الأخبار_ألاك_ خاص:
صورة صغيرة هي ما تبقى لوالدين وثمانية إخوة يصرون على حقهم "في معرفة قبر ابنهم وأين دفن؟ (تصوير الأخبار)
“اتصل بنا في الأيام الأخيرة وطلب منا تأخير مناسبة أخته حتى يتسنى له حضورها، مؤكدا أنه سيكون معنا أياما بعيد عيد الفطر المبارك، اعتذرنا له طالبين منه تفهم ظروفنا وظروف الطرف الآخر وهو ما تفهمه قبل أن نفاجأ باتصال من قيادة الأركان يخبرنا بوفاته”.
إنها كلمات سيدي ولد عبد الله ولد احميد الشقيق الأكبر للشهيد الشيخ ولد عبد الله ولد احميد، الفتى الذي قضى في المواجهات الأخيرة بين الجيش الموريتاني وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الشمال المالي.
تحمل المومنة صورة الشيخ وخلفها والده عبد الله وشقيقه الأكبر سيدي، في ملامح الكل أسئلة كثير تبحث عن أجوبة أكثر (تصوير الأخبار)
يتحدث سيدي وسط تنهتات أم لما تودع الصدمة، تتفوه بكلمة خافتة بين الحين والآخر، أغلبها ثناء على الشهيد وذكر لبعض “محاسنه”، وتأكيد أن كل ما في الدنيا لا يعوض جزء من حياة الفتى الغالي “الشيخ ولد احميد” فتى ضن الزمان عليهم حتى بلقاء أخير قبيل وفاته، “فمنذ دخوله الجيش مايو 2008 – تفيض المومنة بنت الرباني – لم يمض معنا أكثر من خمسة أيام، مع أننا رأينا زملاء له أمضوا أكثر من شهر وبعضهم أكثر” قبل أن تصمت هنيهة لتضيف “لكن تعويلنا على الله فهو وحده القادر على تعويضنا”.
الصدمة الأولى
يصر عبد الله على أن "الدولة أدرى بما يجب" لكنه يؤكد أنه لم يلمسوا أي شيء حتى اللحظة، ويضع بين يديه "أوراق مدينة" بذل كل الجهد لإنجازه من أجل دخول الشهيد للجيش (تصوير الأخبار)
وعن الطريقة التي علمت بها الأسرة التي تسكن مدينة ألاك بالخبر –يقول والد الشهيد – “لقد اتصلت بنا قيادة الأركان مساء الاثنين الساعة الرابعة وأخبرتنا بوفاته”، وهو ما يؤكده شقيق الشهيد قائلا “اتصلوا علي وقالوا نريد شخصا من أسرة المرحوم”، وتعلق الوالدة “لقد صدمونا بالخبر دون مقدمات، عن أي مرحوم يتحدثون”.
أدى الخبر الصادم إلى قطع أسرة أهل احميد لفترة الاستجمام في البادية ورحلوا اليوم نفسه إلى مدينة ألاك، لتبدأ رحلة التعازي بدأ بالأهالي وانتهاء بقادة الجيش الذين حمل “بعضهم وعودا لكن أيا منها لم يتحقق حتى الآن”.
نظرات والد الشهيد تختصر لك واقع الأسر، وطبيعة رؤيتها للواقعة، لكنها مع ذلك تظل الأكثر هدوء ورزانة داخل الأسرة والمحيط الضيق للشهيد (تصوير الأخبار)
نظرات الحسرة والحيرة، والبحث عن عشرات الأسئلة العالقة يقرأها من يدلف إلى منزل أهل احميد، ليس أقلها إلحاحا السؤال الذي بادرت به المومنة عن “مكان قبر ابنها” مضيفة “نريد أن نزوره حتى ولو كان تنظيم القاعدة دونه”، ومع تأكيد الوالد أن “الجيش أخبره بدفن ابنه في مدينة تمبكتو إلا المومنة لم تقتنع بهذه الرواية قائلة “تضارب الأنباء يدفعني للشك، لقد أخبرنا بعضهم أن أحرق مع بعض الجنود داخل السيارات، كما أخبرنا بعضهم أنهم دفنوا حيث قضوا لم أعد أدري أي رواية أصدق”
بداية القصة
تتلقى الأسرة كل قادم عله يحمل نبأ سارا بعد سيل الأخبار المفجعة خلال الأسابيع الماضية، حتى ولو كان خبرا عن موقع قبر الشهيد (تصوير الأخبار)
مايو 2008 يسابق المسن عبد الله ولد احميد الزمن لينجز لابنه الشيخ أوراقه المدنية، فدخول الجيش على الأبواب، تساعد الأقدار عبد الله وتنتهي الأوراق في يوم واحد، ويغادر الإبن مضارب الأهل في رحلة كشفت الأقدار أنه لا عودة منها.
