جدول المحتويات
سداد الرؤية
الوحدة بين أبناء الأمة الواحدة محمودة، ولكن يجب ألا يخلو منها الله لكي لا تكون باطلا، الله والحق الذي أنزله هو الضمانة الحقيقية ليدوم الوفاق ويثمر. أما دمج قوات سورية الديمقراطية "قسد" الكردية في المؤسسات الرسمية السورية عبر قوالب معلبة كالمواطنة والعدالة ومؤسسات الدولة... فهي عناوين فضفاضة وطعومها مختلفة، أسأل الله تعالى أن يجمع أمتنا على ما يرضيه.
وإنه ليس بين ليلة وضحاها يتحول من رُبِّي على أيديولوجيا فئوية إلى مؤمن بالوحدة الوطنية. هذه أفكار مسمومة لا تموت إلا بترياق واحد، حينما يتربى الصغير وتعاد تربية الكبير على تعاليم الإيمان السمحة، وعلى قيم النبوة التي تساوي بين المسلم وأخيه المسلم وتحرم إهانته وقتله. قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا ترجعوا من بعدي ضلالا يَضْرِبُ بعضكم رِقابَ بَعْضٍ". فدمج "قسد" لا بد ألا يكون على الورق المختوم، بل على الرق المنشور.
ليس "توم باراك" فقط من تعوزه النظرة الثاقبة لاكتشاف الخيط الذهبي الناظم لحياة مستقرة في منطقة المشرق الإسلامي، هنالك عقول سياسية لا تلتفت لهذا رغم أنها من طينة المنطقة. إن محاولة إيجاد صورة تؤلف بين مكونات الأمة الواحدة لا بد أن تخترق الزمن إلى فترة سقوط الإمبراطوريتين الفارسية الرومية مطلع القرن الهجري الأول، ثم تتبع كيف ساست دولة الأمويين والعباسيين والعثمانيين مكونات المنطقة وشكلت منها فسيفساء متناسقة جدا لا تزال شامة في التاريخ الإنساني.
إن القفز على كل ذلك التاريخ إلى بداية القرن العشرين، حيث الأحداث التي بعثرت تلك الأيقونة وحاولت أن تعيد بناءها على أسس قومية خاصة مع الفرنسيين والإنجليز في اتفاقية الفتنة "سايكس بيكو" سنة 1916 لا ينفع الأمة لتخرج من فوضاها الحالية. وليس الاصطفاف الجديد بريادة تركية بنافع لها كما كان الاصطفاف الذي تزعمته إيران كذلك إلا في حدود لا تتعدى الإضرار بالكيان الصهيوني، إضرارا لم يستأصل شأفته رغم ذلك العنفوان. والأمل الحقيقي معقود على وعي الأمة جمعاء بأن كلمة السر مبثوثة في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
من الأحسن أن نتصور هذه الأخطار والعذابات في صورتها الكونية، لأنها أدعى لفهم الأمور كيف يدبرها مالك الأرض والسماء. أن لا يأخذ أهل مصر ما أنزل إليهم من كتاب بقوة، وأن لا يمتثلوا أوامره كما ينبغي، هو أكبر خطر يهدد أرض الكنانة. ولعل العذابات الصغرى مدعاة ليرجع الناس إلى ربهم ويطيعوا أمره. رأس الأفعوان على أبواب المحروسة شرقا، فلم نذهب إلى تنزانيا لنبني لها بأموال المصريين "الغلابة" سدودا ضرارا لسد النهضة، المصريون أبعد ما يكونون من الاستفادة منها؟ بل إن هنالك مخاطر جدية من انخساف التنزانيين للحلف الصهيوني - الإثيوبي.
ثم إن بيد مصر أوراقا كثيرة أخرى، غير تطبيق شريعة الإسلام في كل نواحي الحياة، هي مد اليد بالوحدة الإسلامية في كل الاتجاهات، غربا مع ليبيا والجزائر، وجنوبا مع السودان واليمن، وشمالا مع تركيا وسورية، وشرقا مع إيران وأفغانستان، لأنها دول معادية بصدق للكيان الصهيوني. وعلى القيادة المصرية ألا تتقنفذ على نفسها بطرا بالحق الذي تدعيه، وفي رقبتها دين للأمة المصرية بسرقة خيارها في دولة مسلمة وبسفك دماء الضحايا في رابعة والنهضة.
