جدول المحتويات
رسالة من كاتب الدولة للبيئة السابق إدريس جارا إلى الوزير الأول ولد محمد الأغظف يطالبه فيها بإلزام المصالح الحكومية بحل مشكل مفتشي البيئة وقد أرسلت بأيام قبل إقالته في التعديل الوزاري الأخير
وقد أنشأت هذه الكتابة سنة 2006 لكي تكون جهازا بيئيا مستقلا عن قطاعي المعادن والبترول ومراقبا لهما، وذلك بناء على استشارة مكتب كندي بُعيد فضيحة ملحقات وود سايد الشهيرة إلا أن التقارير تشير إلى أن الاختلالات السابقة تحول دون تمكن القطاع من أداء المهام المنوطة به.
اختلالات هيكلية
المواد السامة والخطرة وجدت طريقا للتسرب أكثر من مرة بسبب عجز الوزارة عن القيام بمهام التفتيش والمراقبة (نفايات mcm في صحراء اكجوجت)
وتشير مصادر الأخبار على سبيل المثال إلى أن ممثلي الوزارة في الولايات المعدنية الثلاث (إينشيري، نواذيبو، تيرس زمور) هم من العاملين السابقين في حماية الطبيعة، كما تذكر -تدليلا على عدم إدراكهم لخطر المواد المستعملة في التعدين- أن بعضهم يطلب من الشركات إعطائه البراميل التي كانت تستخدم لحفظ مادة اسيانيد الخطيرة لاستعمالها في الأغراض المنزلية.
وتعاني الوزارة أيضا طبقا لمصادر الأخبار من عدم توفر الوسائل التقنية المطلوبة من أجل الكشف عن الاختلالات البيئية و معالجتها حتى أنها تضطر إلى استجداء شركات التعدين التي تفتشها لكي توفر لها وسائل تمكنها من تأدية عملها في التفتيش والاستطلاع.
كما لا تتوفر الوزارة على الموارد المالية التي تمكنها من القيام بالتفتيش فرغم أن التفتيش الميداني يجري على مساحات شاسعة ومتباعدة من موريتانيا فإن ميزانية الوزارة لا تتعدى مائتي مليون أوقية تخصص منها ثمانية ملايين فقط لإدارة الرقابة البيئية.
ويقول الخبراء إن هذه الميزانية لا تكفي حتى للقيام بدراسة أثر بيئي لأي من النشاطات المعدنية أو البترولية التي ترخص لها وزارتا المعادن والبترول.
وعلى سبيل المثال لا تكفي هذه الميزانية للتخلص من النفايات السامة التي اكتشفت مؤخرا في لتفاتار والتي يتطلب التخلص منها مليوني أورو (حوالي 700 مليون أوقية )كما أكدت استشارة أجراها خبراء غربيون لصالح الحكومة الموريتانية.
وتتحدث مصادر الأخبار أيضا عن غياب التنسيق وتداخل الصلاحيات بين مختلف الهيئات الموريتانية المكلفة بحماية البيئة بما في ذلك سعي وزارتي المعادن والبترول لسحب مهام الكتابة المكلفة بالبيئة عبر إنشاء إدارات لحماية البيئة رغم أن الهدف الأصلي من إنشاء الكتابة هو الحد من تأثير تعطش الوزارتين لاستغلال الاحتياطات الوطنية على البيئة.
قصور وخروقات في القوانين
رسالة من مدير ديوان كاتب الدولة للبيئة موجهة إلى الأمين العام لوزارة العدل يطالبه فيها بتمكين المفتشين البيئيين من أداء القسم وهو ما لم يتم حتى الآن رغم أن الرسالة أرسلت في أواخر 2006
و من الأمثلة على ذلك عدم إنشاء المجلس الوطني للبيئة والتنمية CNED الذي تنص عليه المادة 11 من مدونة البيئة و الأمر ذاته بالنسبة لصندوق التدخل من أجل البيئة FIE الذي تنص عليه المواد 21 ,22 ,23 من المدونة.
أما في القوانين التشريعية فإن مدونة البيئة تحيل في المادتين 52و53 إلى قوانين ومراسيم ستصدر لتسمية وتحديد المؤسسات المصنفة لوضعيتها الخطرة وهو ما لم يتم حتى اليوم.
وليست القوانين التي رأت النور بأفضل حالا إذ إنها لا تطبق في كثير من الأحوال، كما يجري مع الأمر القانوني 094/2004 الذي يُلزم بإجراء “دراسة أثر بيئي” لأي منشأة أو مشروع عمراني للتعرف على مخاطره البيئية المحتملة ووضع مخططات لمواجهتها وهو ما لم يتم في مشاريع من قبيل تخطيط الحي الساكن وشبكة الطرق في نواكشوط ومنشأة BSA في نواذيبو على سبيل المثال.
وتشل التفتيش البيئي عوامل قانونية أخرى من بينها الاتفاقيات المجحفة بين الدولة الموريتانية وشركتي تازيازت و MCM والتي تنص على أن أي قوانين جديدة تصدر في موريتانيا لا تعتبر ملزمة لهما إلا إذا كانت في صالحهما.
كما أن هذه الاتفاقيات تسمح للشركات المذكورة بطرق كثيرة للتهرب من المسؤولية؛ منها التعاقد مع شركات وسيطة وهمية تلقى عليها المسؤولية في حالة خرق الشركة للقوانين كما وقع مؤخرا في حادثة رمي المخلفات السامة في مكب مفتوح في الصحراء بين نواكشوط وانواذيبو أو ما بات يعرف بفضيحة تازيازت.
