جدول المحتويات
خلف الثياب الرثة في شوارع نواكشوط، يتوارى تحول جديد لظاهرة الأطفال المشتغلين على عربات الحمير، إذ تحولت من مظلمة فقر واستجابة اضطرارية لإعالة الأسر الهشة إلى نشاط تجاري مقنع ومربح يديره «رواد أعمال الظل». فللمشهد المألوف للفتيان وهم يجوبون الأزقة والمعابر الرئيسية أبعاد تتجاوز العوز الاجتماعي الذي يدفع الأسر لإرسال أبنائها للعمل، بعدما تكشفت زاوية غائبة تتجلى في قيام أفراد بشراء أعداد من العربات والحمير واستغلال أطفال أحياء الهشاشة والبالغين للعمل عليها، مع تقاسم الدخل اليومي معهم بعد اقتطاع تكاليف إطعام الدواب.
وتتضح الحقيقة الجلية لهؤلاء المالكين حين تتدخل السلطات البلدية لتوقيف العربات، فيبرز المالك الحقيقي لحماية أصوله واستعادتها، ما يكشف عن قطاع خاص غير معلن يستثمر في هشاشة الأطفال والتسرب المدرسي.
وتنعكس أبعاد هذه الظاهرة بالأرقام الميدانية في الأحياء الأكثر اكتظاظاً بالسكان وهشاشة كدار النعيم (التي يقطنها أزيد من 303 آلاف نسمة)، والميناء والترحيل؛ حيث ترتفع معدلات التسرب المدرسي في هذه الجيوب لتتجاوز 35% إلى 40% وفق مسوح الجمعيات المحلية، متخطية المعدل الوطني العام البالغ 24% بحسب تقديرات البنك الدولي.
وتتغذى ظاهرة «رواد أعمال الظل» على هذه البيئة، مستغلة وجود ما بين 1,500 إلى 2,500 عربة مجرورة تنشط يومياً في نقل البضائع وتوزيع المياه في أطراف الترحيل ودار النعيم، حيث تشكل شريحة الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة اليد العاملة الأساسية عليها.
وتؤكد مؤشرات المراكز الميدانية حجم الأزمة، كاستهداف مركز "صافيا" في دار النعيم لأكثر من 6000 فتاة انقطعن عن التعليم، ما يبرز اتساع القواعد التي تنشط فيها شبكات الاستغلال.
وتلتقي هذه الظاهرة مع وجه آخر من أوجه البؤس واستغلال الأطفال، يتمثل في التسول وظاهرة «المُودَات» المنتشرة في شوارع نواكشوط وملتقيات الطرق الرئيسية والفرعية؛ فهما وجهان لعملة واحدة تقوم على استغلال الأطفال من طرف بعض شيوخ المحاظر، سواء كانوا مواطنين أم أجانب يُشغّلون أطفالاً عابرين للحدود.
وفي شق «المُودَات» وأطفال الشوارع المتسولين العابرين للحدود، يبذل المجتمع المدني بموازاة جهود الدولة جهوداً تُذكر فتشكر؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما يقدمه مركز الإيواء التابع لرابطة النساء معيلات الأسر من رعاية وحماية لهؤلاء الضحايا.
ورغم هذه المساعي، لا تزال الطريق طويلة والظاهرة مستفحلة جداً نظراً لتشعب جذورها الاجتماعية والتقليدية؛ في المقابل، تشكل ظاهرة «رواد أعمال الظل» نمطاً جديداً ومستحدثاً يتطلب حزماً فورياً لمحاربته ومساءلة مرتكبيه.
ومن الناحية القانونية والإعلامية، ينقل هذا التحول الظاهرة من خانة الحاجة الاجتماعية إلى التكييف القانوني الصريح كجريمة استغلال اقتصادي للقاصرين وشبهة اتجار بالبشر وفقاً للقانون الموريتاني رقم: 2020 - 017، فضلاً عن كونها ممارسة تجارية غير مرخصة تعتمد على العمالة غير القانونية وتصادر حق الطفل الأصيل في التعليم.
ولذا، يتوجب أن يتجه الطرح الإعلامي والميداني نحو مساءلة وتتبع هؤلاء المستثمرين قانونياً، وربط إجراءات البلديات بتسليم العربات المحتجزة بفتح تحقيقات قضائية تسائل المالكين الحقيقيين عن تشغيل قاصرين، بالتوازي مع توفير حلول دمج وتأهيل للأطفال لقطع الطريق على شبكات الاستغلال المقنعة.