تخطى الى المحتوى

زواج القاصر في موريتانيا بين العرف والقانون

جدول المحتويات

تقع الفتاة الموريتانية ضحية الزواج المبكر أو زواج القصر في ظل الانفصام الحاصل بين التشريعات القانونية والممارسات الاجتماعية.

تقع الفتاة الموريتانية ضحية الزواج المبكر أو زواج القصر في ظل الانفصام الحاصل بين التشريعات القانونية والممارسات الاجتماعية.

تطرح إشكالية الزواج المبكر أو زواج القاصر في موريتانيا إشكالا جوهريا يتعلق من ناحية بتغير العادات والتقاليد وما تثيره من إشكالات وكذا القوانين الجديدة التي بدأ اعتمادها والتي تصادم من ناحية أخرى الأعراف والتقاليد المستقرة التي تسمح بهذا النمط من الزواج تبعا لاعتبارات عرفية ودينية عديدة.

وبدأت القضية خلال السنوات الأخيرة تطرح في الإعلام بصورة أكثر إلحاحا فقد تعرضت أسرة موريتانية في اسبانيا للمحاكمة والسجن لأنها زوجت بنتا قاصرا مولودة في اسبانيا من بن عمها الأربعيني بناء على ما هو شائع في موريتانيا وما إن وطئت أقدام الأراضي الإسبانية وتفاعلت الطفلة مع صديقاتها حتى أقيمت دعوى على الأسرة التي زوجت بنتها حرصا عليها طبقا للأعراف الشائعة في موريتانيا وعندها بدأت رحلة المتاعب التي لا تزال تفاعلاتها مستمرة.

وقبل أسابيع زار مقر وكالة الأخبار الأستاذ أحمد سالم ولد المختار أستاذ التاريخ و الجغرافيا في المذرذة معتبرا أن إدارة الصندوق الوطني للتأمين الصحي ترفض تسليمه دفتر التأمين الصحي بحجة أن زوجته قاصر معتبرين الزواج باطلا قانونيا وهددوه في حال أصر على إبقاء زوجته في دفتر التأمين بأن تتم إحالته إلى الدرك للتحقيق معه وهو مصر على أنه يتمسك بزواج شرعي ولكنه عندما سحب زوجته من دفتر التامين أخبره مسئول الصندوق بأنهم أحالوه رسميا على التحقيق.

ويقول أحمد سالم إن الإدارة تمارس نوعا من المماطلة المغلفة بالحرص على تطبيق القانون في إطار محاولات فرض العمل على سلوك الأساليب الملتوية للحصول على الحقوق ويصر على أنه على الإدارة أن تتفهم قضيته العادلة وإعطائه حقوقه التي يكفلها له القانون.

زواج القاصر في القانون الموريتاني :

لم يتمكن الأستاذ أحمد سالم ولد المختار من الاستفادة من خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحجة أن زوجته المولودة في 1995 م قاصر وبالتالي زواجها باطل قانونيا و أحيل ملفه على التحقيق القضائي.

لم يتمكن الأستاذ أحمد سالم ولد المختار من الاستفادة من خدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحجة أن زوجته المولودة في 1995 م قاصر وبالتالي زواجها باطل قانونيا و أحيل ملفه على التحقيق القضائي.

نصت المادة السادسة من قانون الأحوال الشخصية على أنه “تكمل أهلية الزواج بالعقل وإتمام الثماني عشرة من العمر”. وأضافت ذات المادة أنه :”يصح لولي تزويج ناقص الأهلية إذا رأى مصلحة راجحة في ذلك”.

و في المادة السابعة:” إذا زوج الولي ناقص الأهلية دون مراعاة مقتضيات المادة السابقة فإن الزواج يقع صحيحا. غير أنه إذا تبين أن ذلك لمحض مصلحة الولي فإنه يتعرض للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي”.

ويقول الفقهاء والقانونيون في موريتانيا إن قانون الأحوال الشخصية الموريتاني يمنع زواج القاصر وهي من يقل عمرها عن 18سنة غير أن مدونة الأحوال الشخصية التي صيغت بناء على قواعد الفقه الإسلامي المالكي لم تضع آليات صارمة لمنع هذا النوع من الزواج بصورة صارمة وتركت مجالا واسعا للعرف والعادة المستقرين في السياق الاجتماعي ويقول هؤلاء إن أي قاض سيجد نفسه مجبرا على التعاطي مع الملابسات ضمن اجتهادات الفقهاء ويتجه الفقه عموما في السياق العربي الإسلامي تاريخيا إلى تفهم هذا النمط من الزواج حيث ظل رهينا للأعراف والتقاليد العربية التي لم تشهد له نكيرا ذائعا طيلة العصور الماضية.

