جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) ـ ناقش ضيوف صالون الولي ولد محمودًا الأسبوعي في العاصمة نواكشوط ظهر اليوم السبت: 01 أغسطس 2015م سؤال النهضة: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم"، الذي طرحه الأمير اشكيب أرسلان في ثلاثينات القرن الماضي، وأخذ مساحة واسعة في الفكر العربي والإسلامي على مدى عقود.
واستضاف الصالون للموضوع المحاضرد.بدي ولد أبنو، رئيس مركز الدراسات والأبحاث العليا في ابروكسل.
النقاش بدأ بتساؤلات قدمها رئيس الجلسة د.سيد أحمد ولد الأمير، تمحورت حول أسباب بقاء السؤال نفسه مطروحا من قبل النخب الأيديولوجية في العالم العربي والإسلامي بمختلف تصنيفاتها دون أن يجد جوابه، أو يتم تجاوزه إلى إشكاليات أخرى.
المحاضر د.بدي ولد أبنو قال إن سؤال النهضة بدأ سؤالا عثمانيا من منطلق تأخر الامبارطورية العثمانية عن نظيراتها في ذلك التاريخ، مستعرضا محطات تاريخية يرى أنها كانت حاسمة في تشكل منطقة الشرق كمنطقة ينظر إليها عالميا باعتبارها تواجه أزمة معينة.
ويضيف ولد أبنو أنالنخب العثمانية بدأت تهتم في القرن السابع عشر وقبل شكيب أرسلان بمساءلة ابن خلدون وتلاميذته والعودة إلى مؤلفاتهم، والانتباه إلى أنه قد استشعر تراجع العالم العربي الإسلامي مبكرا حتى قبل ظهور الثورة الصناعية في أوروبا.
وقال إن العثمانيين حينما أحسوا بحالة التأخر العلمي والتكنولوجي حاولوا السعي إلى ربط علاقات استتراتيجية مع الامبراطوريات الأوروبية المتصارعة حينها، لكن الأخيرة كانت تلعب الدور نفسه ضد الامبراطورية العثمانية.
واعتبر ولد أبنو أن صدور الجرائد والمجلات في الشام ومصر كانت مفتاحا لظهور هذه المناطق العربية على الصعيد الدولي ثم تزايد الاهتمام بها، بعد تجاهل طويل للكتلة البشرية في العالم العربي خلال القرون المتأخرة. وعلى غرار الامبراطوريات الأوروبية بدأت تتشكل ظاهرة المركز والأطراف، وسرعان ما ظهرت الامبراطورية العثمانية وكأنها أصبحت للأتراك دون غيرهم.
وختم ولد أبنو محاضرته بالقول إنه وأمام الواقع الراهن الآن، أصبح يحق لنا أن نتساءل من جديد أو نجدد التساؤل القديم بصيغة أخرى هي: لماذا تأخر العالم العربي وتقدمت غيره من المكونات داخل العالم الإسلامي؟!
وقد تتابعت مداخلات الحضور على مدى ساعات متواصلة لنقاش سؤال النهضة، كان من أبرزها المداخلات التالية:
الباحث الفرنسي رولان لوفيل ـ وهو عضو وفدبحثي يرافق د.بدي ولد أبنو في زيارة لموريتانيا، قال إنه كأوروبي يتساءل لماذا جزء كبير من العالم يعيش حالة مختلفة، محملا العرب المسؤولية عن عدم تحصيل النهضة.
ويضيف لوفيل، إن العلم ينتقل من منطقة لأخرى؛ ولأنه ينتقل فلماذا العرب والمسلمون الآن لا يهتمون به وبتحصيله لتحقيق نضهات محلية.
وبرغم أنه في الغرب هناك الكثيرون من الطلاب العرب يأخذون العلم ويبنون نظريات إلا أنه يرى أن العالم العربي والإسلامي لا يزال وكأنه لا يهتم بالعلم بالقدر الكافي على مستوى الداخل والبناء الذاتي للدول.
د.محمد ولد سيد أحمد فال (بياتي) قال إن إجابات عديدة قدمت أمام سؤال النهضة، وتجسدت في نقد العقل العربي ونقد العقل الإسلامي، وهي رؤى مختلفة من حيث المنطلقات وخلفيات أصحابها.
