جدول المحتويات
لا شك أن الزيارات الرئاسية في دول لها خصوصياتها الجغرافية الصعبة، والتي يمتاز فيها العمل السياسي والجهد التنموي بشساعة الفضاء، وتعدد مستويات التدخل، وبُعْدِ عواصم الولايات من المركز؛ وكذا الرمزية والدلالة المادية لمؤسسة رئيس الدولة، والمرحلة التنموية المحدودة للبلد، كغيره من بلدان الجوار؛ كلها عوامل تشفع للزيارات التي يؤديها رؤساء الدول الأفارقة في الداخل؛ بغرض معلن وحيد هو الاطلاع من عين المكان على مستوى تقدم المشاريع التي تعكف الحكومة على تنفيذها، والاستماع إلى مشاغل، وهموم، وانتظارات المواطنين، وما يأملون في تحقيقه من طرف الدولة المركزية لصالح التنمية المحلية لولاياتهم.
هذا إن أردنا التأصيل الموضوعي للأهمية التي تكتسيها هذه الزيارة، التي هي من حيث المبدأ، قرار سياسي مشروع للماسك بزمام الحكم، والجامع لكافة صلاحيات الجهاز التنفيذي في نظام رئاسي كالذي عندنا؛ فهو الشخص الوحيد الذي يرجع القرار إليه، في شؤون البلاد كلها، وما يتعلق باتخاذ قرار زيارة ولاية بعينها دون أخرى، في بلاده.
من هنا تأتي حقيقة أهمية الوعي بدلالة، ومعنى، وأهمية هذه الزيارة، التي يؤديها رئيس الدولة لولاية إينشيري؛ وهو الأمر الأول، والحقيقة الأولى التي يجب ألا نغفل عنها؛ فكل مهتم بالشأن العام المحلي لولاية إينشيري، يدرك ذلك، بدون شك، ويعيه.
فهي زيارة مهمة إذا، وفي أعلى مستويات الأهمية، من حيث مكانة الزائر، ورمزية المؤسسة الرئاسية التي يشغل؛ والآمال المعقودة على زيارته، في مجالات التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لولاية إينشيري بأكملها.
الحقيقة الثانية، هي أن مثل هذه الزيارات، تقتضي من أهل ولاية إينشيري، على غرار سائر ولايات الوطن الأخرى، أن يكونوا على مستوى الحدث من حيث واجب الحفاظ على ظهور إينشيري بخصال الجود، والسخاء، وشيمة كرم الضيافة المعهودة لهم، وحسن رفادة الوافد أيا كان؛ وإقراء الضيف، وإكرامه الواجب شرعا: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
وبالنسبة لهذه النقطة بالذات، فلا أظن أنه يختلف حولها اثنان، ولا تنتطح عليها عنزان! فالفوارق في إينشيري تختفي وقت قدوم الزائر، وتسقط اعتبارات الموالاة والمعارضة مؤقتا، ويسقط اعتبار من هو مع هذا النظام أو ضده، فالموقف يجب أن يكون موحدا عندما يتعلق الأمر بإكرام الضيف، واستقباله من طرف الجميع، الشانئ قبل المحب، والساخط قبل الراضي، والمعارض قبل الموالي؛ فالمقام مقام إكرام لكل ضيف يحل بإينشيري، كائنا من كان، أحرى إن تعلق الأمر برئيس الدولة.
أخلص بعد هذه الحقيقة الثانية، خوف الإطالة، إلى مجال البوح بالآمال العريضة والمشروعة لسكان ولاية إينشيري، لأُذَكِّرَ قبل بسطها، بحقيقة لا تقل أهمية، وهي الشعور بالغبن، وعدم الرضى عن مستوى مردودية أنشطة وأعمال الشركات المعدنية، التي لا يرى المواطن الإينشيري البسيط أثرا محليا لها، منذ قدوم أول شركة لاستخراج النحاس، إلى اليوم. فالمواطن البسيط في هذه الولاية، ألف مشهد الشاحنات المثقلة بالأحمال، من شتى أنواع المعادن، وهي تدخل بالعشرات كل صباح، في غدوّها، إلى عاصمة الولاية، وفي تيجريت قادمة إلى مصنع تازيازت للذهب؛ لتروح في المساء، مثقلة إلى نواكشوط، حيث ميناء الصداقة، ليتم شحن تلك المعادن الثمينة إلى الخارج، بعد أن انهكت الشاحنات، يوميا، وبالعشرات منها، الطريق الوحيد المعبد بين انواكشوط وأكجوجت؛ شريان حياة إينشيري، ومنفذها الوحيد إلى العاصمة، الذي يتآكل تحت وطأة دأب مرور هذه الشاحنات يوميا، دون أن يهتم، أو يكترث لصيانته، وترميميه متى وجب ذلك، المستفيد الأكبر، إن لم نقل الأوحد، ألا وهو شركات المعادن الأجنبية، ومن يدور في فلكها من المستفيدين، على حساب تنمية الولاية، واستفادة المواطن البسيط فيها.
