحركــة الإضراب في وقت بدأ المضربون يعودون لفصول الدراسة.
وقد القي الرئيــــــــس المختار ولد داداه في هذا اليوم خطاب جاء فيه (مواطني الأعزاء عندما علمـــــت في منتصف ليل 28 /11/1960 استقلال موريتانيا فإنني بذلك قد أنهيت تبعية رجـــــــــال موريتانيا ونساءها للقوة الاستعمارية السابقة ، وفور انتخابكم إياي بالإجماع رئيــــــــسا للجمهورية ثم أمينا عاما للحزب قطعت على نفسي عهدا أمام الله وأمام العباد أن أبــذل قصارى جهدي في كل ما من شأنه أن يرفع من مستوى الأمة اقتصاديا واجتماعيا ومن البديهي أن مثل هذه المهمة لا يمكن القيا م به إلا في إطار وحدة وطنية صلبة تعتمـــــد على أسس قوية تمكن كافة الشعب الموريتاني من تحمل أعباء الاستقلال ومواجهــــــة أعداء الأمة في الداخل والخارج بفاعلية . وقد أقسمت أمام الملأ وتعهدت بأن أحمي هذه الوحدة وأوطدها .
فعندما كانت الوحدة مهددة بمطالب المغرب الذي حاول تنظيم أعمال تخربية في بلادنا سعيا منهـــــــم في جعلها منطقة مغربية فإنني لن أتردد في القضاء على كل من سولت له نفسه في الداخل أو في الخارج أن يحبط جهودنا ويثبط إرادتنا في بناء موريتانيا قوية مستقلة .
ولم تذهب تلك الجهود سدى واليوم تعلن مجموعة من مواطني جنوب البلاد وكــــــــل أفرادها موظفون بل إن من بينهم موظفين سامين في الدولة عزمها على التخلي ببساطة عن هذه الوحدة من خلال القيام بعمل مناف لعقيدة الحزب حزب الدولة ومناف للقوانين التي تجسد هذه العقيدة.
ولم يتردد هؤلاء المواطنون الذين أعمتهم المواقـــــف العاطفية في نشر بيان يدعم إضــراب تلاميــذ المــؤسســات الثــانــويـة وتشجيعهـــم على إعــاقــة تطبيق القــانــون رقــم 62/026 الصــادر بتــاريـخ 30 ينـايـر 1985 القــاضي بإلــزاميــة تـدريس اللغــة العــربيــة لمـؤسســـات التعليــم الثــانــوي وينبغي القـــول أن من وقعــوا عــلى هــذا البيــان قــد وقعــوا بطــريقــة جبــانة مجمــوعــة من الفتيــان في عملهــم الضــار مستغليــن سهــولــة تحــريك عـواطفهـم وانــدفــاعهــم نحــو تصــرفــات غيــر عقــلانيـــة ولم تبــرء هـــؤلاء في تحقيق أغـــراضهــم باستخـــدام فتيــات وفتيـــان مــوريتـانيـيــن كــان من المفــروض أن يكرسوا اهتمامهم لمتـــابعــة دراستهـــم في اطمئنــان ليعــدوا أنفسهــم غـــدا ليأخــــذوا دورهـــم في تحمـــل مسؤوليـــات السلطــة وقيــادة مستقبــل الأمـــة .
وأخيــرا فإن مــوقعــى هــذا البيــان لــم يفــوضهــم أي أحــد لا في أجهــزة الدولـــة ولا في هيئــات الحــزب،وقــد اختاروا التهــديد والابتزاز والتخــــويف بدلا من الحــوار في إطــار الحــزب والدولــة، أمــا أنــا فكنت عــلى الدوام مــن أنصـــار الحــوار كلمــا دعــت المصلحــة العــامــة لذلك.
أؤكـــد أن الطــريق الذي أختــاره مــوقعــوا هــذا البيـــان من تهـــديد وابتــزاز واستغــلال إجــرامي لشبــاب مدرسي قـــد حتـــم علي أن أعــاقب الذيـــن جــاهـــروا بالعمــل ضــد الدستــور والــوحــدة الوطنيـــة.
وعليـــه فقــــد قــررت تعــليق المــوظفيـــن 19 المــوقعيـــن على البيــان اعتبــارا من يــوم الأربعــاء الخــامس عشــر ينــايــر ومتابعتهـــم قضــائيــا .
وأنتهــز الفــرصـــــة لأحـــذر عــلنـــا كــل فــرد أو مجمــوعــــة مهمـــا كــانت من أن أي عمـــل يـــوحى إلى المســاس بأسس الــوحــدة الـــوطنــيــــة سيعـــاقب مـــرتكبــــه دون رأفــــــة وإني عنــــد القــول أن جمــيع القضــايــا الــوطنــيــة يلـــزم أن تخــضـــع لنقــاش معمـــق في الإطــار الشــرعى لمـــؤسســـات الحــــزب والدولـــــة من أجــل إيجــــاد حـــلـــول تــرضى الجمـــيــع.
