تخطى الى المحتوى

با هارون صيدو : مأساة الإبعاد وعذابات النسيان

جدول المحتويات

تقارير ميدانية من ولاية لبراكنه (8)

———————————

ضابط الصف الذي تحول إلى معلم ناطق باسم مخيم العائدين: با هارون صيدو (الأخبار)

ضابط الصف الذي تحول إلى معلم ناطق باسم مخيم العائدين: با هارون صيدو (الأخبار)

عندما تسأله اليوم عن مدى خوفه من تكرر ما حدث ذات غفلة من التاريخ في أحد أيام مايو الأسود سنة 1989 يقول بلهجة تتردد بين الثقة والحيرة إنه لا بد من التعلم من الأخطاء وعندما تلح عليه يجيبك بأنه واثق من أنما لن يحدث مرة أخرى ببساطة لأن نوبات الجنون تتكرر على الأشخاص لا على الأمم.
دخل با هارون الجيش الموريتاني ووصل إلى رتبة ضابط صف، لكنه اعتقل في التصفيات التي طالت الضباط والجنود الزنوج إثر ما قيل حينها إنه مخطط لقلب نظام الحكم في البلاد نهاية الثمانينات من القرن العشرين، سيق صيدو ضمن العشرات إلى قاعدة اجريده شمال العاصمة نواكشوط، وهنا قاسى أنواعا من النكال على يد جلادين من الجيش، التقى بعضهم بعد سني الإبعاد الطويلة وعرفهم وعرفوه…
لم ينس أي شيء مما حدث حينها يذكر التفاصيل والأسماء والتواريخ لم ينس العربية التي تعلمها في المدرسة أيام كان طفلا وتعززت بصحبة رفاقه في الجيش، وظل يدرسها طيلة سنوات من إقامته في أرض الغربة. لم ينس ذلك الجندي المخمور غضبا ةوالذي نزع ساعته وحذاءيه ورماها في النهر حنقا وغيظا لم ينس قسمات وجهه التي كانت تريدد البطش بكل شيء، “وعندما سألته الاحتفاظ بالسلب استشاط غيظا وشتمني” يحفظ صيدو الأسماء التي يسامح أصحابها وقد لقي بعضهم فعلا بعد العودة ولم يذكرهم بأكثر من اسمه و”مكان التعارف”.
من هذا المكان وفي أحد هذه القوارب عبر صيدو وذووه قبل عشرين سنة من الآن ومن نفس النقطة عادوا وذكرى العبور الأول ما تزال ماثلة في أعينهم كأنما حدثت أمس

من هذا المكان وفي أحد هذه القوارب عبر صيدو وذووه قبل عشرين سنة من الآن ومن نفس النقطة عادوا وذكرى العبور الأول ما تزال ماثلة في أعينهم كأنما حدثت أمس

