تخطى الى المحتوى

الدولة التي نريد تبدأ بالمواطن الذي نريد

أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي

جدول المحتويات

أثار سؤال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال زيارته الأخيرة لمدينة أطار، حول «أي موريتانيا نريد؟» و«إلى أين نسير؟»، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي. فقد بدا السؤال، في ظاهره، سؤالاً عن مستقبل الدولة ومؤسساتها، وعن قدرتها على مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع الموريتاني خلال العقود الماضية.

 

لكن وسط هذا النقاش، ربما غاب سؤال آخر لا يقل أهمية، بل لعله يسبق كل الأسئلة المتعلقة بشكل النظام السياسي ومؤسساته: أي شعب نريد؟

 

فإذا كنا نتساءل عن الدولة التي نريد، وعن النظام السياسي القادر على إدارة حاضر موريتانيا وصناعة مستقبلها، فمن الطبيعي أن نتساءل أيضاً عن المواطن الذي نريد أن يكون أساساً لهذه الدولة، وعن المجتمع الذي نريد أن يحمل مشروعها ويحمي مؤسساتها ويؤمن بقيمها.

 

ذلك أن الأنظمة السياسية لا تعمل في فراغ، والمؤسسات لا تتحرك بمعزل عن الثقافة الاجتماعية السائدة. فنجاح دولة القانون والمواطنة لا يتوقف فقط على النصوص الدستورية والقوانين والهياكل الإدارية، وإنما يحتاج أيضاً إلى مواطن يؤمن بأن الدولة هي الإطار الجامع لمصالحه، وأن انتماءه الوطني لا ينبغي أن يتراجع أمام انتماءاته الاجتماعية والجهوية والقبلية.

 

ومن هنا يصبح سؤال «أي شعب نريد؟» سؤالاً سياسياً بامتياز، ولكنه في الوقت نفسه سؤال تربوي وثقافي واجتماعي.

 

من صناعة الدولة إلى صناعة المواطن

لقد قطعت موريتانيا، منذ الاستقلال، أشواطاً مهمة في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ حضورها في المجتمع. لكن بناء الدولة لا يكتمل بمجرد إنشاء المؤسسات؛ فالدولة الحديثة تحتاج إلى ثقافة سياسية واجتماعية تواكبها.

 

وهنا تبرز مسؤولية النظام السياسي، ليس باعتباره مسؤولاً عن إدارة السلطة فقط، وإنما باعتباره أحد أهم الفاعلين في تشكيل الثقافة السياسية العامة.

 

فعندما تتحول السياسة إلى مجال لتوظيف الروابط الاجتماعية، وعندما تصبح القبيلة أو الجهة أو العشيرة وسيلة أساسية للوصول إلى النفوذ أو الوظيفة أو المكانة، يصبح من الصعب الانتقال سريعاً إلى مجتمع تقوم فيه المنافسة السياسية على البرامج والأفكار والكفاءة.

 

ولا يعني ذلك أن الانتماءات الاجتماعية يمكن محوها بقرار سياسي، فهي جزء من التاريخ والبنية الاجتماعية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات من روابط اجتماعية طبيعية إلى أدوات للممارسة السياسية وتوزيع النفوذ.

 

وقد عرفت التجربة السياسية الموريتانية، بدرجات متفاوتة عبر مراحلها المختلفة، حضوراً للقبيلة وشيوخها والروابط الاجتماعية في المجال السياسي. وهذه حقيقة ينبغي التعامل معها بواقعية، لا بالتجاهل ولا بالمبالغة، إذا كان الهدف هو بناء دولة أكثر حداثة ومواطنة.

 

مسؤولية النخب

لكن مسؤولية صناعة المواطن لا تقع على السلطة وحدها.

 

فهنا يأتي الدور الحاسم للنخب السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية والأكاديمية، وهي النخب التي يفترض أن تكون قادرة على توجيه النقاش العام، ونقل المجتمع من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن الولاءات الضيقة إلى مفهوم المصلحة العامة.

 

غير أن غياب هذا الدور، أو ضعفه في بعض المراحل، ترك المجال واسعاً أمام الخطاب السياسي المناسباتي، وأمام إعادة إنتاج الثقافة نفسها التي تجعل المواطن ينظر إلى الدولة أحياناً من زاوية ما يمكن أن تمنحه له جماعته أو جهته أو علاقاته، بدل النظر إليها باعتبارها ملكاً عاماً ومؤسسة يفترض أن تخدم الجميع وفق القانون.

 

والنخبة التي لا تنتج الأفكار ولا تشرح التحولات ولا تساعد المجتمع على فهم معنى المواطنة، تترك فراغاً سرعان ما تملؤه الخطابات الشعبوية والمصالح الضيقة.

 

هل نستطيع بناء نظام سياسي حديث بمجتمع تقليدي؟

 

هنا تبرز المفارقة الأساسية.