هذه الصورة القاتمة، تزداد قتامة وكآبة، عندما يضاف إليها، ما هو معلوم من التهديد الذي يشكله الخطر الملازم للنشاطات الاستخراجية، ألا وهو النفايات، بشتى أنواعها، الهوائية (أي المستنشقة) والسائلة، التي تهدد التربة والمياه الجوفية، حال تسربها، مشكلة بذلك خطرا حقيقيا على حياة الأشخاص والحيوانات؛ و النفايات الصلبة التي يشكل تكديسها وتخزينها، وصعوبة معالجتها، بالحرق أو الطمر، أو التحوير، خطرا بيئيا كارثيا، يتهدد الولاية بأكملها، في أية لحظة، في حال وقوع تسربات، أو انتشار، جراء كوارث طبيعية، لا قدر الله. فهي إذا، مخاطر بيئية كبرى، تطرح تحديا بيئيا يوميا، على ولاية إينشيري.
ولكيلا أطيل، أشرع في بسط مقتضب، إن جاز هذا التعبير، لمجموعة من الآمال التنموية المشروعة، التي هي حق للمواطن في إينشيري، سواء كان مواليا أو معارضا، وهي في المقام الأول، حق مشروع للأجيال القادمة، كما هي ضرورات تنموية للجيل الحاضر. فمن تلك الأولويات، على وجه المثال، لا الحصر:
- الحل النهائي والمستديم، لمعضلة الماء في عاصمة الولاية، أكجوجت، وذلك بربطها مباشرة ببحيرة بنشاب، مع مواصلة الحفر العميق، والتنقيب عن المياه الجوفية، لعل اكتشافا لمياه جوفية عذبة، أو ممكنة العلاج، يكون رافدا داعما، لخط التزويد بالماء، القادم من بنشاب، فور إقامته. مع التفكير في حلول مستقبلية أوسع، كتحلية مياه المحيط في امحيجرات، وربط عاصمة الولاية، وجميع حواضرها، بمنشآت تلك التحلية.
- إيجاد حل دائم لتهديد الفيضانات لمدينة أكجوجت، حيث من المعلوم أنها مدينة تقع على صفائح من صخور، لا تمتص قشرة تربتها الضئيلة أبسط كمية من التهاطلات المطرية، أو السيول القادمة إليها من المرتفعات القريبة، والبعيدة. فمن العيب، أن تشكل الفيضانات المتكررة كل سنة تقريبا، تهديدا متواصلا لعاصمة الولاية، وهو التهديد الذي لا يواجه لحد الساعة، إلا بحلول ترقيعية من طرف الدولة. هذا بالإضافة إلى ضرورة تكملة حفر، وتوسعة مجاري الصرف الصحي القديم، الذي لم يعرف تجديدا، منذ عهد شركة مناجم موريتانيا، SOMIMA سنة 1969م.
- تزويد مدينة العصماء فورا بالماء الشروب، وهو المشروع البسيط الذي لا يكلف الدولة شيئا يذكر، إذا علمنا أن هذه المدينة المهمة، ذات الموقع الاستراتيجي، والتي لم تعد قرية؛ لا تبعد عن بحيرة بنشاب سوى عدة كيلومترات؛ وأنه لا يعترض مكث وإقامة ساكنتها بها، بشكل دائم، إلا توفر الماء؛ كما أن جميع التجمعات السكانية القريبة منها، ستستفيد من هذا المشروع.
- تشكيل فريق مختص، كامل العدة والعتاد، متأهب على مدار الساعة واليوم، 7/7؛ يجوب الطريق بشكل دائم؛ ويكون تابعا لشركة صيانة الطرق، وممولا من طرف الشركات المعدنية العاملة في الولاية، وبمساهمة من الدولة الموريتانية، التي تشكل ولاية إينشيري أحد أكبر الموردين لخزينتها العامة؛ وذلك لإعادة بناء مقاطع كاملة من هذه الطريق، وتجديديها، من كل ستة أشهر، أو كل سنة على الأقل؛ إضافة إلى المعالجة الفورية للْحُفَرِ، والتلف، والتآكل الذي تتعرض له طريق أكجوجت - نواكشوط، حيث تمضي الشهور والسنوات، على مقاطع تتلف منها دون ترميم ؛ فتتحول إلى كابوس حقيقي لكل مرتادي هذا الشريان الأهم بالنسبة للمواصلات، والتنقل من، وإلى، الولاية يوميا.
