جدول المحتويات
ليس السؤال الذي طرحه فخامة رئيس الجمهورية: «أين نسير؟» سؤالاً عابراً، ولا مجرد تمرين فكري أو استشرافٍ للمستقبل، بل هو استشعار عميق - من المسؤول الأول عن البلد - لمنعطف تاريخي تتسارع فيه تحولات العالم، وتتبدل معه قواعد النظام الدولي وتوازناته الراسخة، وتُعاد فيه تشكيل المحاور والسياسات الدولية في ظل صراعات محتدمة حول مصادر الإنتاج، والعقد اللوجستية، وحيازة التكنولوجيا والمعرفة؛ وتمتد تأثيراته لتطال تركيبة المجتمعات المتغيرة تحت وطأة تدفقات الهجرة، وأنماط الحياة والعمل والتعلم، وطبيعة العلاقات الإنسانية.
وفي موريتانيا، تتقاطع هذه الأمواج الخارجية مع واقع داخلي مثقل بالاختلالات البنيوية وتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفقدان البوصلة التنموية منذ عقود، وتغيرات متسارعة في البنية الديمغرافية والمجتمعية؛ وتبدلاً عميقاً في التوازنات التقليدية، وفي أنماط العيش والروابط الاجتماعية، ونظرة الأجيال الصاعدة إلى غدها، في وقت تشتد فيه الضغوط على كاهل الدولة والمجتمع، لتزداد معها الأسئلة المرتبطة بمستقبل البلاد تعقيداً وعمقاً.
وبالتالي، فإن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولاً تحريره من التموقعات السياسية والانحيازات الاجتماعية، والنظر إليه بقدر من الموضوعية والحياد يسمح بقراءة واقعنا كما هو من أجل فهم الاتجاه الذي يأخذنا إليه المسار القائم؟ ومن ثم استشراف إذا ما كنا فعلا نملك القدرة على ضبطه وتوجيهه؟
لقد اتسم المسار الحالي الذي نسير فيه منذ الاستقلال تقريبا بـ"التضخم السياسي، والعجز التنموي، والتخبط الاقتصادي"؛ فأصبحت الإدارة والاقتصاد والمشاريع التنموية، في جانب منها، أدوات لكسب الولاء والتأييد، باعتبارهما الغاية التي طغت على حساب بناء مؤسسات دولة حديثة، واقتصاد قادر على خلق القيمة، وتنمية تستجيب لحاجات مجتمع يتضاعف ديمغرافيا، ولذلك لم يتشكل، منذ الاستقلال إلى اليوم، مسار متكامل لبناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها ومجتمعها، بقدر ما ظل جانب مهم من خياراتها محكوماً بمنطق إدارة التوازنات السياسية والاجتماعية والمحافظة على الولاءات القائمة، وهو ما انعكس بعمق على طبيعة مسار الدولة نفسها.
ففي الشق السياسي كانت المعالم الرئيسية للمسار الذي نسير فيه تتمثل في (غياب البرامج السياسية، تآكل المعارضة، وفقدان ثقة المواطن، وتزايد حدة الصراعات على المصالح، وتسخير المؤسسات الاقتصادية والإدارة لكسب الولاء السياسي...).
- فلا برامج سياسية واضحة؛ إذ تتمحور الأغلبية أساساً حول شخص الرئيس، فيما تحولت المعارضة، في جانب كبير منها، إلى تجمع لمن لم يجدوا لأنفسهم موقعاً في دائرة السلطة، أو نصيباً من الامتيازات والمنافع المرتبطة بها، أكثر من كونها تعبيراً عن مشاريع سياسية متباينة أو رؤى وبرامج بديلة لإدارة الدولة والمجتمع.
- هكذا أصبحت الخريطة السياسية تتشكل أساساً من حزب حاكم كبير ومسيطر، يستمد قوته من أن فخامة رئيس الدولة هو مرجعية الحزب، ومن التداخل بين أجهزة الحزب وأجهزة الدولة، وبالتالي توظيفها لحسابه، وأحزاب معارضة من دون رؤية ولا برامج، وعشرات الأحزاب والكيانات الوهمية التي خلقتها واحتضنتها الأنظمة السابقة من أجل تمييع الحياة الحزبية وخنق وإعاقة كل محاولة لبناء ديناميكية مجتمعية مستقلة.
- وأصبح الحقل السياسي مفصولاً عن المجتمع، لا يعبر عن طموحاته ولا يطرح مشاكله، إذ لم يعد سوى تبادل للأدوار بين كيانات فاقدة للمشروع المجتمعي الواضح، تتماهى مع النسق السياسي للدولة، تنفذ وتبرر اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من مختلف المواقع، سواء من داخل الأغلبية أو المعارضة، خدمة لمصالح شخصية ضيقة.
- والأخطر مما سبق جمود - غير مسبوق - للخطاب السياسي، حيث تم استهلاك شعارات كثيرة على المستوى الرسمي، على غرار الإصلاح، ومحاربة الفقر، والفساد، والتنمية، والتشغيل، وغيرها، وعلى مستوى المعارضة: محاربة العبودية، وإنصاف المبعدين، والنضال من أجل الحريات، ومحاربة الدكتاتورية، وغيرها. وتم إفراغ هذه المفاهيم من معانيها السامية، بشكل اهتزت معه ثقة المواطن في الطرفين، مما أدى إلى فراغ تسلل منه بشكل لافت خطاب شعبوي خطير يزداد يوماً بعد يوم.
