تخطى الى المحتوى

بين الترحيب والتشكيك والتأجيل.. عام من التحضير والترقب للحوار الوطني

جدول المحتويات

الأخبار (نواكشوط) – اكتمل مطلع الأسبوع الجاري حولٌ كامل على تعيين الرئيس محمد ولد الغزواني لموسى افال منسقًا للحوار المرتقب، حيث كلفه بهذه المهمة مساء الأحد 9 من مارس 2025، على أن ينطلق بعد أسابيع، حوار "جامع وصريح ومسؤول، لا يقصي أحدًا ولا يستثني موضوعا جوهريا".

وبعد عام كامل، ما زالت الأطراف السياسية ومنسق الحوار يتبادلان الردود والوثائق، ويحضر التأجيل على أجنداتهم، حيث كان آخره تأجيل كل من منسقية أحزاب الأغلبية، والأحزاب المنضوية في مؤسسة المعارضة تسليم رديهما على وثيقة الحوار لمنسقه، دون كشف أسباب هذا التأجيل.

وطيلة العام، تراوحت ردود أفعال مكونات المشهد السياسي بين الترحيب، والتشكيك، وإعلان نية المشاركة، مع المطالبة بممهدات أو إجراءات تحضيرية، فضلا عن إعلان المقاطعة، والشكيك في جديته وجدوائيته.

مشاورات ووثائق
بعيد تكليف موسى فال بتنسيق الحوار، بدأ سلسلة من المشاورات والوثائق تزامنت مع مواقف سياسية متباينة، رسمت مسارًا للحوار بين آمال يقول أصحابها إنهم يريدون منها معالجة القضايا الوطنية الكبرى، والمشاكل العالقة، وتحفظات ومقاطعات من بعض القوى السياسية مصدرها عدم ثقتهم بقدرة الحوار على معالجة هذه الملفات.

فبينما رحبت أحزاب سياسية عديدة بالحوار وعدَّته فرصة لمعالجة قضايا البلاد وتعزيز الاستقرار، شددت أخرى على ضرورة الحياد وبناء الثقة بين السلطة والمعارضة، فيما طرحت جهات مختلفة مقترحات وضمانات تتعلق بمشاركة المرأة وإشراك المجتمع المدني والجاليات في الخارج.

تغيرت ملامح المشهد السياسي خلال العام نسبيًا، إذ رُخِّصت أحزاب مختلفة بدأت الدعوة للحوار وهي قيد الترخيص، ويملك قادتها ثقلًا سياسيًا في البلد، ولهم حضور في الإعلام يستهلكونه ويستغلونه لصالحهم، فيما غير الحزب الحاكم رئيسه للمرة التاسعة، وعبر مؤتمر استثنائي، ليختار الوزير الأول السابق محمد ولد بلال رئيسا له.

في السابع إبريل 2025 "اعتذر" موسى فال، في مؤتمر صحفي بأنه ينتظر أجوبة التشكيلات السياسية والشخصيات المعنية على الأسئلة الموجهة إليها بشأن القضايا الأساسية للحوار، ليتم التعامل معها وصياغة ملخص أولي يُعرض على الأطراف المعنية لإبداء ملاحظاتها، مطالبًا بالانخراط في الحوار بجدية من أجل ضمان إنجاحه.

وفي الـ25 من مايو ناقش الرئيس محمد ولد الغزواني، في اجتماع له مع الزعيم الرئيس لمؤسسة المعارضة الديمقراطية في موريتانيا حمادي ولد سيدي المختار، مواضيع من بينها الحوار السياسي، نافيًا أن تكون للحوار أجندات خاصة، أو أن يكون هدفه تمرير أمر ما أو تحقيق أهداف معينة.

فيما أحال موسى فال في الـ27 من يونيو إلى التشكيلات والشخصيات وثيقة - عبر الواتساب وفقًا لمصادر الأخبار - وصفها بأنها "ملخص أولي مؤقت لخارطة الطريق التي من المقرر أن تحدد مجمل مسار سير الحوار الوطني" وأنها تتضمن الردود التوافقية التي وصلته، مطالبا بإرسال ملاحظاتهم النهائية على الوثيقة في أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.

