جدول المحتويات
الأخبار (انواكشوط) – تناولت صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية في عددها اليوم الأربعاء 28 – 01 – 2015 موضوع الحوار السياسي في موريتانيا، مستعرضة فرص نجاحه، ودواعي فشله، كما أوردت بعض الخطوات التي اتخذت في إطار التحضير له، وتبادل الرسائل واللقاءات بين أطرافه الرئيسية في البلاد.
ونقلت الصحيفة الأسبوعية عن مصدر رسمي موريتاني تأكيده وجود توجه رسمي لدى النظام الموريتاني بقيادة الرئيس محمد ولد عبد العزيز لإطلاق حوار سياسي وصفته بـ"الجدي" مع مكونات المشهد السياسي الموريتاني، مشددا على استعداده لمنح الوقت اللازم لهذا الحوار السياسي حتى ولو أخذ مجرياته عدة أشهر، من أجل وضع النقاط على الحروف في كل محاوره الخلافية بين الأطراف السياسية.
وقالت المصدر رفيع المستوى لصحيفة "الأخبار إنفو" إن النظام الموريتاني يرى أن ينطلق الحوار السياسي من طاولة ممسوحة، وأن يتم وضع كل النقاط التي تقترحها أطراف المشهد السياسي، ويتم نقاشها واحدة واحدة، لتصنف بعد ذلك إلى نقاط تم الاتفاق عليها، وأخرى بقيت عالقة، مردفا أنها ستكون قليلة ومحدودة، وبعد نهاية هذه المرحلة يبدأ النقاش من جديد حول النقاط الخلافية، مع التشاور حول آلية موضوعية لحسم الخلاف حولها.
وتحدث المصدر المقرب من دوائر الحكم في البلاد أن وجهات نظر الأطراف السياسية في موريتانيا شبه متطابقة حول العديد من النقاط كآليات تنظيم الانتخابات، وحياد الإدارة، مستدركا بأن ذلك لا يعني الوصول إلى مرحلة الحكومة التوافقية، أو حكومة الوحدة الوطنية، مردفا أن تطابق وجهات النظر في العديد من النقاط سيمكن المتحاورين من تجاوز بعد الحواجز النفسية المتراكمة خلال السنوات الماضية من استشراء الخلاف بين أطراف المشهد السياسي الموريتاني.
ويمتلك الحوار السياسي في موريتانيا – والذي كثر الحديث عنه خلال الأيام الأخيرة عدة فرص للنجاح، فيما تقف في وجهه عقبات كؤودة، قد تؤدي إحداها – أو كلها – إلى إعلان فشله، كما حصل في تجارب سابقة، خصوصا تجربة حوار 2013، وتسعى الأخبار في هذا الملف لرصد أبرز فرص نجاح الحوار السياسي، مع التوقف عند العقبات التي توقف في وجهه.
ويشير المصدر إلى اتجاه رسمي لتشكيل لجنة موسعة تمثل السلطة التنفيذية إضافة للأغلبية الرئاسية، وستمنح هذه اللجنة الموسعة صلاحيات واسعة في تعاطيها مع المتحاورين الممثلين للأطراف المعارضة في البلاد، بغية التوصل إلى توافق سياسي ينهي الخلاف الممتد من عدة سنوات.
فرص النجاح
ورأت الصحيفة أن فرص نجاح الحوار السياسي الجديد هي: (1) رغبة كل الأطراف فيه: حيث أعلنت عن ذلك مختلف مكونات المشهد السياسي، بل وطالبت به، مستعرضة نماذج من ذلك خلال الفترة الأخيرة، و(2) عدم التسرع في دخوله بشكل مباشر، قبل المرور ببمهداته، وإنهاء تحضيراته، ومنحه الوقت الكافي لإنضاج نقاطه قبل الدخول في الحوار المباشر، وهو ما جسدته الأطراف السياسية في الرسائل المتبادلة بينها هذه الأيام.
أما الفرصة الثالثة – بحسب الصحيفة – (3) فهي التوجه للحوار دون وجود ضاغط ظرفي، خلافا للتجارب الأخيرة التي جرت تحت حد سيف الانتخابات التشريعية البلدية، ورأت الصحيفة أن الانتخابات الجزئية لمجلس الشيوخ لا تشكل ضغطا لقلة عدد ناخبيها، ومحدودية تأثير غرفتها، واقتصارها على جزء من المقاطعات.