وأشار بياتي إلى أن هذا السؤال يرتبط بفشل الدولة وعدم تجذرها في الثقافة العربية، داعيا إلى البحث بعمق في هذه الحقيقة لاستجلاء إجابات عنها ربما تساهم في الإجابة على سؤال النهضة.
محمد المهدي لبشير رأى أن السؤال كان خاطئا، وهو متناقض وغير منطقي ـ حسب رأيه، كما أنه يخفي شيئا: فهل تخلف المسلمين يعود للمشترك بينهم وهو الإسلام، مشيرا إلى أن السؤال: لماذا تأخرت أفريقيا وتقدمت آمريكا سؤال مطروح أيضا.
وعزا ولد البشير تأخر العرب والمسلمين إلى ما تكشفه الأرقام التي تعكش ضعف التحصيل العلمي والقراءة في العالم العربي حيث تصل نسبة القراءة 7 دقائق سنويا للمواطن العربي.
واعتبر أن الإنسان الفرد العربي ليس هو المشكلة؛ مستدلا بنماذج استطاعت حين خرجت من محطيها العربي والإسلامي إلى الغرب أن تصبح ظاهرة يتجمع الناس حول ما تحمله من علم وفكر.
وانتقد ولد البشير ما وصفه باستيراد الأسئلة والإشكالات والمصطلحات، مشيرا إلى أن ذلك يوحي بغياب اللاجتهاد، مقدما مصطلح النهضة نفسه باعتبارها مصطلحا مترجما.
وختم بالسؤال: هل بالطريقة ذاتها التي تقدمت أوروبا تقدمت هي ما به اليابان؟ أم أن طريق التقدم ليس واحدا؟!
بدوره د.بلال لد حمزة دعا إلى إعادة الأمور إلى نصابها، موضحا أن السؤال طرح منذ عهود طويلة وبات من اللازم طرحه بصيغ جديدة تلائم التطور الحاصل.
فالسؤال "لماذا" يبحث عن الأسباب والدواعي والخلفيات، مشيرا إلى أنه يجب أن نطرح السؤال بالشكل التالي: كيف.
وختم ولد حمزة بالتساؤل: هل يسمح الآن وفي عصر العولمة بالسؤال عن الآخر؟ ومن هذا الآخر؟ ومن نحن في نظره؟!
أ.محمد محمود ولد جعفر قال إن السؤال وارد، لكن يجب طرحه على أنفسنا لتأتي الأجوبة منا، مشيرا إلى أن هناك نظرة تقليدية خاطئة حول نظرتنا لأنفسنا ونظرتنا لرؤية الآخر حولنا.
ولفت ولد جعفر إلى أن النظرة الغربية للعالم العربي والإسلامي تظل حبيسة للمعطيات المتعلقة بالمصالح، مؤكدا أن إشكالية من هذا القبيل يجب أن لا تترك للآخر ليجيب عليها.
وقال ولد جعفر إن الربيع العربي قدم لنا في بداياته على أنه الحل السحري والإجابة على السؤال المطروح، وسرعان ما تبين أنه خلاف ذلك.
الأستاذ محمد ولد احميادة قال إن سؤال النهضة أو إشكالية النهضة ظلت مطروحة طرحا غير معرفي ولا ابستمولوجي؛ فلم تطرح أسباب حقيقية للنهضة الغربية.
ويضيف ولد احميادة أن النهضة الغربية هي نهضة على مستوى الفكر والعقل والفلسلفة، محذرا من أن الغرب اليوم كثقافة بات يختزل غيره من المجتمعات في ثقافته الخاصة.
الخليل النحوي في مداخلته قال إن العرب والمسلمين بحثوا كثيرا في النظريات التي طرحها جان جاك روسو وكونفوشيوس، لكنهم لم يبحثوا بالقدر الكافي عن هذه الحلول في القرآن الكريم، مؤكدا أنه بالبحث والتنقيب في النص القرآني سوف يتم استكشاف هذه الحلول.
وأضاف النحوي أن العالم العربي والإسلامي أصبح رغما عنه يعيش حالة تأرجح بين الشرق والغرب، متسائلا: هل هذه الوضعية صحيحة؟! أليس العالم الإسلامي والعربي قادرا على الاستقلال بذاته على مختلف الأصعدة؟!