وحددت الوثيقة مواضيع الحوار التي من بينها العبودية وممارساتها ورواسبها، والإرث الإنساني والملفات الحقوقية العالقة، وترقية التنوع الثقافي، ومراجعة الإطار الديمقراطي والانتخابي، وتمكين الفئات الهشة وضمان تكافؤ الفرص، وتحسين الحوكمة عبر مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة وترشيد الإنفاق العام وتحديث الإدارة وتحسين مناخ الأعمال.

ومن مواضيع الحوار - وفقًا للوثيقة - إصلاح النظام التربوي، وإصلاح النظام القضائي، وإصلاح النظام العقاري، وترقية النظام الصحي، فيما حددت الوثيقة المشاركين في الحوار بالأحزاب السياسية المعترف بها، والأحزاب السياسية قيد الاعتراف، والمترشحين السابقين للانتخابات الرئاسية، وشبكات منظمات المجتمع المدني.

في المقابل، أعلنت بعض القوى تحفظها أو مقاطعتها للحوار، أبرزها حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية / حركة التجديد الذي أعلن مقاطعته، والائتلاف الداعم للمرشح الرئاسي السابق بيرام الداه اعبيد، والذي شكك في جوائيته انطلاقا من تجربة الحوارات السابقة، فيما اقترحت بعض الأحزاب تعديلات على آلية تنظيم الحوار وهيكله.

نهاية مرحلة
لاحقًا؛ أعلنت الرئاسة يوم الاثنين 13 أكتوبر نهاية المرحلة الأولى من التحضير للحوار السياسي، إذ تسلم الرئيس محمد ولد الغزواني التقرير الذي يضم رؤى ومواقف الأحزاب السياسية والقوى الوطنية بشأن الحوار المرتقب من منسقه موسى فال.

وجاء التقرير في 26 صفحة، وتوزع إلى ثمانية محاور هي: السياق والمبررات، والإطار والمراجع المرجعية للمهمة، وجمع التطلعات، وخارطة الطريق المقترحة، والمبادئ التوجيهية، والمخاطر والفرص، والخاتمة والدروس الرئيسية المستخلصة، والتوصيات.

تم ذلك وسط توقع المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ورقة صادرة عنه أن يتأثر الحوار المرتقب بـ"الانقسام داخل الطبقة السياسية"، متحدثًا عن ثلاثة سيناريوهات محتملة، هي تنظيم حوار شامل وناجح، أو تنظيم حوار جزئي بتأثير محدود، أو تعثر الحوار وفشله، مرجحا الخيار الثاني، وفق المعطيات المتوفرة.

استعدادات 2026 "المكثفة"
في الثامن يناير الماضي استقبل ولد الغزواني بالقصر الرئاسي قادة أحزاب الموالاة والمعارضة تحضيرًا للحوار، في لقاء لم تتجاوز مدته نحو ربع ساعة، حيث تسلم المشاركون مقترحًا بـ"هيكل تنظيمي مبدئي لآلية الحوار" نصت الوثيقة فيه على أن هذا الهيكل يمكن أن يأخذ شكل هيئة إشرافية.

وأضافت الوثيقة أن هذه الهيئة يمكن اعتمادها بتشكيلة من 14 إلى 18 عضوًا، على أن تمثل الأحزاب السياسية فيها بشكل متساوٍ بين الأغلبية والمعارضة (4 أغلبية مقابل 4 معارضة، أو 6 مقابل 6)، إلى جانب المجتمع المدني (3)، والشخصيات المستقلة (3) من ضمنهم المنسق.

وفي الـ26 من الشهر أبلغت القوى السياسية المشاركة في الحوار الوطني منسقه موسى فال بعدم جاهزية ردودها النهائية على الوثيقة المقترحة التي استلهمتها خلال اللقاء الأخير مع الرئيس محمد ولد الغزواني.

وفي نهاية الشهر المشحون بالأحداث المرتبطة بالحوار عاد جدل المأمورية الثالثة إلى الواجهة، وسط انقسام بين المطالبة والتحذير، إذ تباينت الدعوات بين التلميح والتصريح، فيما رأى البعض أن الخوض في نقاشها ينبغي أن ينتظر الحوار، وذلك في ظل معارضة "قطعية" للمخالفات الدستورية.

"المرحلة النهائية"
يوم الخميس الماضي أعلن منسق الحوار موسى فال دخول الحوار الوطني مرحلته النهائية بعد انتهاء المرحلة التمهيدية، التي شملت عدة خطوات تتعلق بأسئلة موجهة من المنسق وأجوبة عليها، إضافة إلى التقرير الذي تسلمه الرئيس محمد ولد الغزواني.