ومن باب أحرى لم ينس وطنا عاش عشرين سنة وهو يحلم بالعودة إليه، قضى سنواتها الست وهو يصبح كل يوم على أمل أن تكون العودة غدا، وعندما لاحت الفرصة حزم الحقائب ضمن أول فوج يصل عبر معبر بوكي بولاية لبراكنه، ومن المفارقة أنه كان ضمن أول فوج يخرج من المعبر ذاته قبل حوالي عشرين سنة قضاها ممزقا بين نوازع المقام المدعومة بالوقائع وأشواق العودة المتشبثة بالتاريخ.
يروي القصة من دون خيال لكنك لا تملك أن تصدق أنها وقعت في عالم الأرض وفي واقع الناس، لا يهتم بالبلاغة كثيرا لكن حرارة المنطق أغنته عن الاستفادة من علم السكاكي والجاحظ، يمزج في الحديث بين عربية فصيحة تمسحها اللكنة الإفريقية بطلاء خفيف من الطرافة، ويعتذر عن نسيانه اللهجة الحسانية لا كرها وإنما انقطاعا لم يشك يوما في أنه كان مؤقتا.
لنرو القصة بلسانه:
كان يوم العاشر من شهر مايو سنة تسع وثمانين تسعمائة وألف ، في تجمع سكني (كصر) يسمى الكوص قريب من مركز بلدية بوحديده جنوب عاصمة ولاية لبراكنه، آباؤنا ولدوا على هذه الأرض لم نفكر في مغادرتها يوما، لم يسبق لي أن خرجت موريتانيا طيلة العقود الثلاثة المنصرمة من حياتي كنت من بين القلائل الذين حالفهم حظ التمدرس من أبناء القرية، حصلت على شهادة ختم الدروس الإعدادية، دخلت الجيش وكنت برتبة ضابط صف، (هكذا يمزج في الرواية بين نفسه والقرية، غن المصائب يجمعن المصابينا).
كان فصل الصيف يوشك على الترحال ومع ذلك كانت البئر المجاورة للقرية يرد إليها الكثير من القطعان، وفي الساعات الأولى لصباح الاثنين (10/05/1989) كان وراد البئر على غير العادة، يدخلون القرية ويلجون بيوتها بيتا بيتا ويرددون في نشوة سيحدث شيء ما، كنا على علم بالأحداث الجارية في البلدين لذلك تجنبنا مصادمتهم، كانوا يريدون معرفة أثاث البيوت ليعودوا إليها للنهب، بعد ساعات من الصباح الأولى حضرت فرقة من الدرك مؤلفة من أربعة أوخمسة أفراد طلبوا من سكان الحي التجمع في مكان قريب تجتمع به المياه عادة خلال فصل الخريف طلبوا من الجميع إحضار أوراقهم المدنية وبعد إحضارها قام قائد الفرقة بالتدقيق في جميع الهويات انفرجت أسارير الجميع ظنا منهم أن المشكلة انتهت، لكن لما لم يتكلم أحد عاد الجو إلى حاله كانت العيون تحدق نحو المجهول لم ألحظ سوء معاملة خاص، لذا تجاسرت وسألت الضابط “شكار” قائد الفرقة عما يجري أشار إلي بالصمت مفضلا عدم الخوض في أي شيء، لم ألاحظهم أساؤوا إلى أحد باستثناء رجل واحد مسن لم يلب أمر الحضور مسرعا لأنه لم يكن في الحي لكنني أقنعت قائد الفرقة بأن تخلفه كان لأسباب عادية وأنه لم يعلم بدعوة الحضور مما جعل القائد يعدل عن عقابه مكتفيا بالتأنيب.
مساء ذلك اليوم (حوالي الساعة الخامسة) جاءت شاحنات كبيرة إلى مكان تواجدنا وأقلتنا إلى مدينة بوكي على الحدود ولا نغلم لتلك اللحظة ما الذي يجري فعلا. لم نكن نصدق أنفسنا قاموا بنقلنا خمسة أفواج إلى مدينة بوكي كنت في الفوج الأول أنا وزوجتي وابني الوحيد وفجر يوم الثلاثاء كنا ننتقل إلى الضفة اليسرى للنهر ووجدنا في انتظارنا قوارب أقلتنا إلى الضفة اليمنى وهناك نزلنا في قرية دمت السنغالية بعد استقبال حار من أهاليها أقمنا في منزل الشيخ “لمين ديكو” خصص لنا مكان إقامة التلاميذ وهو عبار عن عريش كبير يتسع لعشرات الأشخاص، لا أنسى تلك الليلة الصائفة نسبيا تجولت كثيرا خارج العريش الذي نوجد فيه وكان يؤلمني أن أرى الناس يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، لم ينم أحد تلك الليلة السوداء لأن أحدا لم يكن يدري إلى أين تتجه به الأقدار، كل الناس باتوا من دون طعام ولا شراب .. حتى الأطفال باتوا يبكون وكأنهم يحسون ما عاناه الكبار .. بعد اثنين وعشرين يوما من الإقامة في قرية دمت جاء إلينا حاكم مقاطعة “بدور” السنغالية وأجرى معنا تحقيقا مطولا شمل الكثير من الأسئلة عن الهوية والعمل ومكان الإقامة السابق… ثم نقلنا إلى المخيم المعد لاستقبالنا، توليت التدريس في مدرسة أقامتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كنا ندرس البرنامج الموريتاني لم نكره أبدا أن ندرس هذا البرنامج وبعد عشرة أعوام تقريبا، أي في سنة 1998 تم دمج أبناء اللاجئين في المدارس السنغالية.. تصور أن تلميذا يحمل في بطاقته كلمة “تلميذ مبعد” أقمنا على تلك الحال لم نثق في جدية مبادرة النظام السابق بفتح العودة لمن أراد ولم نكن نريد العودة من دون ضمانات .. هل تحققت فعلا تلك الضمانات؟؟ يضع هارونا يده على صدره ويقول ودموع الحيرة ترقرق في عينيه: أرجو ذلك ولله الأمر.
ثم يعود إلى حديث الذكريات: من الناس من قرر أن يندمج في االحياة هناك بدأ يمارس التجارة وبدأ يتخذ من السنغال موطنا دون التخلي عن هويته كنا نعلم أن موريتانيا هي أرضنا حتى ولو أردنا استبدالها فلن يقبل التاريخ ولن تقبل الأجيال القادمة.. الطفل الذي يحمل على بطاقته المدرسية أو الجامعية عبارة “تلميذ لاجئ” لن يرحم أباه تحت أي ذريعة حين يفرط في المكان االذي يمكن أن يحمل فيه بطاقة مواطن كامل المواطنة تحت أي ظرف وبأي تضحية.
هارونا نموذج لعشرات – إن لم يكن مآت- الرجال الذين تجمهروا حولنا في عريش مخصص للضيافة في مخيم “هدى الله” القريب جدا من مدينة بوكي، وفي عادة كم كرم ضيافة أثيرة ارسلت أسر الحس قسطا من طعامها إلى المكان الذي يوجد به الضيوف (وفد وكالة الأخبار) فجلسنا فجأة أمام أصحن مختلفة لا عهد لنا بها غلبت عليها البساطة وعانق بعضها عادات الغذاء القديمة لشعب الفولان.

تقارير سابقة من ولاية لبراكنه
—————————————–

العائدون من السينغال.. ذكريات الغربة وجحيم الوطن

"الأخبار" تعيش مع منمى لبراكنه أجواء الخريف ورحلة الانتجاع

سكان "مخيم كرل" غرباء في وطنهم

الأخبار في ولاية لبراكنه… تعيش هموم الحملة الزراعية… ودمج العائدين

مخيم "هدى الله" الفرحة التي لم تكتمل

عمدة امباي: ما جرى محاولة لتسييس للعمل البلدي

الأحدث