تخطى الى المحتوى

رأى مخيم شنقيط ونقل رسائل وفاء واعتزاز .. الدكتور كمال يروي للأخبار تفاصيل رحلته إلى غزة

جدول المحتويات

الأخبار (نواكشوط) – يصفُ أخصائي جراحة العظام الدكتور كمال عبد اللطيف العائد مؤخرا من مهمة تطوعية بمستشفيات غزة، ما قام به من جهد شخصي بأنه لا يرقى في نظره إلى ما يصفه البعض بالبطولة، معتبرا أن أيّ طبيب في مجاله، لو أتيحت له الفرصة ذاتها، لما تردد في خوض التجربة.

يضيف الدكتور في حديثه بـ"لقاء الأخبار" أنه ربما حظي بفرصة لم تتوفر للجميع، غير أن مشاركته كانت مصدر اعتزاز له بموقف الموريتانيين من القضية الفلسطينية، ذلك الموقف الذي يصفه بالمشرّف رسميا وشعبيا، مردفا أنه لمس هذا التقدير خلال وجوده في القطاع.

في حديثه للأخبار، يعود ولد عبد اللطيف إلى بدايات التجربة، موضحا أن دافعها الأول كان شعورا بالحميّة، إذ كان يسمع عن أطباء من مختلف الجنسيات يصلون إلى غزة، بينهم أطباء من دول مجاورة، ما دفعه إلى التساؤل: لماذا لا يكون للطبيب الموريتاني حضور مماثل؟.

ويؤكد ولد عبد اللطيف أن هذا السؤال كان أحد الدوافع التي قادته إلى خوض تجربة المهمة، ضمن وفود طبية تطوعية دولية تنسق عادة مع منظمات مرتبطة بمنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة.

وأشار إلى أنه لم يكن مرتبطا بأيّ تنسيق مع سلطة أو جهة وطنية، وإنما تقدم بصفة متطوع عبر فرص متعددة اطلع عليها خلال فترات سابقة، بما فيها فترة الحرب، قبل أن يواجه صعوبات من بينها إعطاء الأولوية للأطباء الأجانب على حساب نظرائهم العرب.

ويضيف أنه بعد محاولات متكررة، تواصلت معه إحدى المنظمات عقب مراجعة سيرته الذاتية واستكمال البيانات المطلوبة، لافتا إلى أن "الإجراءات الأمنية والتحقيقات الاستقصائية" كانت جزءا من مسار قبول ملفه في فبراير الماضي.

يُردف أخصائي جراحة العظام أنه وصل إلى الأردن في ظرف إقليمي معقد تزامن مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية التي استمرت 12 يوما، ما أدى إلى إغلاق مسارات العبور عبر إسرائيل، وبالتالي عاد الوفد قبل استكمال مهمته.

فرصة أخرى

يقول ولد عبد اللطيف إن المنظمة عادت للتواصل معه لاحقا، وأبلغته بإمكانية المشاركة في مهمة جديدة، رغم تغيير الفريق الطبي بالكامل باستثنائه، موضحا أنه كان سيؤجل الرحلة لأسباب شخصية، غير أن إلحاح الجهة المنظمة، والحاجة إلى جراح عظام، دفعاه إلى إعادة ترتيب الاستعداد للمغادرة.

وأوضح أنه حينها أبلغ محيطه الاجتماعي بقراره، رغم ما واجهه من تردد في البداية، لافتا إلى أن والدته تقبلت الأمر في النهاية بعد قناعة بأهمية المهمة، وبعد وصوله إلى الأردن، دخل الفريق في مرحلة انتظار الحصول على إذن الدخول، وهو إذن لا يُمنح عادة إلا قبل العبور بيوم واحد.

انتظارا للأذن خضع الوفد لتدريب وإعداد يتعلق بالإجراءات الأمنية والسيناريوهات المحتملة للاستجواب، قبل أن يُمنح الإذن أخيرا، مع فريقه الذي يضم ثلاثة أشخاص إلى جانبه هم بريطانيان وطبيبة من أصول يونانية تعمل في بريطانيا.

ويضيف أن مسار العبور بدأ عبر جسر الملك حسين ثم معبر اللنبي، قبل التوجه جنوبا نحو معبر كرم أبو سالم، حيث خضع الوفد لإجراءات تفتيش وتحقيق إضافية قبل السماح له بالدخول إلى قطاع غزة.

غزة… "مدينة الأشباح"

يصف الدكتور كمال عبد اللطيف لحظة دخول قطاع غزة بأنها كانت صادمة؛ إذ شعر منذ الأمتار الأولى بعد المعبر بأنه يدخل سجنا كبيرا، محاصرا ومعزولا، وسط إجراءات أمنية مشددة وتنقل الطواقم الطبية في مركبات مصفحة، وتلبس لباس يقي من الرصاص.