فيما دعا الرئيس الدوري لقطب ائتلاف المعارضة، الساموري ولد بي الرئيس محمد ولد الغزواني إلى التدخل من أجل تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق الحوار الوطني، وضمان انسياب مساره بما يمكّنه من تحقيق النتائج المنتظرة، وذلك خلال حفل تسليم القطب ردَّه على خارطة طريق الحوار.

مساء اليوم نفسه صادقت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية والأحزاب الداعمة لولد الغزواني على ردها الموحد بشأن وثيقة الحوار المرتقب، مكلفة رئيس حزب الإنصاف الحاكم محمد ولد بلال بتوقيع الوثيقة وإحالتها إلى منسق الحوار موسى فال بوصفها الموقف الرسمي لها.

فيما أجلت منسقية أحزاب الأغلبية فعالية تسليم ردها على وثيقة الحوار الوطني التي كان من المقرر تنظيمها أمس الثلاثاء 10، قائلة إن الإعلان عن الموعد الجديد سيتم في وقت لاحق.

كما أجلت مؤسسة المعارضة الديمقراطية نقطة صحفية بقصر المؤتمرات بمناسبة ردها على رسالة منسق الحوار المرتقب منذ سنة.

خارج دائرة الاهتمام
نائب مدير المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية الأستاذ مختار نافع رأى في تصريح لوكالة الأخبار المستقلة، أن الحوار لم يدخل دائرة اهتمام الرأي العام بالدرجة الكافية، حتى تكون له توقعات منه.

وأرجع ولد نافع ذلك إلى أنه لا يُسمع به في أحاديث المواطنين العاديين أو حديث الشارع، ولا يحضر في توجهات وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الأحزاب السياسية لا تتحدث عنه إلا نادرًا.

ولفت ولد نافع إلى أن الحوار لم يُتحدث عنه في ذكرى المناسبة التي دعي إليه فيها، وهي الإفطار السنوي الذي ينظمه الرئيس على شرف الطبقة السياسية، لأنه أُقيم قبل أيام دون التطرق للحوار.

ومع هذا - يضيف الخبير - فإن الحوار لا يزال ممكنًا أن يحوز على اهتمام الرأي العام إذا تغيرت الطريقة التي يجري بها حاليًا، واتجهت الطبقة السياسية إلى حوار حقيقي "لا أقصد فقط في مخرجاته وإنما في شكله".

ونبه ولد نافع إلى أن ذلك يكون بحيث إن الطبقة السياسية تذهب إلى طاولة الحوار وتطرح آراءها وتناقشها بجدية "اتفقت أو لم تتفق لأن الحوار لا يقاس فقط بالاتفاق".

وأردف ولد نافع أن الحوار يقاس أيضًا باختلاف الآراء وتمسك كل طرف بآرائه، وإعلان الجميع للرأي العام عن هذا الخلاف، لأن "الحوار دون هذه الجدية فإن الطبقة السياسية تجازف بمكانة السياسة ومفهوم الحوار لدى الرأي العام".

وشدد ولد نافع على أنه "من غير المستساغ أن تجتمع كلمة الغالبية العظمى من الطبقة السياسية على الدخول في حوار ويرعاه الرئيس شخصيًا، ثم تمضي سنة كاملة في تبادل الرسائل ولقاءات المجاملة".

أما بالنسبة للسيناريوهات المتوقعة فهي - كما رصد المركز في ورقة سابقة - أن يكون هناك حوار شامل في حضوره ومفتوح في مواضيعه، سواء في قضايا الوحدة الوطنية أو قضايا الإصلاح السياسي أو قضايا الحكامة وإصلاح الإدارة.

والسيناريو الثاني، وفق ولد نافع، هو أن يقع حوار جزئي سواء في مواضيعه أو المشاركين فيه مثل الحوارات السابقة، مرجحًا أن يكون هذا هو الحوار الأقرب إلى الحدوث.

ورأى ولد نافع أن السيناريو الثالث هو فشل الحوار أو تعثره بمقاطعة المعارضة مثلًا، أو ذهاب النظام إلى خيارات أحادية، مردفًا أن هذا السيناريو يظل مطروحًا لأن تطاول الحوار يدل على أن الأطراف غير جاهزة للاتفاق على قضايا محددة.

الأحدث