متى يكون الزواج مبكرا:

وطبقا لاستطلاع أعد لفائدة كتابة الدولة لشؤون المرأة حول الممارسات الضارة بصحة الأم و الطفل سنة 2005 واستجوب فيه 300 شخص فقد اعتبر 8% من المستطلعين أن كل زواج بين عمري 15 و17 عاما يعتبر زواجا مبكرا.

ورأى 12.3% من المستطلعين أن الزواج بين سن الثمانية عشر والعشرين عاما يعتبر مبكرا، هذا فيما يعتقد 6.6% أن الزواج بين 21 و23 عاما يعتبر سابقا لأوانه كذلك.

وأرجع 60% من المستطلعين السبب في الزواج المبكر إلى خوف أولياء الفتيات من حمل غير شرعي فيما رأى 33.66% أن السبب يعود إلى الحرص على شرف الفتاة، هذا فيما أعاده 5% إلى عامل المال و1.6% إلى العقليات المنحرفة.

و رأى 4% فقط ممن شملهم الاستطلاع أن الزواج المبكر “أمر جيد” وذلك بينما أعرب 86.6% منهم عن اعتقادهم بأنه ظاهرة سيئة.

واعتبر 80% من المستجوبين أنهم على دراية بالمخاطر الناجمة عن الزواج المبكر خلافا لعشرين بالمائة.

وطبقا لذات المعطيات فإن 87.3% من العينة المستطلعة يرون أن الزواج المبكر يتناقض كليا مع تمدرس البنات، فيما يفيد 69.3% بأنهم تلقوا تحسيسا بشأن مخاطر مثل هذه الزيجات.

رأي الجمعيات الناشطة في المجال:

 آمنة بنت أعلى رئيسة منظمة النساء معيلات الأسرترى أن الخلط بين الأعراف والتقاليد الاجتماعية وتعاليم الدين هي السبب الرئيس في تكريس هذه الظاهرة التي تلقى دعما من بعض الفقهاء التقليدين ورجال الدين معتبرة أن على العلماء والدعاة الاهتمام بالظواهر الخطرة على المجتمع

آمنة بنت أعلى رئيسة منظمة النساء معيلات الأسرترى أن الخلط بين الأعراف والتقاليد الاجتماعية وتعاليم الدين هي السبب الرئيس في تكريس هذه الظاهرة التي تلقى دعما من بعض الفقهاء التقليدين ورجال الدين معتبرة أن على العلماء والدعاة الاهتمام بالظواهر الخطرة على المجتمع

وحول مواقف الجمعيات الأهلية المهتمة بمجال الاجتماعي التقت الأخبار آمنة بنت أعلى رئيسة منظمة النساء معيلات الأسر التي أكدت أن الظاهرة مسجلة في موريتانيا غير أنه لا توجد لحد الساعة إحصائيات دقيقة أو دراسات حول تشخيص الظاهرة وسبل علاجها داعية إلى مزيد من محاربة هذه الظاهرة التي لها آثار اجتماعية سلبية وتعد من أهم أسباب تفشي الطلاق في المجتمع الموريتاني الذي يعرف أعلى نسبة للطلاق 42% في المائة.

وقالت بنت أعلى إن الخلط بين الأعراف والتقاليد الاجتماعية وتعاليم الدين هي السبب الرئيس في تكريس هذه الظاهرة التي تلقى دعما من بعض الفقهاء التقليدين ورجال الدين معتبرة أن على العلماء والدعاة الاهتمام بالظواهر الخطرة على المجتمع وعدم الانشغال بقضايا جزئية ككون المرأة أصبحت وزيرة أو مديرة مشددة على أن المرأة عندما تتعلم وتكتسب مقومات الشخصية الملتزمة والناجحة فهي مثل الرجل ولكن المشكلة الآن تكمن في كون العديد من رجال الفقه والقضاء ما يزالون ينظرون للمرأة نظرة دونية لمجرد كونها امرأة مغفلين التركيز على التشخيص الدقيق للمشاكل
الجوهرية التي يعاني منها المجتمع الموريتاني بصورة بنيوية والتي تحتاج إلى تشخيص دقيق وعلاج شاف حتى يسهم ذلك في إيقاف التدهور الحاصل.

وقالت بنت أعلى إن جمعيتها سجلت240 حالة خلال العام 2007 مع ملاحظة ضعف إمكانيات الجمعية ساعتها وقد سجلت1750 حالة خلال العام 2008مع تقدم وسائل عمل الجمعية وفتحها فروعا جهوية في الولايات على عموم التراب الوطني لموريتانيا.