يؤكد أن أول ما استوقفه كان حجم الدمار الهائل، قائلا إنهم وجدوا أنفسهم أمام "مدينة أشباح" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث امتدت مشاهد الركام والأنقاض على مساحات واسعة، دون مبانٍ قائمة في كثير من المناطق، ما جعلهم في قاع صفصف، وفق تعبيره.

ويضيف أن هذا المشهد استمرّ حتى مداخل خانيونس، حيث بدأت تظهر مخيمات النازحين الشاسعة على مدّ البصر، قبل أن تتجمع الوفود الطبية في نقطة استقبال موحدة.

وبعد استكمال الإجراءات، نُقل الفريق إلى مقر إقامته في خانيونس، قبل أن يتوجه لاحقا إلى شمال القطاع، حيث أمضى معظم فترة مهمته في مستشفى الشفاء، وسط تحديات كبيرة فرضتها الحالة الأمنية وتضرر الطرق بفعل العمليات العسكرية.

مدة التطوع والتأقلم

وعن الفترة التي أمضاها بالقطاع، يوضح الدكتور أن مدة إقامة الأطباء المتطوعين في غزة غالبا ما لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، لافتا إلى أن بعض أعضاء فريقه مُنحوا إذنا لمدة أسبوعين، بينما مُنح هو والطبيبة ذات الأصول اليونانية مدة أسبوعين وخمسة أيام، وهي الحد الأقصى عمليا في إطار تلك المهمة.

يذكر أنه تأقلم سريعا مع بيئة العمل، بحكم أنه الوحيد في الفريق الذي يتحدث العربية، ما سهّل اندماجه مع الطواقم المحلية ومشاركته المباشرة في الأنشطة الطبية اليومية، من الاجتماعات إلى متابعة الحالات وإجراء العمليات.

ويضيف ولد عبد اللطيف أنه شارك في العمليات الجراحية خلال الفترتين الصباحية والمسائية، غير أنه كان يميل إلى العمليات الليلية لما تتيحه من فرصة لتخفيف الضغط عن الطواقم المحلية المقيمة.

كما يشير إلى أن المناوبات سمحت له بالمساهمة في علاج المرضى، وفي الوقت نفسه بدعم الطواقم المحلية التي تعيش ضغطًا متواصلا منذ فترة طويلة، وبتأطير المتدربين الفلسطينيين المداومين معه.

الاستهداف اليومي

يقول الدكتور إن غزة لم تعد تعيش حربا بالمعنى التقليدي من القصف الواسع، لكنها ما تزال تعيش على وقع الاستهداف اليومي؛ إذ تُستهدف مواقع محددة، بينما تمتد آثار القصف إلى محيطها.

يردف أن الأجانب غالبا ما يكونون الأكثر تأثرا بالأصوات المستمرة، في حين اعتاد الغزيون عليها، حتى باتوا يميزون بين أنواعها؛ بين مسيّرات الاستطلاع والاستهداف، وأصوات الانفجارات والقصف المتكرر.

ويشير إلى أن السكان كانوا يخففون من قلق الوافدين الجدد، مؤكدين لهم أن الاعتياد على هذه الأصوات جزء من حياتهم اليومية، ويقولون لهم إن من سمع الصوت عليه أن يطمئن لأن المستهدف سيفقد روحه قبل سماع الصوت.

ويؤكد أنه، رغم هذا التكيف، كان يستقبل يوميا حالات إنسانية فظيعة، من بينها مسنة أصيبت بشظية أدت إلى فقدان فخذيها، وطفلة بُترت ساقها، إلى جانب عشرات المصابين بالكسور والجروح المختلفة.

مخيم شنقيطي بغزة

يوضح كمال أن الوفود الطبية في غزة تعمل ضمن قيود أمنية صارمة تحدّ من حركتها خارج المستشفيات، ما يجعل اعتمادها الأكبر على ما تنقله الطواقم المحلية والسكان من معلومات عن الواقع الميداني.

ويضيف أنه خلال إحدى التنقلات لمح من بعيد "مخيم شنقيط" شمالا قبالة غزة، دون أن يتمكن من زيارته بسبب القيود المفروضة على حركة الوفود الأجنبية.

وفي حديثه، ينبه إلى أن سكان غزة تحدثوا إليه عن اعتماد جزء كبير من الأهالي على ما يُعرف بـ"المبادرين"، وهم أفراد أو جهات تتلقى تبرعات من الخارج وتتولى إقامة مخيمات ونقاط لتوزيع المساعدات الغذائية.

ويؤكد أنه لمس حضورا واضحا للدعم الموريتاني، رسميا وشعبيا، في روايات الناس وتقديرهم له، معبرا بثقة عن استعداده للعودة إلى غزة متى أتيحت له الفرصة ككل الموريتانيين.

ومن موقع من عايش آثار الحرب عن قرب، يدعو ولد عبد اللطيف في ختام حديثه إلى التمسك بالوحدة الوطنية، وتجاوز الخلافات والشروخ بين مكونات المجتمع، مؤكدا أن الأزمات الكبرى لا تستثني أحدا، وأن مصير الوطن يطال جميع المواطنين على حد سواء.

الأحدث