يدخل الشيخ الجيش ويحقق حلمه مع شلة من زملاء الطفولة، زمالة استمرت حتى آخر يوم له في الحياة، حيث قضى وإلى جانبه زميله ولد اميليد الذي أصيب هو الآخر إصابتين، لكن الأقدار منحته فرصة أخرى بعد عمليات جراحية في المستشفى العسكري بنواكشوط.
المومنة بنت الرباني والدة الشهيد الشيخ ولد احميد: يشي حديثها بشكها في أغلب الرويات المتداولة حول الحادث، لكن "احترام الرجال" يفرض عليها كبت الكثير من مشاعرها وآرائها (تصوير الأخبار)
أمضى الشيخ أيامه الأولى في الجندية في مدينة أكجوجت شمال البلاد، وبعيد نهاية التدريب انخرط في الجيش بكل حب وقوة، شارك في الوحدات التي سافرت إلى ليبيا لمشاركة الزعيم احتفالاته بالفاتح، قبل أن ينتقل إلى بولنوار، فقاعدة اجريده قرب نواذيبو، ليسافر يوما واحدا قبل شهر رمضان إلى الحدود الموريتانية المالية، ليقضي هناك في بعيدا عن الأهل والأحبة، ولتبقى أنباؤه “غصة في حلق أم وأب وأحبة لما يجدوا بعد من الأنباء ما يجعلهم يوقنون بمصير ابنهم وفلذة كبدهم “وواسطة عقد أبنائهم، إذ هو الوسط “بين أخوين وأختين أكبر منه، وأربعة أصغر منه”.
النظرة الأخيرة
سيدي ولد عبد الله ولد احميد طالب بالكشف عن مكان دفن شقيقه مؤكدا أن "الأسرة ستزور قبره حتى ولو كان تنظيم القاعدة دونه" (تصوير الأخبار)
ألقى الجندي “المجهول” الشيخ ولد احميد نظرته الأخيرة على موطن وموطن أجداده في اليوم الأخير قبل شهر رمضان، ومضى ممسكا بسلاحه باعتزاز في رحلته الأخيرة ضمن وحدته العسكرية، تقول رواية والد الشهيد إنه قضى في اليوم الأول حيث كان يقف على السلاح المرفوع على السيارة وهو من عيار 17 وقد أصيب مع قائد الوحد وجندي الإرسال وملازمين، وتؤكد “الوالدة أن أقاربه على الشارع تعرفوا عليه أثناء مروره من شوارع مدينة ألاك، كما أشار لهم بيده ليثبت لهم أنه هو”.
صورة وشهادة ميلاد وجنسية هو ما بقي للأسرة من ذكرى ابنها الشهيد (تصوير الأخبار)
لا تجد الأسرة تفسيرل لغياب اسم ابنها من لوائح الشهداء، فكلا اسميه الرسمي والعائلي لم يرد في اللائحة، لكن والده “يرى أنه الاسم الذي ورد تحت “الشيخ ولد أحمد هو ابنه”، وهو ما أكده صديقه “ولد اميليد” حسب الوالد دائما، لكن شقيق الشهيد ووالدته يرون أن “الأولى استخدام اسمه الرسمي الشيخ ولد عبد الله أو الاسم العائلي الشيخ ولد احميد، وهو ما لم يكن أي منه”.
كلمة للقاعدة
عائشة شقيقة الشهيد كانت تحتفظ بالصورة بعيدا، احتجنا وقتا لتأتي بها (تصوير الأخبار)
توجه والدة الشهيد الشيخ ولد احميد رسالة إلى تنظيم القاعدة قائلة “لقد حرموني من فلذة كبدي وواسطة أبنائي، أدعو الله عز وجل أن يصيبهم بما أصابوني به، وأن يجدوا في قلوبهم من الألم مثل ما رأيت، كما أرجو الله عز وجل أن يمنحني القود منهم، فهم القادر على ذلك”.
وتعود والدة الشهيد للحديث عن مآثره “مشيرة إلى أن كل زملائه يشهدون له بالأخلاق الحسنة والسلوك المتميز، مضيفة “لم يتزوج حتى الآن، كما أكد كل زملائه، فقد كان ميالا إلى الانفراد ولا يخالط الناس إلا قليلا، وبقدر الضرورة”.
____________________
ملفات ذات صلة:
– خمس سنوات من الحرب المفتوحة مع القاعدة.. كيف يراها الشارع
– موريتانيا و"القاعدة"… خمس سنوات من الحرب المفتوحة
– موريتانيا والقاعدة مواجهة مفتوحة و مآلات غامضة
ــ أهم محطات المواجهة بين موريتانيا والقاعدة
– ولد سيديا لـ"الأخبار": الحل يكمن في الحوار ونتائجه كانت ملموسة
– "الأخبار" تنشر لائحة بأهم المتهمين بالانتماء لتنظيم القاعدة