وأشارت الصحيفة إلى أن التجارب السابقة كان أكثر نقاشها يتجه إلى تاريخ الانتخابات، وما إذا كانت ستؤجل أم لا، وهو ما أدى لإغفال مواضيع الحوار الأخرى.
أما الفرصة الرابعة (4) لنجاح الحوار السياسي فهي شمولية مواضيعه، وإعلان أطرافه استعدادها لنقاش كل المواضيع التي يرى أحد الأطراف السياسية أنها تستحق النقاش، بل وتقارب وجهات النظر في العديد منها مع بقاء حاجز ثقة يعيق تطابق وجهات النظر، أما الفرصة الخامسة والأخيرة (5) فهي وقع استمرار الأزمة السياسية على جميع الأطراف، واتفاق كل الأطراف على الحوار كأداة للخروج منه، والرغبة المعلنة من الجميع في ضرورة العودة لوضع طبيعي، وإخراج البلاد من انقسامها السياسي الذي طال عدة أعوام.
دواعي الفشل
أما دواعي فشل الحوار السياسي، وعقباته التي يمكن أن تمنعه من ركوب السكة أصلا، أو تجرفه عنها بعد صعوده إليها، فهي – حسب الصحيفة – (1) هشاشة الثقة بين الأطراف السياسية، حيث تعرض هذه الثقة لضربات موجعة الأعوام الماضية، وأثرت هذه الضربات على نظرة كل طرف من أطراف المشهد السياسي للطرف الآخر، وكانت أولى الضربات في اتفاق داكار، حيث رأى النظام حينها أن المعارضة تملصت من الاتفاق حين لم تعترف بنتائج الانتخابات، فيما ترى أحزاب المعارضة حينها أن النظام اكتفى بتطبيق ما يخدمه من الاتفاق دون بقية بنوده، وخصوصا ما يتعلق منها بمرحلة ما بعد الانتخابات، وتعزز تبادل التهم بالتملص من الاتفاقات مع اتفاق 2011، والذي تقدم أحد قادة أبرز أحزابه بمبادرة سياسية قبيل جفاف حبره الذي كتب به.
كما تعرض أحزاب سياسية لمواقف أثرت على ثقة النظام فيها، وثقتها فيه، بدءا بحزبي "التكتل"، و"حاتم" في فترة ما بعد انقلاب 2008، مرورا بحزب "تواصل" في فترة معارضته التي وصفها "بالناصحة"، وأخيرا موقف شركاء حوار 2011.
أما العقبة الثانية في وجه الحوار السياسي فهي (2) سقف توقعات كل طرف من الحوار السياسي، وخصوصا النظام ومنتدى المعارضة – حيث لكل منهما تحليله لواقع الطرف الآخر، وترتيب سقف مطالب يريد الحصول عليه من أي حوار سياسي يمكن أي يتم إجراؤه. حيث يرى النظام أن المعارضة في حالة ضعف شديد وتشظ – إن لم تكن في حالة موت سريري – وهي بالنسبة له فرصة لمقايضتها إعادة الحياة إليها باستخلاص مأمورية ثالثة لولد عبد العزيز، تُمنح المعارضة مقابلها ما شاءت من مطالب في حدود آليات الانتخابات، وإدارات المؤسسات المرتبطة بها، أو رفع الحظر الاقتصادي عن بعض المنتمين إليها، دون أن يصل الأمر درجة دخول الحكومة.
كما أن هذا الحوار سيضمن لولد عبد العزيز إكمال مأموريته الحالية في جو هادئ، ويظهر نظامه بصورة مختلفة أمام مختلف الأطراف الدولية والإقليمية.
أما المعارضة فترى أن النظام يواجه تراجعا لشعبيته في الداخل، بعود بعضه للصراع المبكر بين الأطراف الداعمة على إرثه، وكسب نقاط قوة قبل اقتراب نهاية المأمورية الثانية، كما ترى أنه يواجه عزلة دولية، وأنها فرصتها لانتزاع الحكم منه بتقليم أظافره من أماكن التأثير، ووضع حد لما تصفه بالحكم العسكري عن طريق التوافقات (إبعاد العسكر عن ممارسة السياسية) بعد أن لم توفق فيه عن طريق الانتخابات.