- إحياء مشروع المدرسة الوطنية للمعادن (EMM)، لتكوين وتخريج المهندسين في مجال الجيولوجيا، والمعادن والتعدين، وتشييدها في أكجوجت، في أسرع وقت ممكن. هذا بالإضافة إلى بناء ثلاثة معاهد للتكوين المهني المتوسط، واحد للبيطرة والزراعة في اللويبدة، وآخر للكهرباء، واللحامة، والحرف المرتبطة بالتعدين، في بنشاب؛ وثالث لحرف الصيد وكل ما يتعلق بتثمين الثروة السمكية، في امحيجرات.
- زيادة عدد الاعداديات في الولاية؛ مع الإسراع في تشييد ثانوية كبيرة وحديثة في بنشاب، لاستيعاب عدد التلاميذ المتزايد في المرحلة الثانوية، مع زيادة عدد الأساتذة، خصوصا أساتذة الرياضيات، والفيزياء، واللغة الفرنسية؛ نظرا للنقص الكبير في عدد أساتذة هذه المواد على مستوى الولاية.
- إشراك الولاية في المشاريع الوطنية الكبرى، كمشروع "مدن MOUDOUNE" حيث ظلت الولاية تعاني من الإقصاء من المشاريع التنموية الوطنية الكبرى، تحت ذريعة قلة الساكنة، وهي ذريعة واهية، لا تستقيم لحرمان إينشيري من المشاريع الوطنية الكبرى، وهي الولاية التي تدر دخلا سنويا معتبرا على خزينة الدولة، مستحقة بذلك، إن لم نقل حصة الأسد، فعلى أقل تقدير؛ أن يتم إشراكها في المشاريع الوطنية الكبرى.
- إدراج ولاية إينشيري على قائمة الولايات الواحاتية، حتى تتمكن من الاستفادة من جميع التمويلات الوطنية، والدولية، المخصصة لهذه الشعبة من الزراعة؛ وكذا دعم وتسريع مكننة الزراعة على مستوى الولاية، حتى تعوّض بالتقنيات الحديثة عن قلة الماء، وعدم توفره بالشكل الكافي؛ حيث بات من المعلوم دوليا، أن تحديث أساليب الريّ، يُمَكِّنُ مناطق كولاية إينشيري، من التقدم، وبسرعة، في الإنتاج الزراعي، وتحقيق محاصيل، قد ترقى إلى مستوى التصدير؛ ناهيك عن ضمان الاكتفاء الذاتي للولاية، من الحبوب، والخضروات، والفواكه، بالإضافة إلى التمور.
- توقيع معاهدة مع جميع الشركات المعدنية العاملة في الولاية، لالتزام هذه الأخيرة بدعم سنوي معتبر لحملات الزراعة المطرية التي تقام سنويا، مع تعهد هذه الشركات كذلك، بتسييج عدد محدد من "لكراير" كل سنة، في أغسرمت، ودمان، ولمدنه، وبرجيمات، والتكفل بنفقات صيانة ذلك السياج بشكل دائم؛ على أن يتم الاتفاق على عدد "لكراير" المشمولة بالتسييج كل سنة، مع المعنيين بالتنمية المحلية على مستوى الولاية، من سلطات إدارية محلية، ومنتخبين، وبالتشاور مع المزارعين.
