الأخبار – الشيخ داداه ولد آباه
تصطحب "رقية" نجلها رغم إعاقته في رحلتها اليومية بحثا عن الصدقات (الأخبار)
لم تكن الأم الأربعينية رقية بنت جمعه تظن يوما أن تتسول بفلذة كبدها بعد أن أصرت بنفسها على العمل لأكثر من خمسة وعشرين سنة هي مجمل عمر ابنها البكر سيد ولد أحميد الذي لا يملك التصرف بنفسه بفعل الإعاقة التي لازمته منذ ولادته وحتى اليوم. كان بودها أن تعتمد على نفسها لتوفر له ولأخته الوحيدة أبسط مقومات الحياة، لكن عامل المرض – كمل تقول – أرغمها على ما ليس منه بد فخطت بذلك -وعلى مضض- أولى خطواتها نحو التسول في منتصف شهر رمضان الماضي.
الطلاق… الجرح الغائر
رقية التي تبلغ من العمر ثلاثة وأربعين سنة وتصارع مرضا يعرف شعبيا بـ”لكواتر” (مرض الغدة الدرقية) تتذكر بمرارة يوم طلاقها من زوجها وابن خالتها أحميد على إثر خلافات أسرية بسيطة – على ما تقول – لتجد نفسها أمام واقع صعب يستدعي منها التشمير عن ساعد العمل لكي تعيل ابنها المعاق وأخته الوحيدة كما أنها تتبرم بشدة من الخوض في تفاصيل أسباب طلاقها لأنه يمثل جرحا غائرا عصيا على أن يندمل. وبرى أن طلاقها من زوجها كان سببا من أسباب صراعها مع حياة من “جحيم” أودت بها مؤخرا إلى التسول الذي كان إلى فترة قريبة جدا خيارا مستبعدا بالنسبة لها.
بداية الطريق
يشكل استعراض عاهات المعاقين أسلوبا لاستدرار المحسنين وهو ما تحرص عليه رقية (الأخبار)
بعد الطلاق أصبح لزاما على رقية أن تختار بين التسول على قارعة الطريق وبين العمل، ولأن رقية ضربت بخيار التسول عرض الحائط مفضلة عليه خيار العمل بالرغم من أن السواد الأعظم من “أقاربها” وجيرانها نصحوها بالخيار الأول، كان على بنت جمعة أن تعمل في بيع الخضار عساها أن تتحصل على عائد يوفر لها حاجيات وليديها بعد أن وجدت نفسها الوحيدة المسؤولة عن إعالتهما.
امتهنت رقية بيع الخضار لأكثر من خمسة وعشرين سنة ظل خلالها ابنها البكر وأخته يسرحان ويمرحان في بيت والدتهما الضيق في مقاطعة الميناء يتمتعان بما تعود به والدتهما من نقود قد لا تفي بأبسط مقومات الحياة، لكن مهما يكن – تقول رقية – “يظل عملي رغم تدني مردوده الأحب إلي من أن أسأل الناس أعطوني أو منعوني”.
وأخيرا وبعد كل هذه الفترة من فراقها لزوجها وتحملها مسؤولية إعالة بيتها انتابت رقية وعكة صحية شديدة جعلتها تتوجه إلى مركز الاستطباب الوطني وخلال تلفيها العلاج فاجأها الطبيب المعالج بأن حالتها المرضية تفرض عليها أن تبتعد عن حمل الأثقال مع الأخذ بأسباب الراحة، فودعت السيدة الأربعينية العمل لتلجأ للتسول كبديل فرضته الحاجة وكرهته النفس وعفت عنه لأزيد من ربع قرن، لكن لا يمكن الفرار مما لابد منه، كما تقول.
إلى ناصية الشارع
ودعت منت جمعه عريشها الذي ألفها وألفته وهي توزع تحت ظله الوارف قطع الخضروات إلى أقساط مختلفة قبل أن تبيعها لزبنائها الكرام كما تصفهم، كما ودعت أيضا زبنائها الذين أحبوها أكثر من اللازم لتأخذ مكانها على ناصية شارع “شارل ديكول” وتباشر مهنتها كمتسولة من الطراز الأول رغم حداثة انتمائها، ورغم أن حنينها وهي تزاول “مهنتها” الجديدة معلقا “دوما بأول منزل”.
وطيلة ساعات دوامها التي تمتد من الساعة العاشرة صباحا وحتى الثالثة ظهرا – على حد تعبيرها – تظل رقية تجوب الشارع المذكور وهي تدفع بيديها السرير الحديدي الذي يقل ابنها المعاق علها أن تصادف من يجود عليها بدراهم معدودة تقضي بهما بعض حوائجها الأساسية مستغلة إعاقة ابنها في استجداء المارة وفاعلي الخير، وعند حدود الساعة الثالثة ظهرا تكون منت جمعه قد حصلت على ما يمكنه أن يسد بعض حاجيات بيتها حيث تقول أن دخلها اليومي يتراوح ما بين 1500 إلى 4000 أوقية يوميا.
"صاحبة اليتامى"
أما عن المساعدات الأخرى التي قد تأتي من الدولة ممثلة في برنامج مكافحة التسول أو من الجمعيات الخيرية تقول رقية “لم أتلق أي دعم من برنامج مكافحة التسول لأنني لا أعرف مكانه ولم أتصادف يوما مع أحد ممثليه أو العاملين به رغم أني من أكثر الناس احتياجا له”، وتضيف رقية “إذا قدر الله لي أن أحصل على عناية من الدولة أو من برنامج مكافحة التسول كأن يوفر لي رتبا شهريا في حدود عشرة آلاف أوقية سأترك التسول إلى غير رجعة” كما ترتسم في وجه رقية بسمة عريضة وهي تتذكر مساعدة بسيطة تلقتها من مريم (صاحبة اليتامى كما تصفها)- وهي على ما بدا لنا من خلال حديثها عنها أنها تمثل إحدى الجمعيات الخيرية – حيث منحتها سريرا حديديا لابنها المعاق، لتبقى رقية حتى بعد فترة طويلة من لقائها بها تحتفظ لها بذاك الجميل.
وتؤكد رقية وهي من أواخر المنتميات للتسول جملة من الحقائق رغم قصر تجربتها الوليدة قائلة أن العديد من مرتادي التسول هم من فئة الفتيات الشابات والأطفال الصغار والشباب أيضا كما أن هناك نسبة معتبرة من الرجال الكبار والنساء لكن أغلبهم تقول رقية يستطيعون العمل وليسوا من “الفصال” أي المحتاجين، مؤكدة أن التسول يجب أن يبقى مهنة ذوي الاحتياجات الخاصة ممن لا يستطيعون التصرف وكذلك الفقراء الذي لا يجدون قوت يومهم، وأن على الفقراء ومرتادي مهنة التسول عليهم أن يتمثلوا بما تقتضيه هذه المهنة من أخلاق وضوابط وعلى رأسها خلق التعفف، مصيفة أن “التسول انحرف عن مساره الطبيعي ويجب أن يعود إليه” وأن جهودا كبيرة من طرف الدولة والجمعيات الخيرية يجب أن توجد لكي تقضى عليه بشكل نهائي.