خصوم المقاومين
الإعلام كسلطة رابعة في الدولة الحديثة لا يستطيع أن يتحرر من تدخل السلطات الثلاث الأخرى ولا من السلطة الأمنية وتأثير رأس المال، اللذين ينفذان بسهولة ويسر إلى كل السلطات بأقنعة مختلفة وبوسائل ضغط مؤثرة ورادعة. ثم إنك لا تستطيع أن تتمثل معايير الممارسة الصحفية بطبعتها الغربية وأنت لا تنتمي حضاريا إلى تلك الضفة إلا ادعاء أو تقمصا. والأولى بمن يشتغل بالصحافة أن يتشبع بقيم كثيرة تفتقدها هذه المهنة اليوم في الغرب وفي الشرق على حد سواء. منها الأخلاقية والنزاهة والشجاعة والرصانة والحس الإعلامي وروحية الانتماء إلى الأمة والذائقة اللغوية والمنهجية... وهي صفات يندر جدا أن تجتمع في حامل الصفة الصحفية وفي المؤسسات التي تسمى إعلامية. ولكل تلك الخصائص المهنية طرائق في اكتسابها، لا علاقة لها بالشهادة العلمية ولا بالمواقع الإدارية والولاءات الحزبية والسلطوية.
مقالات المشنّعين على حركة المقاومة حماس في فلسطين لا تتسم بالرصانة والاتزان والموضوعية، إن أصحابها متحاملون على الحركة بدوافع مشحونة بالرفض والكراهية. ثم من عرّف هؤلاء بموقف الشعب الفلسطيني على فرض أن حماس لا تمثله؟ ومن فوضهم للحديث باسمه؟ وليقولوا لنا أيضا كيف تحررت الشعوب من الاحتلال وماذا قدمت لقاء ذلك من تضحيات؟ وبالمناسبة، أكل المال السياسي من جهات عربية لم تعرف في تاريخها معنى المقاومة يعمي البصيرة، حتى ولو كان الكاتب فلسطينيا.
إن معيار النجاح الحقيقي للاهثين وراء الانتخابات الفلسطينية هو: كم قتلت من الصهاينة دفاعا عن فلسطين؟ فعلى أساسه يقدر المناضل ويقدم ويحتفى به. وأما ما سوى ذلك فيرمى طالب المناصب بالنعال.
ثم إن البيان الشرعي لأحكام الله في القضايا المعروفة أو في المستجدة له أهله الأكفاء، الذين تتوفر فيهم شروط الإفتاء المعلومة في علم أصول الفقه. وأهمها القدرة على الاجتهاد والكفاية في فهم الوقائع، والتقوى، والشجاعة والاستقلالية... قد تتوفر هذه الشروط في شخصية حقيقية أو في أخرى اعتبارية كهيئة أو مجلس أو جمعية أو دار بحسب التسميات الشكلية. ومن محاذير هذا العمل الفقهي أن العالم مؤتمن فيه على الدين، فهو يوقع عن رب العالمين، ولا مجال للتواني فيه بتاتا.
ومن البلاء الذي حل أن يعتلي هذا المقام من ليس أهلا له، أو من يريد أن يسخر الموقع لأغراض خاصة أو عامة دنيوية، وأسوأ ما تكون المهمة عندما تتحول إلى أداة من أدوات الحكم في يد السلطان، والحاصل من ذلك كله أن يفسد الدين على عامة الناس ويحل العقاب الرباني على من أفسده لا محالة. ويبدو أن هيئة علماء فلسطين غير مستقلة عن رام الله، لذلك انزلقت هذا المنزلق الوخيم الذي سيطعن في مصداقيتها بلا ريب وهي تحتفي بمن يزدري المقاومين في غزة. ولو أن هذه الهيئة اكتفت برسالتها الجهادية خالصة لله من أجل تحرير فلسطين، واتخذت في تعاملها مع الجميع القسطاس المستقيم، لكان لها شأن آخر غير هذا الشأن. ولكن الله يصفي لأمره من خلقه من يشاء.
وما قاله الهَجَري عن طائفته الدرزية وعن عقائدها المشتركة مع اليهود كنا نقرأ عنه في كتب العقائد وننكره أو نخفيه مخافة أن يجرح مشاعر زملائنا الدروز، وكانوا هم أيضا متسترين على عقائدهم الباطنية ويلقون على أنفسهم رداء "الموحدين"، الذي يُسكت محاوريهم قبولا بما يقولون. وأيا تك الحقيقة، فعلى مشايخ العقل ووجهاء بني معروف أن يبيّنوا للأمة صدق ما يقوله الهجري أو كذبه، وينأوا بأنفسهم عن نفسه، فالتاريخ لا يرحم.
ثم إن دعوة هذا المعتوه – حقيقة - إلى انضمام السويداء إلى دولة الكيان لا تقرأ تطورات الأحداث التاريخية كما يجب، وما يجب هو التعويل على نهاية الاحتلال وأفول دولة الصهاينة على نحو ما انتهى به كل محتل غاصب قاتل. وبكفره البواح هذا حكم على نفسه بنهاية مأساوية، قد عرفها من قبله العملاء اللّحديون في جبل عامل، وعرفها عملاء آخرون في بلاد المليون ونصف المليون من الشهداء، مع الخائن بلونيس، الذي طالته أيدي الثوار في عقر داره، فقطع دابره ودابر الغزاة الفرنسيين، "والحمد لله رب العالمين".