وبين التحليلين، وبحث كل طرف عن تحقيق فرصه، قد يضيع الحوار، وتتكرر تجربة فشله كما وقع في تجارب سابقة.
أما العقبة الثالثة فهي (3) عقبة التعديل الدستور، حيث يحتاج التوافق السياسي الشامل إلى تغييرات دستورية – قدم أحد أقطاب المشهد مقترحا بشأنها – لعدد من المواد بعضها محصن في الدستور ذاته، كما أن القسم الرئاسي ألزم الرئيس بالتزامات عديدة من بنيها ألا يتخذ أو يدعم "بصورة مباشرة أو غير مباشرة أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها الواردة في المادتين 26 و28 من هذا الدستور"، ومن المقتضيات الدستورية المحصنة، المأموريات الرئاسية والسن القصوى للترشح للرئاسيات.
أما العقبة الرابعة فهي (4) معارضة الحوار داخل الأطراف السياسية، أو ما يمكن أن يوصف "بوحدات التأزيم" داخل كل معسكر سياسي، وهي وحدات وقوى تتهم بالسعي لتأزيم الأوضاع – وإن بحسن نية – وتوجه هنا تهم لأعضاء فاعلين في قيادة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في موريتانيا، وتبرر هذه الأطراف موقفها بعدم جدوائية الحوار مع المعارضة الحالية أصلا، معتبرة أن الأمر يعود إلى مشاكل بنيوية داخل هذه المعارضة، وفي عقول قادتها أفقدتهم شجاعة القبول بالحوار، أو الاعتراف الصريح برفضه. ينضاف لهذه الأطراف السياسية ما يصفه متابعون بأجهزة التأزيم في الدولة العميقة، والتي ترى في أي تقارب مع المعارضة يشكل خطرا عليها، كما أنها تصور أي تنازل يقدم من النظام في إطار حوار سياسي على أنه انتقاص من هيبة الدولة، وضربة في مصداقيتها وقوتها أمام معارضيها.
أما على الجبهة المعارضة فقد أصدرت بعض أطرافها حكمها النهائي على الحوار حتى قبل انطلاقته، واستخدمت تجارب الحوار السابقة لإعادة التذكير بها، وطلب القياس عليها، حيث استغلها النظام لصالحه، ولم تحقق المعارضة من ورائها أي مكسب يذكر.
أما العقبة الأخيرة في طريق الحوار السياسي فهي (5) تشتت الموقف المعارض، وتباين مواقف معسكريها الكبيرين، وحتى تباين المواقف داخل المعسكر الواحد، وذلك في قضايا جوهرية كقضية التعديل الدستوري مثلا، فضلا عن اختلاف الأهداف التي يعمل لأجلها كل طرف داخل هذه المعارضات المتعددة.
فبعض أطراف المعارضة كانت وراء اقتراح التعديل الدستوري، فيما كان موقف الطرف الآخر من هذا المقترح حديا، خصوصا وأنه يعتبر أن هناك مكاسب تحقق للشعب الموريتاني يلزم الحفاظ عليها، ومن بينها النص على مأمورتين للرئيس في الدستور، وهو أتاح الموقف من تعديل الدستور للنظام أن يقف موقفا وسطا بين طرفي المعارضة الرئيسيين.
وفضلا عن التباين بين مواقف قطبي المعارضة، وتتباين الرؤى والمواقف من الحوار داخل الكتلة السياسية الواحدة، حيث يتصدر حزب تكتل القوى الديمقراطية – وهو من الأحزاب الفاعلة داخل منتدى الديمقراطية ولديه رئاسته الدورية – المواقف الرافضة للحوار في شكلها الحالي، ويعتبر عدد من قادة الحزب أن الحوار في هذه الظرفية ووفقا للشروط المعلنة حتى الآن لم يشكل أكثر من غطاء لمنح ولد عبد العزيز مأمورية ثالثة.
وبين الفرص والعقيات ستسير عربة الحوار السياسي في موريتانيا، بقيادة ربابنة كثر، وبالتأكيد أن وصولها لن يكون مضمونا في حال كان لكل طرف وجهة خاصة به، يريد جر الآخرين إليها رغما عنهم، أو الوصول إليها وحدها في حال رفض الآخرون مسايرته.