تخطى الى المحتوى

مخيم "هدى الله" الفرحة التي لم تكتمل

جدول المحتويات

تقارير ميدانية  من لبراكنه (5)

—————————

همت أن تستقبلنا بابتسامة لكنها أجلتها ريثما تسقي من الماء خوف أن يسحب منها الدور

همت أن تستقبلنا بابتسامة لكنها أجلتها ريثما تسقي من الماء خوف أن يسحب منها الدور

هذه التسمية لا ترمز لأكثر مما يدل عليه ملفوظها؛ فاسم المخيم “هدى الله” واحد من ثلاثة مخيمات قريبة من مدينة بوكي كلها تحمل أسماء ذات مدلولات دينية (هدى الله، دار السلام، حمد الله).
على بضعة كيلومترات شمال مدينة بوكي تطالعك الأعرشة البيضاء تحمل شعار الأمم المتحدة تخفيه أحيانا ضرورات البناء التي لا توائمها الأغطية، قرابة المائتين من تلك الأعرشة مساحة الواحد منها 12 مترا مربعا (2*6)، تتخللها غرف مبنية من الإسمنت، يضمها المخيم الذي يضم مائة وواحد وثمانين أسرة منها خمس وثلاثون أسرة لم تجد أي نوع من أنواع السكن، و مائة وسبع أسر لم تستفد من بيوت (الغرف الاسمنتية). وكل الحي لا توجد به “مرافق” (مراحيض).
رئيس فريق البناء في مسجد حي هدى الله يعقوب ولد موسى متحدثا إلى بعثة الأخبار دقائق قبل مغادرة الحي

رئيس فريق البناء في مسجد حي هدى الله يعقوب ولد موسى متحدثا إلى بعثة الأخبار دقائق قبل مغادرة الحي

في المدخل الشرقي للمخيم يبادئك شكل بنيان لم يكتمل بعد وما تزال الأشغال جارية فيه، إنه مسجد المخيم الذي يتم تشييده من طرف رجل أعمال موريتاني لا يعرف عنه أهالي المخيم شيئا، يصر رئيس فريق البناء العامل في المسجد على عدم صلاحية البناء الذي تبنيه الوكالة للعائدين “فهم قد استقدموا أجانب من دولة السنغال يتوخون فيهم رخص اليد العاملة، وعدم تحمل أي مسؤولية قاموا ببناء الغرف والأعرشة التي ترون وأنا استطيع أن أقسم أن هذا البنيان سيزول مع أول عاصفة ريح، ولا يمكنه الصمود لحظة واحدة في هذه المنطقة المكشوفة أنا أريد أن أوصل نداء إلى السلطات أنه غذا لم يتم تدارك هذا الأمر فتقع كارثة مع أول ريح أو سحاب تهب على هذا المخيم” ويستطرد في ضرب الأمثلة: لقد اتصل بي رجل أعمال موريتاني يبدو أنه مسؤول عن مقاولة السياج المخصص للأرض الزراعية لأهل هذا المخيم وقال لي لقد تلقيت عرضا مئة وخمسين ألف أوقية لبناء هذا السياج، وأنا أستطيع أن أحلف أن هذا السياج لا يمكن تشييده وفقا لأبسط مواصفات الأمان بأقل من قرابة نصف اليمليون أوقية، إنهم يريدون فقط شرب دماء هؤلاء المواطنين والعيش على مآسيهم أرجوكم اكتبوا هذا وانشروه فهؤلاء في خطر حقيقي”.
قنينات الحي وهي في انتظار الدور للحصول على الحصة اليومية من المياه

قنينات الحي وهي في انتظار الدور للحصول على الحصة اليومية من المياه

وعندما يصادف قدومك إلى المخيم وجود الصهريج الذي يحمل المياه يوميا من مدينة بوكي المجاورة تشاهد بعينيك صروف المعاناة المتجددة لسكان الحي فالماء الشروب هنا واحد من محموعة من السلع الغالية والنادرة في مقدمة لا ئحتها الغذاء والدواء والتعليم والسكن ..
تشكل “هود لاي” كما ينطقه غير الفصحاء بالعربية، وكما تكتبه الأمم المتحدة، من عدة أفواج من العائدين عبر بوابة بوكي التي غادروا منها الوطن قبل عقدين من الزمان، أولها عاد في الخامس والعشرين من مارس من هذا العام 2008 وهو مكون من خمسة وستين أسرة وآخرها مكون من أربعة عشرة أسرة قفل عائدا في الثاني عشر من يونيو من العام ذاته أي بعد عشرين سنة ويومين من النفي والإبعاد عن أرض لامس أديمها جلده عند الولادة ذات عشية أوصباح.
الكلمة التي قرأها رئيس المخيم أمام الوزير الأول يحي ولد أحمد الوقف أثناء زياته للمخيم في العشرين من شهر يونيو الماضي

الكلمة التي قرأها رئيس المخيم أمام الوزير الأول يحي ولد أحمد الوقف أثناء زياته للمخيم في العشرين من شهر يونيو الماضي