 

كيف يمكن أن نتحدث عن إصلاح النظام السياسي، وعن تطوير المؤسسات، وعن دولة المواطنة والقانون، بينما لا نناقش بالقدر نفسه الثقافة الاجتماعية والسياسية التي تتحرك داخلها هذه المؤسسات؟

 

فالنظام السياسي ليس مجرد قوانين انتخابية أو أحزاب أو برلمان أو حكومة. إنه أيضاً علاقة المواطن بالدولة، ونظرته إلى السلطة، وطريقة اختياره لممثليه، ومعاييره في تقييم المسؤولين، ومدى استعداده لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

 

ولهذا فإن أي إصلاح سياسي حقيقي لا ينبغي أن يقتصر على السؤال: ما المؤسسات التي نريد؟

 

بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً:

 

ما المواطن الذي نريد أن ينتج هذه المؤسسات ويحميها؟

 

المدرسة والإعلام والثقافة

وإذا كان الهدف هو بناء مواطن يؤمن بالدولة، فإن المدرسة ينبغي أن تكون في قلب هذا المشروع.

 

فالمدرسة لا ينبغي أن تكتفي بتعليم القراءة والكتابة والمعارف الأكاديمية، وإنما عليها أيضاً أن تساهم في بناء شخصية المواطن، وتعليمه معنى القانون، والحق، والواجب، والمصلحة العامة، واحترام الاختلاف، وقبول الآخر.

 

كما أن الإعلام والثقافة مطالبان بأداء دور أكبر في هذا المجال، من خلال تحويل النقاش العام من صراع حول الأشخاص والمواقع إلى نقاش حول السياسات والبرامج والمستقبل.

 

فالمجتمع الذي يناقش باستمرار من سيحصل على المنصب، ومن ينتمي إلى أي مجموعة، ومن يملك النفوذ، دون أن يناقش بما يكفي ماذا سيفعل المسؤول وكيف سيحاسب، سيجد صعوبة في الانتقال إلى ممارسة سياسية مؤسسية.

 

من «أي موريتانيا نريد؟» إلى «أي شعب نريد؟»

لذلك فإن السؤال الذي طرحه الرئيس في أطار يمكن أن يفتح، بصورة أوسع، على سؤال آخر: أي شعب نريد لموريتانيا المستقبل؟

 

هل نريد مواطناً يرى الدولة باعتبارها إطاراً جامعاً لكل الموريتانيين؟

 

هل نريد مواطناً يختار ممثليه على أساس الكفاءة والبرنامج والنزاهة؟

 

هل نريد نخبة سياسية تتنافس حول الأفكار والسياسات بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج شبكات النفوذ؟

 

وهل نريد مجتمعاً يستطيع أن يحافظ على خصوصياته الاجتماعية والثقافية، وفي الوقت نفسه يجعل المواطنة والانتماء الوطني سقفاً أعلى لكل الانتماءات الأخرى؟

 

هذه الأسئلة ليست أقل أهمية من سؤال شكل النظام السياسي نفسه.

 

فحتى أفضل القوانين يمكن أن تظل محدودة الأثر إذا لم تسندها ثقافة سياسية واجتماعية تؤمن بها. وحتى أقوى المؤسسات يمكن أن تضعف إذا تحولت الممارسة السياسية داخلها إلى امتداد للصراعات الاجتماعية بدل أن تكون إطاراً لتنظيمها.

 

الإصلاح يبدأ من الإنسان

إن النقاش حول مستقبل موريتانيا لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش تقني حول المؤسسات وحدها. فالمؤسسات في النهاية من صنع الإنسان، والسياسات ينفذها الإنسان، والدولة لا تصبح دولة مواطنة إلا عندما تصبح المواطنة قيمة حقيقية في وعي الناس وممارساتهم اليومية.

 

ولهذا فإن سؤال «أي نظام سياسي نريد؟» يظل ناقصاً إذا لم يسبقه أو يرافقه سؤال «أي شعب نريد؟»

 

فالنظام السياسي الحديث يحتاج إلى مواطن حديث في وعيه السياسي، وإلى نخبة تؤمن بأن مهمتها ليست فقط الوصول إلى السلطة، وإنما المساهمة في بناء مجتمع قادر على ممارسة حقوقه وأداء واجباته ومساءلة من يحكمه.

 

ولعل هذا هو التحدي الأعمق أمام أي نقاش وطني مقبل: ألا يكون الحوار مجرد بحث عن ترتيبات سياسية جديدة، وإنما فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمواطن والمجتمع.

 

فموريتانيا التي نريدها لن تُبنى بالمؤسسات وحدها، كما أنها لن تُبنى بالمواطن وحده.

 

إنها تُبنى عندما تلتقي دولة قوية وعادلة، ومؤسسات فعالة، ونخبة مسؤولة، ومواطن يؤمن بأن الوطن أكبر من القبيلة والجهة والعشيرة، وأن المصلحة العامة ليست شعاراً سياسياً، وإنما سلوكاً يومياً وثقافة مشتركة.

 

وعندها فقط يصبح سؤال أطار أكثر اكتمالاً: أي موريتانيا نريد؟

 

وللإجابة عنه، علينا أن نسأل أولاً: أي شعب نريد؟

الأحدث