- والأخطر من كل ذلك، هو توظيف بعض المظالم الاجتماعية والتاريخية وفي مقدمتها قضيتي العبودية والإرث الانساني، في خطاب فئوي تحولت معه قضايا يفترض أن تكون جزءاً من مسار الإنصاف والعدالة وبناء المواطنة إلى أدوات للمتاجرة السياسية وتحقيق مكاسب شخصية، من تعيينات وصفقات وامتيازات، بما أسهم في صرف فئات الشعب عن معركتها الأساسية "الفقر" وتعميق الانقسامات الاجتماعية وإبقاء المجتمع أسير حساسيات الماضي بدل توجيهها نحو بناء مستقبل مشترك.
- هذا بالإضافة إلى الزيادة المضطردة في الاستقطاب والصراعات داخل الأغلبية التقليدية، وهي صراعات تستمد جذورها من خلفيات اجتماعية ومصلحية ضيقة، حيث برزت في كل زاوية عدة أحلاف متصارعة يتزعمها بعض كبار الموظفين السامين، مما تسبب في مزيد من تبديد المقدرات وعرقلة التنمية في الداخل، واستنزاف الجهاز الإداري للدولة في صراعات عبثية لا طائل من ورائها. وبدل السعي إلى تصفية هذه الصراعات خدمة للتنمية، تتم تغذيتها عبر الاستمرار في اعتماد نهج ضيق في اختيار كبار المسؤولين، يشبه محاصصة اجتماعية غير معلنة، على حساب الكفاءة والاستقامة.
- وبدل أن تتضافر جهود الفاعلين السياسيين والأحزاب والدولة ووسائل الإعلام لصناعة رأي عام واعٍ، وتثقيف المواطنين، والارتقاء بالنقاش العام من مستوى الأشخاص والولاءات التقليدية والمظالم المستحضرة إلى مستوى البرامج والسياسات والمصلحة الوطنية، وتفكيك أسباب التوتر الاجتماعي والسياسي ومعالجة جذوره... الخ ساهم أغلب هؤلاء الفاعلين في إعادة إنتاج الاعتبارات التقليدية والمظالم التاريخية، بما أبقى المواطن داخل دائرة الاستقطاب والولاء الفئوي، وأضعف قدرته على النظر إلى الشأن العام باعتباره شأناً مشتركاً يتجاوز المصالح الشخصية والاعتبارات الاجتماعية الضيقة.
- ولم ينأ الحقل الإعلامي عن هذا المسار؛ فقد تحول، في جانب منه، من فضاء يفترض أن يوسع دائرة النقاش العام، ويتيح مساءلة السلطة ونقد السياسات وطرح البدائل، إلى مجال تحكمه في أحيان كثيرة اعتبارات المنفعة والابتزاز والتموقع "التبشمركي"، حيث أصبحت بعض المنابر والأصوات الإعلامية جزءاً من شبكة المصالح السياسية والاقتصادية، أكثر من كونها أدوات مستقلة لإنتاج النقاش العام وتوجيهه.
- ومن تجليات هذا التضخم السياسي المشوه، بروز ظاهرة تآكل الوفاء السياسي وتبدل الولاءات مع كل تحول في رأس السلطة، حيث أضحى المسار مكرساً لثقافة انتهازية تجعل من لعن النظام الساقط وتبرئة الذمة من خطاياه واجباً رسمياً ومقدماً للتقرب من العهد الجديد؛ لتتحول النخب السياسية، في غالبها، من حاملة مفترضة لمشاريع فكرية وبرامج تنموية صلبة إلى مجرد كيانات وظيفية تتقن الطقوس الكرنفالية وتبديل الأقنعة السياسية مع كل منعطف، مما أسقط ما تبقى من مصداقية للعمل الحزبي، وعمّق فراغ الثقة بين الشارع والسياسي، وجعل الدولة تسير بلا مرجعية قوية تحمي خياراتها الكبرى وتضمن تواصل البناء المؤسساتي التنموي عبر تعاقب الأنظمة.
- ولا تزال المكتسبات التي تحققت في إطار مسار التحول الديمقراطي، ناقصة ومشوهة في ممارستها. فنظام النسبية علي سبيل المثال – لا الحصر- الذي يفترض أن يكون أداة لتوسيع التمثيل السياسي وإتاحة حضور أوسع للمعارضة والقوى الاجتماعية المختلفة، تحول في الممارسة إلى عامل إضافي للتشرذم والتفرقة داخل المشهد السياسي، بحيث تسابق الكثيرون لتأسيس أحزاب جديدة فقط من أجل الترشح على رأس اللوائح الوطنية للحصول على مقعد.. كما تم تعطيل قانون التمويل الانتخابي رقم: 035/2006 الصادر في 2 نوفمبر 2006، وفي كل مرة تتعرض فيها المواد المحصنة حول تحديد المأموريات الرئاسية لمحاولات الغاء حين تسنح كل فرصة... الخ
- وفي السياق نفسه، اختفى الحديث الجاد عن الإصلاح السياسي تدريجياً تحت يافطة الحوار والتفاهمات، فتحول الحوار من وسيلة لتجاوز الاختلالات وبناء قواعد سياسية أكثر رسوخاً إلى آلية لإدارة التوازنات القائمة واحتواء الخلافات دون معالجة أسبابها العميقة. وبذلك تراجع الإصلاح بوصفه مشروعاً لإعادة بناء الحياة السياسية، ليحل محله تفاهم ظرفي بين الفاعلين حول مواقعهم ومصالحهم وحدود نفوذهم.