ساكنة الحي/ المخيم تبلغ حوالي سبعمائة سبعة وعشرين نسمة، رجالها عاطلون عن العمل وأطفالها عاطلون عن التمدرس ونساؤها أيضا عاطلات..
“لقد شرحنا كل هذه المشاكل للوزير الأول يحي ولد أحمد الوقف، وهذه نسخة من الرسالة وكان رد الوزير أن كل هذه المشاكل ستعرف طريقها إلى الحل، يقول با هارون صيدو، وهذه نسخة من الرسالة التي قرأنا عليه (يخرج ورقات مكتوبة بخط عربي، ننشر نصها الكامل لاحقا) لكننا نعتقد أننا نعاني من إهمال حقيقي ومن تداخل بين صلاحيات الوكالة الوطنية لشؤون المبعدين، ومفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين” “هناك الكثير من الوعود سمعناها لكنها لم تتحقق بعد في شكل وقائع” يقول أحد الرجال الجالسين إلى جانب صيدو.
“لقد منحونا أرضا للزراعة لكن السياج لم يصل إلا قبل أيام ونحن بصدد تسييجها لتكون صالحة للزراعةن وكما ترون فإن موسم الأمطار هذه السنة ليس بالقدر الكافي..” يضيف صيدو..
جولة في الحي تقنعك بما تحدث عنه صيدو وزملاؤه وترى المشاكل بارزة أمام ناظريك.
طابور من حوالي مائة حوية (بيدون) ضغيرة بسعة عشرين لترا من الماء مصطف عند نقطة الماء الوحيدة، الخزان الذي بنته رجل الأعمال صاحب المسجد.. بانت ونساء يحملن تلك القنينات في انتظار حصة الماء اليومية التي لا تتجاوز عشر ليترات للفرد، وعندما يرتفع حساب الأسرة بالأفراد يتقلص الكمية إلى ما بين أربعين وستين لترا لليوم هي كل المتوفر للشرب والنظافة والنشاطات المختلفة.
أطفال هدى الله ينظرون إلى قدور أمهاتهم الفراغة بأفواه فاغرة

أطفال هدى الله ينظرون إلى قدور أمهاتهم الفراغة بأفواه فاغرة

خزان الأغذية نفدت بعض مواده الأساسية دون أن يجد من ينقذه من الإفلاس النهائي الذي يبدو قريبا،” استفدنا كمية من ثلاثة أطنان من القمح أعطتها بلدية بوكي، ومخزن الأغذية كان ممونا من الوكالة لكنها على ما يبدو توشك أن ترفع عنه يدها وهو ما يعني إغلاق أحد أهم مصادر التموين عن المخيم إن لم يكن كلها فهو أهمها على الإطلاق” يقول با هارون صيدو.
 أستاذ قسم تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مخيم هدى الله: الحاج بابا إفرا

أستاذ قسم تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مخيم هدى الله: الحاج بابا إفرا

أما مدرسة الحي الوحيدة فهي قسم واحد فتحه فرع معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مدينة بوكي، أحد مدرسي القسم التقته الأخبار في مقر فرع المعهد بمدينة بوكي وسألته عن المواد التي يدرس والطلاب فقال “الحاج باب إفرا” ” لدينا في مخيم هدى الله فصل واحد أدرس فيه مادة اللغة العربية للمبتدئين نعلمهم بداية التهجي، والفصل مفتوح لمدة شهر في العطلة فقط، يتكون الففصل من خمسن تلميذا وتلميذة من أعمار مختلفة”، ومعها محظرة يدرسها أحد سكان الحي (با هارون صيدو ).

عندما تسأل طفلا في باحات الحي من أي بلد أنت؟ يجيبك بسرعة ومن دون تردد: موريتاني ..موريتاني لكن هذا الطفل المسكين لا يدرك أن أباه لا يمكنه إثبات هذا الانتساب رغم التشبث به ذلك أن الأوراق المدنية ما تزال أحد “الأحلام المؤجلة” بالنسبة لساكنة “هدى الله” ” لقد وعدنا الوالي بحل مشكل الحالة المدنية لكنهم لم يفوا بعد بهذا التعهد مثل الكثيير من التعهدات التي قطعت في البداية” يقول با هارون.
“نحن لا زلنا نعاني من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها كل من يريد أن ينشئ حياته من البداية، لكننا مع ذلك مغتبطون كثيرا بعودتنا إلى الوطن ونعتقد أننا نحتاج وقتا كبيرا لكي نعود فعلا إلى وطننا، ولكي يعود إلينا وطننا الذي فقدنا وفقدناه ردحا من الزمن من غير أي مبرر ” هذا المنطق من هارون صيدو والمحدقين به وهم يهزون رؤوسهم تصديقا على يقول، وربما نبه بعضهم أوأشار إلى فكرة أو حادثة، هو المنطق الذي تتحدثه القرية من خلال قسمات الوجوه ولعب الأطفال وحديث النساء، ولغة العيون .. تلخص التعبير وتروي القصة، أحلام مؤجلة وفرحة لم تكتمل.. فمن ومتى سيكمل فرحة هؤلاء؟

———————————

"الأخبار" تعيش مع منمى لبراكنه أجواء الخريف ورحلة الانتجاع

العائدون من السينغال.. ذكريات الغربة وجحيم الوطن

سكان "مخيم كرل" غرباء في وطنهم

الأخبار في ولاية لبراكنه… تعيش هموم الحملة الزراعية… ودمج العائدين

"نقطة "أقل سخونة لبيع الهواتف في ألاك

الأحدث