وقد تم تجريد الموقعين على المنشور19 من وظائفهم بموجب المرسوم رقـــــم 002 الصادر من رئاسة الجمهــــورية بتــاريـخ 13 فبراير 1966 الذي هو تطبيق للما دة 109 من النظام الأساســـي للوظيفــــــة العمومــــية .
وكإجراء وقائي لاحتواء الموقف قررت الدولة عطلة خمسة عشر يوما ، إلا أن المدرسة افتتحت في نفس أجواء التسميم العنصري الذي قاد إلى غضب عال في صفوف العرب حينئذ اندلعت مشاجرات في 6/2/66 بين تلاميذ الثانوية زنوجا وعربا نجم عنها بعض الجروح العميقة مما استدعى تدخل قوات الأمن.
وقد كان حزب الشعب قد شكل لحل مشكلة ترسيم اللغة العربية لجنة للدراسات الوطنية إلا أن ليلة 9/2/66 شهدت توزيع منشورات بعنوان (بيان إلى الشعب العربي ) أعتبر أن صبر الشعب قد نفـــد مستهزئا بالإجراءات الحكومية التي لا يرى فيها إلا عزل متمرد وتعيين آخر.
حاولت الحكومة الموريتانية بقيادة المختار ولد داداه احتواء الموقف فعمدت إلي فصل الطلاب وأحالت العديد من الموظفين إلي السجن في تكانت ،غير أن الأزمة أخذت طابعا عرقيا بالغ الخطورة بعد تدخل الأطراف المجاورة في الملف وتحريكه على أساس عرقي مستفيدين من تغطية إعلامية غربية للموضوع مما ولد صدمة في أوساط الحكومة الموريتانية ودفها للبحث عن حلول ودية مع الطلاب الغاضبين..
ولم تكد حكومة لمختار ولد داداه تخرج من أزمة التعريب والخلافات الداخلية حتى أطلت الأزمة السياسية مع اليساريين الذي قادوا حراكا نقابيا وسياسيا واسعا بهدف الإطاحة بالحكومة أو تغيير برنامجها السياسي وسط تصعيد إعلامي غير مسبوق بين الطرفين.
نجح الكادحون في جلب الأضواء اليهم رغم الاعتقالات والمضايقات التي تعرضوا لها من قبل السلطة ،وحمل الحكومة على القيام بإصلاحات كبيرة لعل أهمها حيازة عملة وطنية وتأميم ميفرما وإعادة النظر في التعاطي مع المعارضة من خلال تحييدها بعد أن فشلت جهود دمجها في الحزب الحاكم رغم ما أشيع ساعتها من انقسام.
ظل اليساريون شوكة في حلق النظام مستفيدين من غياب أى معارضة سياسية جادة ، ومصعدين لهجتهم ضد النظام “الرجعي” كما يصفونه مع كل محطة صعبة يمر بها البلد،للتفاقم الأزمة بين الطرفين مع دخول البلاد في حرب الصحراء بعد اتفاقية مدريد.
ورغم أن القوات المسلحة الموريتانية استطاعت في يناير سنة 1976 دخول مدينة الداخلة عاصمة وادي الذهب وإعلان تيرس الغربية الولاية الثالثة عشرة ،إلا أن الأحداث تسارعت في غير ما تشتهيه الحكومة واستطاع مقاتلو جبهة البوليساريو استهداف العاصمة العاصمة نواكشوط في يونيو من نفس السنة رغم سقوط قائدهم الولي مصطفى السيد في مواجهات لكصر مع الجيش الموريتاني.
وفي نفس السنة أعيد انتخاب الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه رئيسا للبلاد لفترة رابعة ،غير أن الجبهة الداخلية بدأت تتفكك،وبدأت المعارضة اليسارية والقومية – لاحقا- في التفكير الجدي للتخلص من نظام المختار ولد داداه لكن عن طريق انقلاب عسكري هذه المرة بعد أن نجح الرجل في تحييد الطبقة السياسية وقطع الطريق أمام أى تغيير سياسي قد يستهدف حكمه من خلال هيمنة حزبه على مقاليد السلطة في البلاد منذ استقلالها عن فرنسا مطلع الستينات.
العاشر من يوليو 1978 أنهي الضباط وبدعم من أطراف مدنية حكم الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه ،بإعلان العقيد المصطفى بن محمد السالك رئيسا للبلاد ضمن مجلس عسكري حاكم.
وقد دفع القادة الجدد باتجاه توقيف حرب الصحراء الغربية واعادة الهدوء للساحة السياسية من خلال اشراك من القوي السياسية المعارضة لحكم الرئيس ولد داداه ،رغم أن الود بين العسكريين لم يستمر طويلا.
فقد حلت اللجنة العسكرية للخلاص الوطني في ابريل 1979 محل اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني وعين المقدم أحمد ولد بوسيف وزيرا أول،غير أن ولد بوسيف قضي بسقوط طائرته أثناء توجهه إلى السنغال وعين المقدم محمد خونا ولد هيداله مكانه.