- كما برز العجز الواضح على مستوى النخبة، موالاة ومعارضة وتكنوقراطا، على الصعيد النظري والعملي عن تقديم تصور واضح للإصلاحات الضرورية وطبيعتها ومضمونها ومجالاتها وترتيب الأولويات، وإدارة الشأن العام الوطني بمختلف أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية.
- وطبعاً، كل ما سبق تسبب في اهتزاز ثقة المواطن في كل ما هو سياسي، وانتقال مركز الفعل السياسي من الفضاء العام التقليدي إلى الفضاء العام الافتراضي، وبرز بشكل لافت خطاب شعبوي خطير ذو طابع تجزيئي، لا يراعي قيماً ولا أخلاقاً، وجد في وسائل التواصل الاجتماعي قنوات ناجعة للتعبير والترويج.
- كما تسبب كل ما سبق في حالة من الإحباط العام على المستوى الشعبي، حيث يسود منذ عقود مزاج سلبي - خصوصا لدى الأجيال الجديدة - يطبعه فقدان الثقة في المؤسسات، والخوف من المستقبل، وتطغى عليه مشاعر فقدان الأمل والرغبة في التغيير، نتيجة الشعور بالغبن والتهميش وانعدام المساواة.
في الشق الاقتصادي والاجتماعي (غياب رؤية، سيطرة الريع والامتيازات والاحتكار، ترحيل العجز نحو القدرة الشرائية للمواطن...) حيث:
- برز العجز عن تقديم بدائل ذات مصداقية، وإدمان الحلول العشوائية، والتركيز على الطابع الكرنفالي، مع الاعتماد شبه المطلق على المساعدات الفنية والمالية الخارجية، فضلاً عن تغول أصحاب النفوذ وتبديد مقدرات الدولة واختراق بعض مفاصلها من طرف قوى الفساد واللوبيات المصلحية.
- كما غابت رؤية استراتيجية واضحة وتم العجز عن مواكبة نسق التحولات المتلاحقة وطنياً ودولياً منذ التسعينيات، يُضاف إلى ذلك ضعف القدرة على تنظيم وتطوير القطاعات الحيوية، وطغيان الاحتكار وتنامي السوق الموازية على حساب الاقتصاد المنظم. ولعل ترتيب موريتانيا المتأخر على عدد من المؤشرات الاقتصادية والتنموية العالمية يعتبر أبلغ دليل على هذا الفشل المدوّي وعلى انعكاساته المدمرة على حياة المواطن وعلى قدراته الشرائية، وصحته، وتعليمه وأمنه الغذائي.
- وتم تدمير قطاعات حساسة واستراتيجية بفعل منح الامتيازات والتراخيص والأرضي.. بناء على اعتبارات اجتماعية وسياسية ضيقة، كما تحولت إدارة المؤسسات والشركات العمومية الكبرى إلى أداة لمكافأة الفاعلين في السياسة المحلية والوجهاء، لينتهي المطاف بعشرات الكيانات المفلسة والمنهارة هيكلياً، تتغذي من إعانات سنوية تقدمها الدولة عبر تشديد النهج الجبائي والضريبي الصارم على كاهل المستهلك المنهك لسد عجز تسييرها.
- وظلت بنية الاقتصاد الوطني منذ الاستقلال رهينة لنمط بدائي وريعي يعتمد كلياً على تصدير المواد الخام والصناعات الاستخراجية، من حديد وذهب وغاز وأسماك، دون خلق أي قيمة مضافة داخل البلاد؛ ولم تسجل محاولات جادة لتحويل هذه الثروات إلى رافعة للتصنيع المحلي وتوطين الانتاج.
- كما باءت بالفشل الذريع كل المحاولات والخطط المتتالية الرامية لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني وغرس نسيج إنتاجي مستقل، وتحولت برامج التصنيع المحلي وعصرنة القطاعات التقليدية، كالزراعة والتنمية الحيوانية والسياحة، إلى مجرد شعارات موسمية تُستهلك إعلامياً، دون أن تنجح الدولة في فك الارتباط عن النمط الريعي السائد أو بناء بدائل اقتصادية قادرة على الصمود وخلق القيمة المضافة داخل البلاد.
- وقد تسبب هذا الإخفاق التنموي المستمر منذ عقود إلى تكريس ارتهان البلد شبه الكامل لتقلبات وهزات الأسواق الخارجية العنيفة، وأصبح عيش المواطنين، واستقرار ميزانية الدولة، وأمنها الغذائي، تحت رحمة الارتدادات الاقتصادية الدولية والأزمات الجيوسياسية العابرة للحدود، في ظل تبعية استيراد حادة ومخيفة تغطي جلّ الاحتياجات والسلع الأساسية من الخارج.