أ.جا، وهو صحفي وباحث سنغالي، وهو عضو وفد بحثي يرافق د.بدي ولد أبنو في زيارة لموريتانيا، قال إن العالم العربي فيه دول غنية جدا، لكن الأزمة تكمن في الإنتاج المعرفي والصناعي الضعيف جدا بالمقارنة مع الإمكانات الهائلة لدول الخليج.
ويضيف جا إن الاستعانة بالخبرات الأجنبية لتشييد مشاريع تحقق شيوعا عالميا في الوطن العربي، إنما تعكس حالة العجز العلمي المؤدي بالضرورة للضعف، مشيرا إلى أن الكوادر التي لا تنتمي لأمة معينة لا يمكنها بناء نهضة لهذه الأمة.
صفية بنت عبد الحي قالت إن لديها اعتراضا على نقاش القضايا بطابع فكري محلق ونخبوي جدا، محذرة من أن مثل تلك النقاشات لا تفيد المواطن البسيط الغارق أكثر من غيره في تداعيات "تأخر المسلمين وتقدم غيرهم".
وتضيف أنه كان الأفضل لهذا الموضوع أن يتم إسقاطه على موريتانيا تحديدا وماذا يحتاجه الواقع الموريتاني وأين هو من النهضة؟!
محمد بابا ولد أحمد مسكة قال إن تساؤل النهضة يستحق دراسته وطرحه بعمق، داعيا إلى دراسة ما وصفه "سلوك الحكام" باستفاضة، وذلك من زاوية حب الرئاسة والسلطة وما نجم عنه من حروب كثيرة على مدى تاريخنا العربي والإسلامي.
واستدرك ولد أحمد مسكه بالقول إن هناك نماذج صالحة من الحكام، لكن الأغلبية منهم ظلت تقدم ذواتها على المجتمع والدولة، محملا ملوك الطوائف المسؤولية الأكبر عن انهيار الأمة، حيث نزعوا نحو التفرق وعجزوا عن الوحدة مما سبب الخراب والضياع.
د.محمد ولد اميين قال إن العالم الإسلامي تصدر واجهة الحضارة بالعدل، وعزا التأخر الذي أصاب الأمة إلى الفساد على مستوى السلطة والحاكم، منتقدا تجذر ذات الحاكم وهيمنتها على حساب المصالح العامة.
وعن أسباب النهضة يلخص ولد اميين سبيل العودة إلى الصدارة والريادة في الاهتمام بالإنسان باعتباره محور أي إصلاح.
ناجي محمد الإمام قال إن ما يعيشه العرب والأفارقة يعود إلى تداعيات مؤامرة مدبرة تهدف إلى إبقاء هذه المجتمعات في واقع متدن اقتصاديا وعلميا واجتماعيا.
ويضيف ناجي إن المؤامرة على العرب والأفارقة قد بدأت منذ سقوط غرناطة وإلى ما وصفه بربيع الموت والدمار والقتل على الهوية.
الشيخ بونا عمر لي، قال إنه هناك مثلا بولاريا يقول: لا تنظر إلى مكان سقطتك ولكن انظر إلى مكان عثرتك؛ داعيا إلى البحث عن مكمن الداء الحقيقي.
وأشار عمر لي إلى أن الأمة الإسلامية نهضت على مستويات عديدة ومترابطة وأي خلل يأتي من أحد هذه المستويات يؤدي حتما إلى الانهيار.
أ.أحمد حبيبي قالت إن مشكلة النهضة هي قضية فكرية وعقلية بالأساس حيث إن تغييب العقل والاجتهاد هو سبب التراجع العلمي والمعرفي والحضاري، مشيرا إلى جذور الأزمة بدأت مع مضايقة الفكر الاعتزالي.
وانتقد حبيبي ما وصفه اجترار نص مختصر خليل في الفقه المالكي دون تحصيل بديل علمي عنه رغم تعاقب الأزمان، داعيا إلى إحلال الاجتهاد والعقل مكانته.
وحضر الجلسة العديد من الشخصيات الفكرية والعلمية والإعلامية مع حضور نسائي معتبر. واختتمت في حدود الساعة الخامسة مساء، وتخللها حفل غداء أقامه الولي ولد محمودأ على شرف الحاضرين.