جدول المحتويات
حين دعا فخامة رئيس الجمهورية إلى أن نحدد «الدولة التي نريد»، فتح نقاشاً يتجاوز البرامج والمشاريع إلى سؤال أعمق: أيُّ موريتانيا نريد أن نبني؟
ولعل للسؤال وجهاً مكملاً لا يقل أهمية: أيُّ موريتانيا لا نريد؟
والحديث هنا ليس إنكاراً لما تحقق، ولا تجاهلاً لما شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة من مشاريع وبرامج وإصلاحات في مجالات البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية، والتحول الرقمي، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، والاستثمار في التعليم والصحة، فضلاً عن المحافظة على الاستقرار وتعزيز حضور الدولة في مناطق مختلفة من البلاد.
هذه المنجزات، لا ينبغي أن نختلف في تقدير حجمها وأثرها، بل ينبغي أن تُرى باعتبارها رصيداً وطنياً يُبنى عليه.
لكن الدول لا تُقاس فقط بما أنجزته، وإنما أيضاً بما لا تزال تطمح إلى تجاوزه.
لا نريد موريتانيا التي تكون فيها المحسوبية بديلاً عن الكفاءة، والولاء الشخصي بديلاً عن الاستحقاق، والعلاقات الخاصة طريقاً أقصر من القانون إلى الفرص.
لا نريد إدارةً تبقى فيها الإجراءات أكثر حضوراً من النتائج، ولا مواطناً يضطر إلى الوساطة للوصول إلى حق يفترض أن يحصل عليه بحكم القانون.
ولا نريد دولةً يكون فيها الفساد ممكناً أو قابلاً للتطبيع، مهما كانت الجهود المبذولة لمحاربته. نريد أن يصبح المنصب العام مسؤولية، والمال العام أمانة، والمساءلة قاعدة لا استثناء.
ولا نريد دولةً قوية في بنيتها ومشاريعها، لكنها لا تبلغ القوة نفسها في المؤسسات والقانون والعدالة وتكافؤ الفرص.
لقد قطعت موريتانيا أشواطاً في بناء الطرق والمنشآت والخدمات وتوسيع حضور الدولة، لكن التحدي القادم هو أن تتحول هذه الاستثمارات بصورة أكبر إلى فرص اقتصادية مستدامة، وتعليم نوعي، وصحة أفضل، ووظائف منتجة، وتحسن ملموس في حياة المواطن.
ولا نريد اقتصاداً تظل فيه ثروات البلاد الكبيرة منفصلة عن طموح الإنسان الموريتاني. فموريتانيا تملك مقدرات معدنية وسمكية وحيوانية وزراعية وطاقوية، لكن الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه المقدرات إلى قيمة مضافة، وفرص عمل، وتنويع اقتصادي، وتنمية متوازنة بين الجهات.
ولا نريد تعليماً يكتفي بتخريج المتعلمين، بل نريد تعليماً يصنع الإنسان القادر على المعرفة والإبداع والعمل والمنافسة، وتكويناً مهنياً يرتبط بحاجات اقتصادنا وفرصه الجديدة.
ولا نريد أن يتحول تنوعنا الاجتماعي والثقافي إلى مصدر توتر. بل نريد أن يكون التنوع جزءاً من قوة موريتانيا، وأن تكون الوحدة الوطنية مبنية على العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص والثقة المتبادلة.
ولا نريد كذلك أن نبقى أسرى لجراح الماضي أو لخلافات الحاضر. نريد معالجةً مسؤولة لما يستحق المعالجة، تحفظ الحقوق والكرامة، وتفتح الطريق أمام مصالحـة وطنية حقيقية ومستقبل مشترك.
ولا نريد موريتانيا مرتبكة في علاقتها بهويتها. نريد دولةً واثقة من هويتها العربية الإسلامية، معتزة بتاريخها وتراثها، منفتحة على عمقها الإفريقي والعربي والإسلامي وعلى العالم، ترى في التنوع الثقافي والاجتماعي ثراءً لا تهديداً.
ولا نريد أن تصبح السياسة غايةً في ذاتها، أو أن تتحول الدولة إلى مجال لتوزيع المواقع والمكاسب؛ نريد أن تكون المنافسة السياسية تنافساً على الأفكار والبرامج وحسن إدارة الشأن العام.
ربما تكون موريتانيا اليوم أمام فرصة مهمة: أن تحول ما لديها من استقرار ومقدرات طبيعية، وما راكمته من مشاريع وتجارب ومؤسسات، إلى مشروع وطني طويل النفس.
لذلك، فإن سؤال «الدولة التي نريد» يلازمه سؤال آخر:
ما الدولة التي لا نريد أن نعود إليها، ولا أن نعيد إنتاجها؟
لا نريد دولةً تهدر إمكاناتها، ولا دولةً تهدر أبناءها، ولا دولةً تتسع فيها الفجوة بين المواطن ومؤسساته، ولا وطناً يعيش على وعود المستقبل بينما يؤجل معالجة اختلالات الحاضر.
نريد أن نبني على ما تحقق، وأن نعترف بما لم يتحقق، وأن نصحح ما يحتاج إلى تصحيح.
فالوطن المنشود لا يُبنى بإنكار المنجز، كما لا يُبنى بالاكتفاء به؛ وإنما بالبناء عليه، ونقده، وتطويره، ثم الانتقال إلى ما هو أفضل.
وهكذا يتكامل السؤالان:
أيَّ موريتانيا نريد أن نبني؟
وأيَّ موريتانيا لا نريد أن نعيد إنتاجها؟
بين السؤالين، في تقديري، يبدأ النقاش الجاد حول الدولة التي نريد.