- هكذا أدى هذا العقم الإنتاجي الحاد إلى تكريس اختلال مزمن وفادح في الميزان التجاري للبلد، نتيجة لضعف وهشاشة الصادرات الوطنية التي تقتصر على مواد خام منخفضة القيمة، في مقابل تصاعد مخيف وفاتورة باهظة للاستيراد تغطي جل الاحتياجات الاستهلاكية والغذائية والخدمية؛ وهو ما يستنزف باستمرار الاحتياطيات النقدية للبلاد، ويعمق التبعية الهيكلية للخارج، ويجعل الدولة في حالة عجز دائم عن تحقيق توازنها المالي المستقل.
- وفي السياق الإقليمي، تجسدت الاختلالات البنيوية في طبيعة العلاقات التجارية والخدمية مع دول الجوار، حيث بات البلد يتعرض لحالة استنزاف حاد ومستمر؛ إذ تحولت موريتانيا إما إلى مجرد سوق استهلاكية مفتوحة ومستنزَفة سواء أمام جيران يصدرون إليها السلع والبضائع والخدمات، أو كسوق للعمل يتم تصدير اليد العاملة إليها، وهكذا يتم ترحيل الثروة نحو الجيران بشكل متسارع، مما يحرم الاقتصاد الوطني من تدوير الرساميل محلياً ويُعمق التبعية الهيكلية للخارج.
- والأدهى من ذلك كله، أنه تم ترحيل ونقل كافة الأزمات والهزات البنيوية التي تعرض لها هذا الاقتصاد مباشرة إلى كاهل المواطن، وذلك من خلال اللجوء المتكرر لتخفيض قيمة العملة الوطنية؛ وهو الإجراء الذي تحول إلى آلية لامتصاص الاختلالات المالية للدولة على حساب القوة الشرائية، مما تسبب في موجات تضخم جارفة وغلاء فاحش طال كافة المواد الأساسية، وعمّق من مأساة الفقر والحرمان.
- وقد أدي التحول السريع غير المدروس نحو اقتصاد السوق بضغط الصناديق العالمية إلى خلق قطاع خاص عاجز ومشوّه، لا يبتكر ولا ينتج ولا يساهم في الاستثمار البنيوي الحقيقي ولا يمتلك القدرة على خلق فرص العمل المستدامة، بقدر ما يتغذى على الريع والاحتكار والمضاربات السريعة؛ وتحول في جوهره إلى واجهات اقتصادية لشبكات النفوذ والمحاصصة، ويعتمد كلياً على الصفقات العمومية والامتيازات الحمائية التي تمنحها الدولة.
- هكذا أضحي الاقتصاد محتكرا بالكامل من طرف مجموعات عائلية محدودة (حددها البنك الدولي بـ9 الي 10 تقريبا)، أحكمت قبضتها على المبادرات التجارية والأسواق، وهيمنت على القطاع البنكي والمصرفي وتوظفه لتمويل أنشطتها ومقاولاتها.. والأخطر من ذلك ارتباطاتها العضوية بالحقل السياسي، عبر تمويل الحملات والأنشطة الحزبية لضمان استمرار وديمومة مصالحها وحماية نفوذها.
وعلى المستوى الاجتماعي والتنموي (ارتفاع مفزع في الفقر والبطالة، تآكل الطبقة الوسطي، أزمات في القطاعات الاجتماعية.. الخ):
- تجسّد الفشل التنموي في ارتفاع مفزع وعميق في نسب الفقر، تحول إلى واقع بنيوي يطحن الغالبية العظمى من المواطنين؛ حيث اتسعت رقعة الفئات الهشة والمهمشة في أحزمة البؤس حول المدن الكبرى وفي الأعماق الريفية المنسية، ولعل خير دليل على ذلك هو شمول السجل الاجتماعي لحوالي نصف مليون أسرة مما يعني أن أكثر من نصف الشعب الموريتاني يصنف رسمياً ضمن دائرة الهشاشة أو الفقر المدقع والاحتياج للمَعُونة.
- ولعل من أبرز أسباب وضعية الفقر الحادة هذه والتي ظهرت منذ الجفاف، حين تآكلت أصول وثروات أغلب الشعب الموريتاني الذي كان يعتمد كلياً على التنمية الحيوانية والزراعة البدائية، هو استسلام الدولة تماماً وعجزها عن ابتكار أي حلول جذرية تكسر طوق الأزمة؛ وانحصر تدخلها في مقاربات إسعافية ومساعدات ظرفية عشوائية لا تزال مستمرة إلى اليوم ورغم تعدد أشكالها ومسمياتها عبر العقود المختلفة - من خطط "الإسعاف" إلى "أمل" إلى "تضامن" وصولاً إلى "تآزر" - لكنها ظلت في جوهرها أشبه بعمل خيري وموسمي، أبعد ما تكون عن الخطط التنموية المستدامة التي تخرج بعض الناس من الفقر وتبعث ديناميكية معيشية جديدة.