- في مجال التنمية الحيوانية، وهو القطاع المستديم الأهم لحاضر ومستقبل الولاية؛ يجب استفادة ولاية إينشيري من برنامج "الحفر العميق"، الذي تبنته مؤخرا وزارة المياه، وزيادة حفر الآبار، وتكثيف عمليات التنقيب عن الماء، وبناء عدد كبير من نقاط السقي للماشية، المعروفة محليا بـ"صونداجات"، على عموم تراب الولاية، التي هي ولاية رعوية "بامتياز" قبل أن تكون معدنية؛ حيث تلجأ إليها كل سنة قطعان كثيرة من الولايات الأخرى، للرعي. ولعله من المهم هنا، التذكير، بأن الشغل الشاغل للعدد الأكبر من سكان هذه الولاية، والمقيمين فيها بشكل دائم على وجه الخصوص، هو التنمية الحيوانية، بأشمل ما يكون لمدلول هذه العبارة من معنى. فإلى عهد قريب، كنت لا تكاد تجد بيتا في أكجوجت، إلا وبجنبه "كت" للغنم؛ وإلى اليوم، لا ترى حاضرة، أو تجمعا سكنيا، في القرى، أو المناطق القريبة من أكجوجت، وبنشاب، إلا ويشتغل أهلها بتربية الماعز، والضأن، وتنمية الإبل. فعلى المسؤولين في الدولة، على المستوى المركزي، استحضار هذه الحقيقة، حين يلتفتون إلى إينشيري لتصميم البرامج التنموية المخصصة لها؛ وذلك قبل استحضار أنها، كما هو شائع على الألسن، ولاية معدنية "بامتياز". وبالإضافة إلى ذلك، يجب التذكير بضرورة تنظيم حملات التعقيم للمواشي، بشكل منتظم، وزيادة تدخلات وزارة البيطرة على مستوى ولاية إينشيري، لدعم المنمين، ومواكبتهم، وتأطيرهم، وإرشادهم.
هذا غيض من فيض، فيما يخص آمال المواطنين في تحقيق نهضة تنموية شاملة، يبوح بها لسان المقال لولاية إينشيري؛ وهي آمال تنموية مشروعة، يأمل المواطن الإينشيري العادي، أن تكون هذه الزيارة، فاتحة عهد لها، بإذن الله.
أما بخصوص الانتظار الأوحد، الذي يبوح به لسان الحال للولاية، فذلك بيت القصيد، ومربط الفرس. حيث سيكون الكلام فيه موجها مباشرة، وبشكل خاص، إلى شخص الضيف الكبير نفسه؛ مما يشعر بجسامة هذا الانتظار، وأهميته، في اللحظة الراهنة، لدى كافة سكان ولاية إينشيري، من موالاة ومعارضة، على حد السواء.
فأقول لكم، فخامة الرئيس، بخصوص هذا الانتظار، أصالة عن نفسي، ونيابة عن كل سكان ولاية إينشيري، من معارضين وموالين على حد السواء: سيدي الرئيس، من الحكمة والسداد، تمكين المواطن الموريتاني، ابن ولاية إينشيري، الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، من العلاج في الخارج، وذلك لدواع إنسانية محضة، أولا وقبل كل شيء، وبغض النظر عن أي اعتبار آخر؛ تمثّلا، وتجسيدا لقيم التسامح السامية، في ديننا الحنيف، وشريعتنا الغراء، حيث يقول الله سبحانه، في محكم التنزيل: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
نقول ذلك لكم، يا فخامة الرئيس، ونحن نستحضر كافة المُسلّمات التي نتفق عليها جميعا، وبدون استثناء لأي أحد منا، سواء كان في الموالاة، أو في المعارضة؛ ألا وهي:
- الدولة الموريتانية، دولة القانون، ودولة المؤسسات، وهي فوق الجميع بهذه الصفة وهذا الاعتبار؛ لها حق الاسئثار بالقوة. فلا مجموعة، ولا قبيلة، ولا فصيل، ولا تنظيم، ولا إثنية، ولا عرق، ينازعها في امتلاك القوة، والتفرد بحيازة السلاح واستخدامه؛ للذب عن حوزة الوطن، وحفظ الأمن، والسلم الاجتماعي. وبالتالي فلا توجد أي مجموعة، مهما كانت طبيعتها، يمكنها منازعة الدولة في ذلك؛
- القانون فوق الجميع، ولا أحد فوق القانون، ولا يستثنى من ذلك، بأي اعتبار كان، رجل سلطة، أو مال، أو نفوذ؛ وبقوة القانون تتمكن الدولة وحدها من الإكراه البدني لأي شخص، مهما كان موقعه، ومكانته.
- القضاء الموريتاني وحده صاحب الكلمة النهائية في جميع القضايا المحالة إليه، وهو مؤتمن على ذلك، ولا يسمح لأحد، مهما كان موقعه، بعرقلة عمل القضاء، أو محاولة الحيلولة دون تنفيذ أحكامه التي يُصْدِرُ، بحرية كاملة، واستقلال تام؛
- واجب الحفاظ على هيبة الدولة، ومكانتها، ووحدتها، يقع على عاتق الجميع. فلا يسمح لأحد، تحت أي ذريعة، وبأية طائلة، أن يمس من مكانة الدولة، وهيبتها، أو يهدد أمنها واستقرارها.