هذا فضلا عن تشكيك تقرير أعده مدير سابق للرقابة البيئية في قانونية الرخص التي تعمل بها شركة mcm حيث تشترط القوانين إجراء دراسات انعكاس بيئي قبل منح على الرخص وهو ما لم يتم مع الشركة حيث إن ما قامت به الوزارة ممثلة في مديريته هو دراسة أثر بعد إنشاء الشركة وهو ما لا يمكن اعتباره إذنا من الناحية القانونية كما يقول التقرير .
كما تعكس ضآلة العقوبات المالية المقررة في القوانين جانبا آخر من المشكلة حيث لا تتجاوز الديات التي تدفعها الشركات عن الوفيات الناجمة عن العمل أو تسرب مواد سامة مليون ومائتي ألف أوقية، أما عقوبات الأخطاء الأخرى فلا يتجاوز بعضها ما بين ثلاثة آلاف ومائتي ألف وهي مبالغ ضئيلة لا تردع شركات تربح أموالا طائلة من استغلال المعادن.
ولا تتوفر الوزارة على إطار قانوني لآلية التفتيش مما تسبب في انعدام القيمة القانونية لتقارير التفتيش وهو ما زاد منه عدم تأدية المفتشين العاملين بالكتابة للقسم الذي يخولهم صفة ضابط شرطة قضائية طبقا للمادة 81 من مدونة البيئة وذلك رغم مراسلة كتابة الدولة للبيئة لوزارة العدل لتمكينهم من أداء القسم بُعيد اكتتابهم قبل أربع سنوات.
… وللطاقم مصاعبه
فقد اكتتبت الوزارة في بداية إنشائها عشرة مفتشين بيئيين من تخصصات مختلفة ليكونوا نواة أولى لسلك وطني للمفتشين البيئيين إلا أن الدولة عدلت عن تلك الصيغة واكتتبتهم كعقدويين وفي ظروف قانونية ومالية ومهنية غير ملائمة أدت إلى ترك اثنين منهم للعمل.
وقد أكد هذه الوضعية الحرجة للمفتشين كاتب الدولة المكلف بالبيئة المنصرف إدريس جارا، في رسالة بعثها للوزير الأول، بأيام قبل إقالته ضمن التعديل الوزاري الأخير، يطالبه فيها بإلزام المصالح المعنية ” أن تأخذ بعين الاعتبار الإجراءات اللازمة لتسهيل حل هذا المشكل الذي دام لأربع سنوات”
وجاء في الرسالة المؤرخة بالرابع من مارس الماضي أن هؤلاء المفتشين المكتتبين في نهاية 2006 “لم يستفيدوا بعدُ من الظروف المناسبة لمزاولة أعمالهم على أحسن حال” .
ورأى الوزير في رسالته أنه بسبب الاكتتاب العقدوي لهؤلاء المفتشين “لا يبدو في الأفق أن وضعيتهم الإدارية أو المالية ستتحسن كثيرا” .
واقترح الوزير في الرسالة لتحسين ظروف هؤلاء المفتشين “إنشاء نظام قانوني يناسب مراقبة وقمع الغش في ميدان البيئة عبر المصادقة على نظام خاص بمفتشي البيئة على غرار الهيئات الوطنية الأخرى المماثلة” .
وبالإضافة لاكتتابهم غير الدائم لا يستفيد هؤلاء المفتشون من أي تأمين صحي رغم المخاطر التي يتعرضون لها، كما يقولون إنهم لا يستفيدون بشكل منتظم من “بدل مهمة” فضلا عن التأخر المتكرر للرواتب ولمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، وغياب التكوين التخصصي، كما أنه لا توجد إشارة للمفتشين في هيكلة الوزارة.
وتقول جهات مختلفة تحدثت لوكالة أنباء “الأخبار” إن هذه الوضعية العامة تدق ناقوس الخطر في بلد تعمل فيه شركات معدنية وبترولية مختلفة ويعرف حركة تنقيب متواصلة في الوقت الذي لا توجد بنية قانونية وإدارية تستطيع حماية البيئة من هذا النشاط الذي بدأت تأثيراته تطفحو على السطح.
وقد أطلق أحد الخبراء البيئيين تحذيرا من أن أخطر ما في التلوث البيئي هو أنه “لا يختار ضحاياه” وبالتالي فالجميع قد يجد نفسه عرضة لهذا الخطر “بما في ذلك هؤلاء الذين يتهاونون اليوم في حماية البلد من هذا الخطر” .
ويعلق مراقبون على كون القطاع المكلف بالبيئة مجرد كتابة لدى الوزير الأول بأن ذلك يوحي بعدم الاهتمام بحماية البيئة وكونه يأتي في مؤخرة الاهتمامات مما يجعله عاجزا عن الرقابة على وزارتي المعادن والبترول واتفاقياتهما مع الشركات العالمية.
____________________________
مواضيع ذات صلة:
– مدير الرقابة البيئة المقال: هنالك تجاوزات خطيرة وضعف شديد أمام المستثمرين
– تقرير رسمي يكشف: نفايات سامة بتكانت تلوث البيئة وتهدد حياة البشر
– الحكومة تنفي و"الأخبار" تنشر الوثائق التي تؤكد خطورة مبيدات لتفتار
– اكجوجت: أمل الثروة … ومأساة صحية وبيئية