- وقد تسببت تراكم فشل السياسات الاقتصادية والتنموية إلى تآكل الطبقة الوسطى التي تمثل صمام أمان الاستقرار، لتترك مكانها لقطبية تزداد حدة واتساعا يوما بعد يوم بين قلة تزداد ثراءً مستفيدة من ريع السلطة والامتيازات، وأغلبية ساحقة تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم وتصارع يومياً لتأمين لقمة العيش، مما عمّق مشاعر الغبن والدونية، وأضعف قدرة الأسر على الصمود أمام الأزمات المعيشية المتلاحقة.
- وسادت أزمة إنسانية وهيكلية طاحنة، تتصدر معالمها قفزات ومعدلات مفزعة في نسب البطالة، وخاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات؛ نتيجة عجز الاقتصاد البنيوي عن إنتاج وظائف حقيقية قادرة على استيعاب الطاقات الحية للبلد؛ ورغم هذا الفشل الذريع والواضح للعيان، يتم الاستمرار في إخفاء الأرقام الحقيقية تحت تعاريف ونظريات مختلفة و اعتماد وتنفيذ برامج تشغيل وتكوين سيئة التصميم والتوجيه، تفتقر للمطابقة مع متطلبات السوق ومقومات الإنتاج، مما حوّل هذه البرامج إلى مجرد أدوات لإهدار الموارد وتسكين الأزمات ظرفياً، وعمّق من حالة اليأس وانسداد الأفق لدى الأجيال الصاعدة.
- ورغم المجهودات المبذولة في زيادة نسبة التمدرس الكمية، تعيش البلاد على وقع تزايد مهول ومخيف في معدلات التسرب المدرسي، نتيجة لمنظومة تعليمية متهالكة تترنح وتتأرجح باستمرار تحت وطأة ضعف الجودة ورداءة الحكامة وحضور الاعتبارات السياسية والاجتماعية في تسيير الكتلة البشرية ورسم الخريطة المدرسة والتضخم السياسي الذي حول ملف إصلاح التعليم، ولغة التدريس، من قضية فنية وتربوية استراتيجية إلى أداة للاستقطاب السياسي والمزايدات الإيديولوجية بين "الفرنسة والتعريب".
- ولم ينجُ قطاع الصحة من هذا الإعصار التنموي، بل تحول بدوره إلى مظهر صارخ لفشل السياسات الاجتماعية ونزيف مستمر لمقدرات البلد المالية والبشرية؛ إذ يعاني المواطن تحت وطأة منظومة استشفائية وطبية عاجزة، تفتقر لأبسط مقومات الرعاية، والرقابة، والتجهيز، مما أفقد الناس ثقتهم في المستشفيات المحلية. وقد ترتب على هذا التردي الهيكلي هجرة علاجية مخيفة ونزيف مالي مهول للعملة الصعبة، تمثل في التدفقات والأعداد الفلكية من المواطنين الذين يضطرون يومياً للسفر والتعالج في دول الجوار بشتى الطرق والوسائل، ليتحول الحق في العلاج إلى مغرم مادي ونفسي باهظ يهدد الأسر بالافتقار التام، ويشهد على عمق الفجوة بين الشعارات الرسمية والواقع المعيش.
- ورغم التركيز الكبير والصرف المالي الهائل على مشاريع البنى التحتية القاعدية، لا تزال الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وطرق وغيرها تعاني من ضعف حاد في الجودة، وانعدام الاستمرارية، وارتفاع باهظ في التكلفة؛ ومحدودية التغطية، لتتحول هذه المشاريع الاستراتيجية - بفعل الاختلالات الهيكلية وسوء التوجيه - من روافع حقيقية لعصرنة البلاد إلى أوراش استعراضية تستنزف الميزانية والقروض الخارجية، دون أن تفضي الي خلق أنشطة تدعم صمود المواطن، أو تنهي انقطاعات الخدمات المزمنة التي تشل عصب الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي على حد سواء.
- ولم تسلم المسألة العقارية من هذا التخبط العارم، بل تحولت بدورها إلى بؤرة لتكريس اللاعدالة والتوتر الاجتماعي، وعائق بنيوي أمام التنمية الحقيقية؛ حيث عانى الحقل العقاري من فوضى تشريعية وتسييرية عارمة، تحولت معها الأراضي الحضرية والزراعية إلى أدوات للمضاربة السريعة، وامتيازات تُمنح بناءً على اعتبارات النفوذ والمحاصصة السياسية والاجتماعية خارج معايير الجدوى والإنتاج والاستحقاق. وقد أدى هذا الواقع المأزوم إلى نشوء نزاعات عقارية واجتماعية حادة شكلت عامل تهديد للسلم الأهلي في الداخل، فضلاً عن استمرار الملكية التقليدية واحتكار الأراضي من طرف كيانات ريعية لا تستثمر ولا تنتج، مما أعاق مشاريع الإصلاح الزراعي وعمّق من مأساة النزوح نحو المدن.