وكل المواطنين، وأولهم ساكنة إينشيري، والمنحدرين منها، مقرون بهذه المسلمات؛ وهم أكثر حرصا على احترامها، والتمسك بها، لما عرفوا به من وطنية أصيلة، وروح انتماء راسخة، ضاربة في القدم، وحسّ وطني مرهف، برهنوا عليه في جميع المراحل التاريخية لتشكل الدولة الموريتانية الحديثة...
ومع ذلك كله، وانطلاقا من ذلك كله، وبناء على ذلك كله، فلسان حالهم يقول، بصوت واحد، لا يخفى على كل أريب، يلقي السمع وهو شهيد: الرجاء الأكبر، والانتظار الأوحد، في هذه الفترة من تاريخ بلادنا هو تمكين المواطن الموريتاني، الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ابن هذه الولاية، من العلاج في الخارج وعلى وجه الاستعجال، نظرا لحالته الصحية، ولاعتبارات إنسانية محضة؛ لن تكون غائبة بالتأكيد، عن الاستحضار من طرفكم، سيدي الرئيس.
ويكفي أن نذكركم، فخامة الرئيس، أن الذين قدموا بأمر من يزيد بن معاوية، إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، لمنعه من الوصول إلى الكوفة، وقد طوّقوه، وأحاطوا به من كل مكان؛ لما توضأ وشرع في الصلاة، وضعوا سيوفهم جميعا، وربطوا خيولهم، وسوّوا صفوفهم، وصلّوا خلفه؛ لأن الإمام في تلك اللحظة، هو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوقت وقت عبادة لله عز وجل، والجميع من "أهل القبلة"؛ في مشهد منفرد، خلده التاريخ، يعطي لتعظيم المقدسات، حينما تكون مشتركة، أرقى صور التجلي في التلقائية، ويجسد وعي اللحظة، والوقت، والمكان، والحالة الراهنة، وما تستحق من اعتبار خاص.
لكن، بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، ندم يزيد بن معاوية، كما تقول بعض الروايات، لأنه لم يكن يرغب في قتل الحسين رضي الله عنه، على الأصح؛ غير أن الوقت كان قد فات.. ولم يعد ينفع الندم.
وكلنا أمل، يا فخامة الرئيس، بل نحن واثقون، وعلى قناعة تامة، أنكم لن تكونوا "يزيدا"؛ لما عرفتم به من رزانة مشهودة، وحكمة كبيرة، وبصيرة ثاقبة؛ وبما شهد لكم به الجميع، من التأني والتريّث، والتؤدة والأناة، وحرص على الوفاق؛ وقدرة فائقة على الاستماع إلى الآخر، خصوصا عندما يكون مغايرا لكم في الرأي، وإقناعه بهدوء؛ وكلها خصال قيادية حميدة، تبعث فينا الأمل الكبير، لإنصاتكم، سيدي الرئيس، وأخذكم لهذا الانتظار في عين الاعتبار؛ ونقولها لكم بلسان الحال، الذي هو لسان حال جميع سكان الولاية: إن الانتظار الأوحد، والتاريخي، من زيارتكم هذه، سيدي الرئيس، هو تمكين المواطن الموريتاني، ابن الولاية، الرئيس السابق، محمد ولد عبد العزيز، من العلاج في الخارج، على وجه الاستعجال.
كما نقول لكم بلسان المقال والحال معا، وباسم جميع سكان إينشيري، والمنحدرين من هذه الولاية، معارضة وموالاة؛ صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا: مرحبا بكم، يا فخامة الرئيس في ولاية إينشيري المعطاء، المعروفة بكرم الضيافة؛ فستحلون أهلا كراما، قد سارت بنشر كرمهم، وسخائهم، وجودهم، الركبانُ؛ وستنزلون سهلا مريحا مباركا، خصبا لا جدبا؛ والآمال التنموية المعقودة على زيارتكم هذه، متعددة، متنوعة، ومشروعة؛ وقد بسطنا بعضها، لا كلها؛ أما الانتظار، في الوقت الراهن، فواحد بل أوحد؛ وسيشكل بالتأكيد، حال تحققه، موقفا تاريخيا، بكل المقاييس؛ سيحسب لكم، سيدي الرئيس؛ وسيخلد الذكر الحميد لكم في التاريخ السياسي لموريتانيا الحبيبة؛ وسيشكل بالتأكيد، أكبر أداة، وأنجع وسيلة، لتوطيد اللحمة الوطنية، وتماسك الجبهة الداخلية، ونشر السكينة، والتآخي، والمحبة الصادقة، والوئام التام في ربوع الوطن كله.
نواكشوط 21 سبتمبر 2026م؛ الموافق 10 ربيع الآخر 1448هـ.