وتقول بنت أعلى إن زواج القصر في موريتانيا يعرف ظواهر يندى لها الجبين مثل حالة 18فتاة زوجت قبل بلوغها السن القانوني من سعوديين وسافرن من موريتانيا على هذا الأساس وقضين هناك عدة سنوات ولما بلغن سن الإنجاب تم تطليقهن لأن السعودية لا تقبل قوانينها تبني الأولاد غير المسجلين عبر زواج رسمي ومعلن وتقول بنت أعلى إنها تعتبر هذا النوع يعد بيعا وليس زواجا فهو نوع من الرقيق يوجد له وكلاء ويمارس باستمرار حيث يتاجر فيه العديدون وتوفر لهم حالة الفساد الإداري ما يحتاجون إليه من وثائق لارتكاب هذه الجرائم بما فيها وثائق موقعة ورسمية.
وحول الأضرار الطبية تقول بنت أعلى إن زواج القاصر ينتج في الغالب أسرا غير مستقرة وأطفالا ضعفاء وذي عاهات وأمراض مزمنة لكون البنت لم يكتمل “نضجها الجنسي” بعد ولكون “الرحم” لا يزال ضعيفا على الحمل ولذلك كثيرا ما نشاهد العمليات القيصرية التي تجرى والعديد من الأمراض التي تصيب الأم والطفل جراء هذا النوع من الزواج.

سيدي ولد سيد احمد البكاي/ باحث اجتماعي متخصص في قضايا المرأة

يعتقد الباحث الاجتماعي سيدي ولد سيد احمد البكاي أن العقليات العتيقة التي ترى بأن زواج البنت مبكرا يعكس مدى جمالها ومكانة أسرتها بين المجتمع الموريتاني

يعتقد الباحث الاجتماعي سيدي ولد سيد احمد البكاي أن العقليات العتيقة التي ترى بأن زواج البنت مبكرا يعكس مدى جمالها ومكانة أسرتها بين المجتمع الموريتاني

ويرى الباحث في مجال المرأة سيد ولد أحمد البكاي أنه لا جدال في المخاطر التي تهدد مستقبل البنت المتزوجة مبكرا (15-18) وذلك من حيث مضاعفة أسباب التسرب المدرسي بتحمل المسؤولية الأسرية و ما يترتب عنها من مشاكل في سن مبكر ، بالإضافة إلى هدر الحقوق بحكم فارق السن و التجربة عادة بين طرفي هذا النوع من الزواج والذي دائما ما تكون ضحيته المرأة ، كما أن مخاطره الاجتماعية و النفسية هي مخاطر جمة فالبنت المتزوجة مبكرا تفقد العديد من مميزات مرحلة الطفولة وخاصة المتعلقة منها بتكوين الشخصية ، أما الأضرار الصحية فحدث عنها ولا حرج ، فهذه الممارسة يرجع لها قسط كبير في أسباب وفيات الأمهات عند الحمل و الولادة بالإضافة إلى الشيخوخة المبكرة .

و اعتقد كذلك بأن الزواج المبكر ليس فقط هو زواج البنت فزواج الولد في سن مبكرة يتشابه معه في الآثار – وهو منتشر في العديد من مناطق موريتانيا- ودائما ما ينتهي بالطلاق مبكرا مما يعظم مخاطر هذا النوع من الزيجات.

وحول أسباب الزواج المبكر يقول ولد سيد أحمد البكاي: “العقليات العتيقة التي ترى بأن زواج البنت مبكرا يعكس مدى جمالها ومكانة أسرتها بين المجتمع الفقير بغية الحصول على موارد جديدة ونقص تكاليف الأسرة بتحمل الزوج مئونة البنت أسباب مرتبطة بفهم مشوش للدين”.

خاتمة

وإذا كان الزواج المبكر يصنف على انه نوع من أنواع الممارسات الضارة بصحة المرأة إلى جانب التسمين القسري و الخفاض، إلا انه لم يحظ بالقدر الكافي من التحسيس حول مخاطره.

كما أنه في ظل تشابك العديد من العوامل الدينية والاجتماعية والقانونية تبقى ظاهرة الزواج المبكر مفتوحة على مصراعي التطور والاستمرار في مجتمع لا يكبر النكير على هذه الظاهرة وبل وتعتبرها قطاعات واسعة منه مبررة بالعديد من العوامل الدينية والاجتماعية وهو ما يعني أن الجهد النظري في المجال القانوني للحد من الظاهرة لن يكون قادرا على المواجهة إلا إذا اشفع بجهود تعبوية وتطبيقات قانونية فاعلة و إلا فإن الانفصام بين التطبيقات القانونية والممارسات المجتمعية في هذا المجال سيظل قائما بشأن هذه الظاهرة ومثيلاتها في المجتمع الموريتاني.

الأحدث