- كل ما سبق ساهم في بروز مأزق أخلاقي ومؤسساتي أكثر عمقاً وخطورة، حيث تحول الفساد تدريجياً من سلوك معزول مدان إلى ما يشبه ثقافة مجتمعية سائدة ونمطاً مألوفاً للتعايش والعبور؛ كما أسهم التماهي الطويل مع آليات الريع والمحاصصة في تطبيع المجتمع مع مظاهر الكسب غير المشروع، وغدا استغلال النفوذ وخرق النظم نوعاً من "البطولة" والذكاء الاجتماعي، وتحولت المحسوبية والزبونية في الوجدان العام إلى واجب تفرضه الروابط الفئوية والاجتماعية. والأخطر من كل ذلك، هو تلك القناعة الاجتماعية التي تترسخ يوماً بعد يوم بأن النجاح والولوج إلى الثروة والامتيازات يرتبطان بالنفوذ والوساطة والولاءات أكثر مما يرتبطان بالكفاءة والعمل والاستحقاق، مما جعل الفساد يتحول إلى آلية قهرية لإعادة إنتاج اللامساواة وتقويض قيم المواطنة وسيادة القانون من أساسها.
- كما ساهم جو الإحباط العام واليأس في ظهور سلوكيات غريبة على ثقافة المجتمع وتاريخه مع انهيار مستمر ومتسارع لمنظومة القيم الاجتماعية الأصيلة، وتردٍّ أخلاقي وسلوكي غير مسبوق في الفضاءين العام والافتراضي على حد سواء.
وإذا كانت هذه أبرز معالم المسار المأزوم الذي نسير فيه منذ عقود فإن المرحلة القادمة لن تكون مجرد امتداد بسيط له، ولا تملك ترف الاستمرار في مقارباته؛ إذ ستفرض علينا جملة من المعطيات الجيوسياسية والتنموية الضاغطة، التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها عند التفكير في مستقبل البلاد وصياغة اتجاهها:
- أولاً، ستشهد المرحلة القادمة تراجعا مضطردا في الدعم المالي والتقني الخارجي، لتصبح القروض والمساعدات الدولية التي أدمن عليها التسيير العام لتمويل الدولة ومشاريعها أقل قابلية للاعتماد عليها وأكثر مشروطية مما كانت عليه في السابق، مما يضع استدامة الميزانية والنفقات التسييرية أمام اختبار ذاتي حرج.
- ثانياً، كما ستشهد انغلاق واشتداد حدة المنافسة في الأسواق الخارجية، التي ستصبح أكثر صعوبة وتعقيداً أمام ولوج صادراتنا الوطنية التقليدية والبدائية، في ظل تبدل قواعد النظام التجاري الدولي وتزايد المتطلبات والمعايير الفنية والبيئية الصارمة التي تحكم سلاسل الإمداد العالمية وتدفقات السلع.
- ثالثا، وستتعمق حدة التغيرات المناخية وتوالي دورات الجفاف، بما يهدد بتسارع وتيرة تصحر الأرياف وتآكل ما تبقى من الغطاء النباتي والموارد الطبيعية الشحيحة؛ وهو ما سيفرض ضغوطاً وجودية وتحديات ديمغرافية هائلة على السكان والأنشطة الزراعية والرعوية، ويدفع بموجات هجرة ريفية جديدة تفوق القدرة الاستيعابية للحواضر.
- رابعا، وسيزايد الارتفاع المتسارع والنمو الديمغرافي المطرد لعدد السكان، وما يرافقه من انفجار في الحاجيات والتطلعات، مما يعني زيادة متواصلة وضغطاً خانقاً على الطلب اليومي لخدمات التعليم، والصحة، والسكن، والمياه، والكهرباء، وفرص العمل الحقيقية؛ وهي استحقاقات لا يمكن تلبيتها بالبنية التحتية المتهالكة الحالية.
- خامسا، ستتراجع فرص الهجرة نحو الخارج نتيجة تشديد القيود والسياسات الصارمة للدول المستضيفة، ولن يبقى هذا الخيار البديل، الذي ظل يشكل متنفساً طبيعياً وتقليدياً لامتصاص الأزمات المحلية خلال السنوات الماضية، وسيتلاشى تدريجياً في المستقبل ليترك الساحة الداخلية أمام مواجهة مباشرة مع تحدياتها.
- سادسا، سيتواصل الاستمرار الحتمي في تبدل منظومة القيم الاجتماعية والثقافية تحت وطأة الانفتاح التكنولوجي الجارف، وتغلغل وسائل التواصل الاجتماعي، وتمدد أنماط المدنية الحديثة؛ وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى فراغ تنظيمي خطير بسبب تراجع متسارع لسطوة وتأثير الأطر والكيانات التقليدية (كالقبيلة والوجهاء والمشيخات المحلية)، وما يفرضه ذلك من تحديات سياسية ومؤسساتية غير مسبوقة على الدولة التي اعتادت إدارة توازناتها واستقرارها وولاءاتها عبر هذه الروافد التقليدية الآخذة في الأفول.
- سابعا وأخيراً، سيستمر اشتعال الطوق الجيوسياسي المحيط بنا وتعمق الحروب والصراعات الأهلية والإقليمية في منطقة الساحل وجوارنا المباشر، بما يحمله هذا الفضاء المضطرب من تداعيات وإسقاطات مباشرة على أمن البلاد واستقرارها، وتدفقات اللاجئين العابرة للحدود، فضلاً عن آثاره السلبية على الحركة التجارية والاقتصادية للبلد.
إذا أين نسير.. إن استمرينا في نفس المسار؟
إذا أخذا بعين الاعتبار كل هذه العوامل السابقة يمكن القول إن الاستمرار في المسار الحالي يؤدي بشكل مباشر إلى "التأزم الاجتماعي وفشل الدولة"، فالاستمرار في نفس خيارات العقود الماضية يعجل بالوصول إلى هذا المآل الكارثي نتيجة عدة عوامل متعددة لا تملك المقاربات الحالية القدرة على احتوائها، ومن أبرزها:
- تزايد "الكتلة الديمغرافية الشابة" وانسداد الأفق في مجتمع فتي يتضاعف ديمغرافياً بسرعة فائقة، وتمتلك فيه الأجيال الجديدة تطلعات كونية مدفوعة بالانفتاح الرقمي الشامل. عندما تصطدم هذه التطلعات باقتصاد ريعي عاجز عن إنتاج وظائف حقيقية، وبرامج تشغيل سيئة التصميم، ينقلب هذا الإحباط الجيلي - عند انغلاق منافذ الهروب ونزيف الهجرة الخارجية - إلى طاقة تأزيم داخلي عارم في ظل أفول سطوة الأطر التقليدية والوجهاء الذين اعتمدت عليهم الأنظمة تاريخياً لضبط إيقاع نبض المجتمع.
- تلاشي الطبقة الوسطى وتجذّر "ثقافة الغبن" فالمواصلة في نهج جبائي وضريبي صارم يرتكز على الاستهلاك - في ظل غياب موارد أخري - لتغطية نفقات تسيير كيانات منهارة وتمويل امتيازات للفاعلين السياسيين والاجتماعيين، سيعجل بسحق وتلاشي الطبقة الوسطى تماماً. مما يخلق تفاوتا اجتماعيا حادا يحول "الغبن" من شعور عابر إلى قناعة اجتماعية شاملة تنسف قيم المواطنة وتُهيئ الأرضية للأزمات.
- وتتخذ هذه الكارثة شكلها الحتمي من خلال "سيناريو الصدمة الخارجية القاتلة" والذي يقترب شيئا فشيئا بسبب التحولات الجيوسياسية العالمية، والذي يتجسد في حدوث هبوط حاد ومفاجئ في الأسعار الدولية للمواد الاستخراجية، ليلتقي هذا الارتداد مباشرة مع انقطاع فجائي للاستيراد نتيجة أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو أزمة جيوسياسية عابرة، مما يترجم فوراً إلى فشل الدولة وعجزها ويهيئ الأرضية للأزمات الاجتماعية المختلفة.
· والأخطر من ذلك كله، أن الاستمرار في التقسيم العشوائي للامتيازات والرخص والأراضي بناءً على الولاءات والروابط التقليدية، يقود البلاد مباشرة نحو حالة من العقم الإنتاجي الشامل والإنهاك المالي المدمّر؛ حيث تتحول هذه السياسة الزبونية إلى آلية لشل كفاءة الدولة وإقصاء الطاقات الحية، ومع نفاذ هوامش المناورة ستنقلب هذه المحاصصة الاجتماعية الضيقة إلى صراعات أحلاف ونعرات جهوية محتدمة ومكبوتة داخل مفاصل الجهاز الإداري نفسه، وهو ما سيهدد السلم الأهلي، ويقوض ما تبقى من هيبة القانون، ويقود البلاد قسراً وعيونها مفتوحة نحو منزلق التأزيم الاجتماعي وفشل الدولة التام.
· كما إن استمرار فقدان الثقة في الفاعل السياسي، وتعمق حالة الإحباط العام واليأس لدى الطبقات الشعبية، بالتوازي مع التنامي المطرد للخطاب الشعبوي الفئوي والتجزيئي، سيقود البلاد حتماً نحو تهديد اللحمة الاجتماعية؛ إذ إن تآكل مصداقية المؤسسات والكيانات التقليدية والحديثة على حد سواء، يفرغ الساحة من أي أطر ناظمة أو قنوات للوساطة والاحتواء، لتتحول مشاعر الغبن والتهميش المتراكمة داخل الفضاءين الواقعي والافتراضي إلى وقود للأزمات المختلفة.
إن الاستمرار في عقلية التسيير الارتجالي والترقيع العشوائي يقود البلاد قسراً وعيونها مفتوحة نحو منزلق خطير؛ يجرف البنية المجتمعية والسياسية بأكملها نحو لحظة التشظي والسقوط في مهب المجهول.
هل من مخرج؟
إن هذا المسار المأزوم والمآلات الكارثية المترتبة عليه لا يمثل قدراً محتوماً لا فكاك منه، بل يظل مساراً يمكن تفاديه وتصحيح وجهته بالكامل، عبر تعبئة شاملة وجادة للدولة والمجتمع نحو أفق تنموي جديد، وهو خيار يفرض - من بين أمور أخرى -:
- الإقدام الفوري والشجاع على حقن بنية الدولة بجرعة إصلاحات قوية، حقيقية، وجذرية؛ تمتلك الجرأة والسيادة للقطع النهائي مع إرث الزبونية، والمحاصصة، والريع الاقتصادي والفساد البنيوي، وتعمل على إعادة ضبط البوصلة التنموية المفقودة بناءً على أسس الاستحقاق، وتكافؤ الفرص، والمواطنة الحقيقية، مع إرساء دولة القانون والمؤسسات الحديثة القادرة على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة واحتواء الضغوط الديمغرافية والجيوسياسية المتسارعة.
- كما تتطلب استعادة ثقة المواطنين في اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت، وثقة الشباب في السياسة باعتبارها أدارة التغيير، وثقة المستثمر في عدالة المنافسة، وثقة المجتمع في قدرة الدولة على ضمان المساواة والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة. وذلك عبر ربط إصلاحات عميقة تعيد الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وترسخ سيادة القانون، وتضمن الشفافية والنزاهة.
- ويتطلب، قبل كل شيء إصلاحا سياسيا عميقا يرتكز على التخفيف الصارم من التضخم السياسي المشل لأجهزة الدولة، وتغليب منطق الإصلاح السياسي البنيوي على حساب منطق التهدئة الظرفية والتفاهمات والمحاصصات العابرة؛ من أجل جعل السياسة ومؤسساتها رافعة حقيقية لخدمة الاقتصاد والتنمية لا العكس، ووضع حد نهائي لتسخير الإدارة والمشاريع والمقاولات العمومية كأدوات لكسب الولاءات السياسية الضيقة والمحافظة على التوازنات الاجتماعية التقليدية.
- كما يتطلب إعادة تعريف مشاكلنا الحقيقية بالعودة إلى جذورها الأصلية؛ والقطع مع عقود من الاستهلاك والمتاجرة السياسية بمظالمنا التاريخية والاجتماعية، وفي مقدمتها مخلفات العبودية والإرث الإنساني، ومعالجتها -على حقيقتها - كمشاكل فقر حاد، وإقصاء اقتصادي، وتهميش تنموي.
- كما يتطلب أيضا هذا المسار تنويع الاقتصاد وتعزيز صموده أمام الصدمات الخارجية مع إبعاد الحقل الاقتصادي تماماً عن التسييس، والقطع مع أساليب الريع، والاحتكار، والاعتبارات الاجتماعية أو الفئوية في منح الامتيازات والصفقات والرخص، وخوض معركة شجاعة وجريئة لإعادة تنظيم الأسواق ومواجهة تغول رأس المال؛ وذلك بهدف بناء اقتصاد وطني منافس، جاذب، وقادر على خلق القيمة المضافة وتوطين الإنتاج وتوفير وظائف حقيقية مستدامة تحمي طاقات الشباب وتستوعب تطلعاتهم.
- كما يفرض الانتقال نحو حكامة مالية وتنموية صارمة، ترتكز على إطلاق برامج هيكلية حقيقية لمواجهة الجفاف ومكافحة الفقر من جذوره عبر مشاريع إنتاجية مستدامة تثبت السكان في مواطنهم، وعدم الاكتفاء بالتوزيعات العينية والمساعدات التي تتخذ طابع العمل الخيري والإنقاذ الاستعجالي.
- كما يستدعي هذا المسار إصلاحاً عاجلاً وجذرياً لقطاعي التعليم والصحة، بتحرير المدرسة العمومية من التجاذبات الإيديولوجية وتخليص تسيير التعليم من الاعتبارات السياسية والاجتماعية وتأهيل المنظومة الصحية لإنهاء النزيف المالي والبشري المتمثل في الهجرة العلاجية والتعليمية نحو دول الجوار، وبناء إدارة حديثة تعتمد معايير الكفاءة والاستقامة لإنهاء صراعات الأحلاف العبثية المستنزفة لمقدرات البلاد والمعيقة للتنمية.
- ويتطلب تحسين وتأهيل المنظومة الأخلاقية والمؤسساتية ككل؛ عبر إرساء آليات المحاسبة الصارمة، وتجفيف منابع الكسب غير المشروع في الحياة العامة، لإعادة الاعتبار لقيمة العمل، والنزاهة، والاستحقاق، بوصفها صمام الأمان الحقيقي لترسيخ قيم المواطنة وتثبيت أركان السلم الأهلي واستعادة أمل المواطن في دولته ومستقبل بلاده.
وختاماً، يمكن الاستنتاج من خلال قراءة المسار الذي سلكته البلاد، وتقاطع المتغيرات العالمية الضاغطة، أن استمرار هذا المسار، بما راكمه من اختلالات واختيارات وممارسات على مدى عقود، قد يدفع ببلدنا نحو مزيد من التأزم الاجتماعي والاقتصادي، ويقرّبه من مخاطر الفشل؛ غير أن فرص الخروج من هذا المسار وتصحيح وجهته تظل كبيرة، حقيقية وواعدة.
إن إنقاذ المستقبل يتطلب بالضرورة تعبئة شاملة تعتمد تفكيراً استراتيجياً جديداً، وجيلاً جديداً من الإصلاحات والمشاريع التنموية والإنتاجية الكبرى، تشرف على هندستها وتنفيذها نخبة وطنية جديدة تُؤمن بقيمة الكفاءة والاستقامة، وتضع المصلحة العليا للبلاد والمواطنة الحقيقية فوق كل اعتبار، لتعيد صياغة وجهة البلاد نحو بر الأمان والكرامة والازدهار.